تضحية أم في لحظة الحريق: قصة ريبيكا جولدشتاين التي أنقذت طفلتها من الطابق التاسع

تضحية أم في لحظة الحريق: قصة ريبيكا جولدشتاين التي أنقذت طفلتها من الطابق التاسع


قصة تضحية الأم ريبيكا جولدشتاين التي أنقذت طفلتها من الحريق

في صباح الخامس والعشرين من مارس عام 1911، كانت مدينة نيويورك تستيقظ كعادتها على ضجيج العمل وحركة الناس المتدفقة نحو المصانع والمتاجر. في أحد المباني الصناعية المرتفعة كانت الشابة ريبيكا جولدشتاين تستعد ليوم عمل طويل داخل مصنع للملابس. لم تكن تتجاوز العشرين من عمرها، لكنها كانت قد عرفت مبكرًا معنى المسؤولية. فقد أصبحت أمًا لطفلة صغيرة تدعى آنا، لم يتجاوز عمرها آنذاك ستة أشهر.

كانت الحياة بالنسبة لريبيكا سلسلة من التحديات اليومية. العمل لساعات طويلة لم يكن خيارًا تفضيليًا بالنسبة لها، بل ضرورة لا مفر منها. الأجور كانت متواضعة، والظروف صعبة، لكن فكرة واحدة كانت تمنحها القوة للاستمرار: مستقبل ابنتها. كانت تنظر إلى آنا وكأنها ترى أمامها سببًا كافيًا لتحمل التعب والإرهاق وكل ما يرافقهما.

في ذلك اليوم واجهت ريبيكا مشكلة لم تكن غريبة على الأمهات العاملات في ذلك الزمن. لم تستطع إيجاد من يعتني بطفلتها أثناء ساعات العمل، كما أن تكاليف دور الحضانة كانت تفوق قدرتها المالية. وبعد تفكير قصير لم تجد أمامها سوى حل واحد: أن تصطحب آنا معها إلى المصنع. وضعت الطفلة الصغيرة بين ذراعيها وخرجت من المنزل، وهي تأمل أن يمر اليوم بهدوء.

داخل المصنع كان المشهد مألوفًا. صفوف طويلة من الطاولات، آلات خياطة تعمل بلا توقف، وعشرات العاملات المنهمكات في إنجاز قطع الملابس بسرعة. كان صوت الماكينات يشكل إيقاعًا ثابتًا يملأ المكان. جلست ريبيكا في موقعها المعتاد، تحاول أن توازن بين عملها وبين العناية بطفلتها التي أبقتها قريبة منها قدر الإمكان.

مرت الساعات الأولى من العمل دون أحداث غير عادية. كانت ريبيكا تنحني فوق القماش وهي تخيط القطع بعناية، ثم تنظر بين الحين والآخر إلى آنا لتتأكد أنها بخير. في تلك اللحظات الصغيرة كانت تشعر بنوع من السكينة، وكأن وجود الطفلة إلى جوارها يمنحها طاقة هادئة تساعدها على الاستمرار.

لكن ذلك الهدوء لم يستمر طويلًا. بعد مرور بعض الوقت بدأت رائحة دخان خفيفة تنتشر في الهواء. في البداية لم ينتبه كثير من العمال إلى الأمر، فقد اعتادوا أحيانًا على روائح مختلفة في بيئة العمل. غير أن الرائحة بدأت تزداد وضوحًا، ثم تبعتها أصوات صراخ متقطعة في أحد أركان الطابق.

خلال دقائق قليلة تحول القلق إلى حالة من الفوضى. اندلع حريق داخل المبنى، وبدأت ألسنة اللهب تنتشر بسرعة بين الطوابق. حاول العمال والعاملات التوجه نحو المخارج، لكن الأعداد الكبيرة وضيق الممرات جعلا الحركة صعبة للغاية. كان الدخان يتصاعد بسرعة، والحرارة تزداد مع كل لحظة تمر.

احتضنت ريبيكا طفلتها بقوة بينما كانت تحاول فهم ما يحدث حولها. نظرت إلى الممرات المكتظة بالناس، ثم إلى الدخان الذي بدأ يملأ المكان. أدركت أن الموقف خطير وأن الوقت ليس في صالحهم. حاولت التقدم نحو أحد المخارج، لكنها وجدت الطريق شبه مغلق بسبب الازدحام والفوضى.

مع ازدياد كثافة الدخان بدأت تبحث بعينيها عن أي منفذ آخر. تحركت نحو إحدى النوافذ في الطابق التاسع من المبنى. عندما وصلت إليها نظرت إلى الخارج ورأت الشارع البعيد في الأسفل. كان الناس قد بدأوا يتجمعون بعد أن لاحظوا الحريق المتصاعد من المبنى.

وقفت ريبيكا للحظة أمام النافذة، بينما كانت تحمل طفلتها بإحكام. كان الهواء في الخارج أكثر نقاء من الدخان الذي يملأ الطابق، لكن المسافة إلى الأرض كانت كبيرة للغاية. ورغم ذلك فإن رؤية الناس في الشارع منحتها شعورًا ضعيفًا بالأمل وسط ذلك الموقف الصعب.

في تلك اللحظات أدركت حقيقة مؤلمة. النيران كانت تقترب بسرعة، والدخان أصبح خانقًا. لم تكن متأكدة إن كانت ستتمكن من الخروج من المبنى. نظرت إلى آنا التي كانت مستلقية بهدوء بين ذراعيها، غير مدركة لما يحدث حولها.

بدأ عقل ريبيكا يعمل بسرعة. كانت تعرف أن القرار الذي ستتخذه خلال اللحظات القادمة قد يحدد مصير ابنتها بالكامل. لم يكن أمامها الكثير من الخيارات، لكن فكرة واحدة ظلت تتكرر في ذهنها: يجب أن تحصل آنا على فرصة للحياة.

اقتربت أكثر من النافذة ونظرت إلى الحشد في الأسفل. كان الناس يرفعون رؤوسهم نحو المبنى وهم يشاهدون الحريق بقلق شديد. حاولت أن ترفع صوتها قدر ما تستطيع وسط الضجيج والدخان، وطلبت من الموجودين في الشارع أن يساعدوا طفلتها.

بين الحشد كان هناك رجل يُدعى السيد كوهين. عندما سمع صرخة الأم ورأى الطفلة الصغيرة بين ذراعيها، فهم بسرعة ما الذي قد يحدث. تقدم خطوة إلى الأمام ورفع ذراعيه نحو الأعلى، وكأنه يعلن استعداده لمحاولة الإمساك بالطفلة إن سقطت.

نظرت ريبيكا إلى الأسفل مرة أخرى. ثم أعادت نظرها إلى وجه ابنتها الصغيرة. احتضنتها للحظات قصيرة وكأنها تريد أن تمنحها آخر ما يمكن أن تمنحه من دفء وأمان.

بعد لحظة صمت ثقيلة اتخذت القرار الذي سيصبح لاحقًا رمزًا في قصة تضحية الأم ريبيكا جولدشتاين. مدت الطفلة بحذر خارج النافذة، ثم أطلقتها نحو الأسفل.

سقطت الطفلة في الهواء من ارتفاع كبير. بدا المشهد للحاضرين في الشارع وكأن الزمن تباطأ فجأة. كانت كل الأنظار موجهة نحو الطفلة الصغيرة التي تهبط بسرعة نحو الأرض.

وقف السيد كوهين مركزًا بكل قوته، وذراعاه ممدودتان إلى الأعلى. وعندما اقتربت الطفلة من متناول يديه تمكن من الإمساك بها بنجاح قبل أن تصطدم بالأرض. دوّى صوت من الارتياح بين الحشد عندما أدرك الجميع أن الطفلة أصبحت بأمان.

في الأعلى رأت ريبيكا ما حدث. رأت الرجل يلتقط طفلتها بسلام. في تلك اللحظة أدركت أن القرار الصعب الذي اتخذته منح ابنتها بالفعل فرصة للحياة.

حاولت بعد ذلك أن تبحث عن طريق للهرب، لكن النيران كانت قد انتشرت في الطابق بسرعة كبيرة. أصبح الدخان كثيفًا والحرارة شديدة، ولم يعد من الممكن الوصول إلى المخارج.

بعد وقت قصير فقدت ريبيكا حياتها داخل الحريق. لكنها كانت قد نجحت في إنقاذ ابنتها قبل ذلك بلحظات.

تم نقل الطفلة آنا بعيدًا عن موقع الحادث، وتكفلت أخت ريبيكا بتربيتها. كبرت الطفلة وهي تسمع القصة التي بدأت بها حياتها. كانت تعرف أن وجودها في هذا العالم كان نتيجة قرار شجاع اتخذته أمها في لحظة صعبة للغاية.

مرت السنوات وتحولت الطفلة الصغيرة إلى امرأة ناضجة. طوال حياتها كانت تحمل تقديرًا عميقًا لذكرى والدتها. لم تكن قصة تضحية الأم ريبيكا جولدشتاين بالنسبة لها مجرد حكاية عائلية، بل كانت جزءًا من فهمها لمعنى الحب والتضحية.

في السابع والعشرين من مارس عام 1911 تم دفن ريبيكا جولدشتاين، وكانت في العشرين من عمرها فقط. حضرت طفلتها جنازتها وهي لا تزال رضيعة، محمولة بين ذراعي خالتها التي أصبحت لاحقًا مسؤولة عن تربيتها.

عاشت آنا حياة طويلة امتدت حتى عام 2001، ووصل عمرها إلى تسعين عامًا. كانت تخبر أبناءها وأحفادها دائمًا أن حياتها بدأت بقرار شجاع اتخذته أمها في يوم مأساوي.

وهكذا بقيت قصة تضحية الأم ريبيكا جولدشتاين واحدة من القصص الإنسانية التي تذكر الناس بقوة الأمومة، وبأن بعض القرارات الصعبة قد تكون في جوهرها أعظم تعبير عن الحب.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي