دعاء أمٍ مظلومة… حكاية قسوة ابن وندم جاء بعد فوات الأوان

دعاء أمٍ مظلومة… حكاية قسوة ابن وندم جاء بعد فوات الأوان


دعاء أمٍ مظلومة… حكاية قسوة ابن وندم جاء بعد فوات الأوان

مقدمة المقال

ليس كل ما يؤلم يُقال، وليس كل ما يُقال يُسمَع.

في بيوت كثيرة، تعيش حكايات كاملة في الصمت، لا لأن أصحابها لا يملكون الكلمات، بل لأن الكلمات تخونهم عندما يحاولون استخدامها. هذه ليست قصة غريبة، ولا استثناءً نادرًا، بل واحدة من تلك الحكايات التي تمرّ علينا دون أن ننتبه، حتى تقع النهاية، فننظر إلى الوراء ونسأل أنفسنا: كيف وصلنا إلى هنا؟

هي قصة أم أنهكها المرض، وأرهقتها الأيام، ووجدت نفسها في لحظة لم تكن تتخيلها يومًا… ترفع يديها إلى السماء لا طلبًا للشفاء، ولا شكوى من القدر، بل بحثًا عن إنصاف شعرت أنه تأخر كثيرًا.

بداية الحكاية: امرأة عاشت أكثر مما ينبغي

كانت الأم امرأة عادية جدًا، من أولئك النساء اللواتي لا يُكتب عنهن في الصحف، ولا تُروى عنهن الحكايات الكبرى، رغم أن حياتهن تمتلئ بما يستحق أن يُروى. تزوجت في سن مبكرة، وأنجبت، وربّت، واعتادت أن تؤجل نفسها دائمًا.

كانت ترى أن التضحية جزء طبيعي من الأمومة، لا فضل فيه ولا انتظار لمقابل. لم تكن تطلب شيئًا لنفسها، حتى عندما كان التعب يسبقها بخطوة. وكان أكثر ما يمنحها شعورًا بالرضا هو أن ترى أبناءها بخير، ولو على حساب صحتها.

الابن الأقرب… والخذلان الأبعد

كان ابنها الأكبر هو الأقرب إلى قلبها. تعاملت معه باعتباره عماد البيت، وسندها حين يثقل العمر على الجسد. لم تتخيل يومًا أن هذا القرب نفسه قد يصبح مصدر وجع.

لم يكن الابن سيئًا بطبيعته. كان شابًا عاديًا، يحلم، ويصطدم بالواقع، ويخيب أمله أكثر من مرة. ومع تراكم الضغوط، بدأ شيء ما يتغير داخله، دون أن ينتبه.

زواج لم يجلب الطمأنينة

بعد زواجه، انتقلت زوجته للعيش في بيت العائلة. حاولت الأم منذ البداية أن تكون ودودة، أن تفتح صفحة هادئة، وأن تتجنب أي احتكاك. لكنها سرعان ما اكتشفت أن العلاقات لا تُبنى بنية طرف واحد فقط.

بدأت الأمور الصغيرة تتضخم. كلمة قيلت بنبرة جافة، نظرة ضيق، صمت طويل في غير موضعه. ومع الوقت، تحولت التفاصيل اليومية إلى مصدر توتر دائم.

قسوة بلا صوت

لم تكن القسوة واضحة أو فجة. لم يكن هناك ضرب، ولا صراخ مدوٍ، بل شيء أصعب من ذلك. كانت القسوة في الطريقة، في الأسلوب، في الإهمال.

كانت تُترك وحدها وهي مريضة، تُؤجَّل طلباتها البسيطة، وتُقابَل شكواها بالتأفف، وكأنها تفتعل التعب. ومع مرور الأيام، بدأ وجودها نفسه يُعامل كعبء.

حين يخذل الجسد وتغيب الرحمة

المرض لم يأتِ فجأة. تسلل ببطء، كأنه يختبر صبرها. أوجاع مزمنة، ضعف، إرهاق لا يزول بالنوم. كانت تحتاج إلى رعاية بسيطة، لا أكثر: كلمة طيبة، حضور إنساني، شعور بأنها ليست وحدها.

لكن ما كانت تجده غالبًا هو الضيق، والتبرم، والتأجيل.

مشهد صغير لا يُنسى

في إحدى المرات، حاولت أن تنهض وحدها لتعدّ كوب شاي. كانت يدها ترتجف، والموقد مشتعلًا أكثر مما ينبغي. نادته بصوت خافت، لم يكن نداءً بقدر ما كان رجاءً.

لم يلتفت في البداية. وعندما التفت، قال دون أن يقترب: “سيبيه… هتولعي الدنيا.”

أطفأت الموقد بيد مرتعشة، وجلست مكانها. لم تقل شيئًا. لكن في تلك اللحظة، شعرت بشيء ينكسر داخلها بهدوء، كأنها أدركت فجأة أن التعب لم يعد في جسدها فقط. منذ ذلك اليوم، لم تطلب شيئًا إلا للضرورة القصوى.

السكوت الذي يكسر أكثر مما يحمي

لم تكن تشكو. لم تُرد أن تكون “الأم التي تفتعل المشاكل”. كانت تخشى أن يُساء فهمها، أو يُقال إنها تبالغ. فآثرت الصمت، والصمت حين يطول لا يحمي الكرامة… بل يُنهكها.

كانت تبكي في الليل، وتسأل نفسها بصوت خافت: هل أخطأت في التربية؟ هل أعطت أكثر مما ينبغي؟ أم أن الزمن تغيّر ولم تلحق به؟

تفصيلة يومية تفضح القسوة

كان في البيت كرسي خشبي قديم اعتادت أن تجلس عليه قرب الشباك، تراقب الشارع كأنها تراقب عمرها وهو يمرّ. في الأيام التي يشتد فيها عليها الألم، كانت تترك الدواء على الطاولة الصغيرة وتنتظر أن يسأل أحد: “أخدتي علاجك؟”

وذات صباح، حين سقطت علبة الدواء على الأرض، لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كان كافيًا ليوقظ البيت لحظة. لم يخرج أحد. جمعت الحبوب واحدة واحدة، بظهرٍ منحنٍ ونَفَسٍ متقطع، ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة لنفسها، كأنها تقول: “مش مهم… أنا اتعودت.”

اللحظة الأخيرة… حين لا يعود في القلب متسع

في أيامها الأخيرة، أدركت أن النهاية تقترب. لم تطلب شيئًا استثنائيًا، فقط قليلًا من الراحة. لكن حتى تلك بدت بعيدة.

في ليلة ثقيلة، وبعد موقف قاسٍ لم تحتمله، فاض ما كتمته سنوات. رفعت يديها إلى السماء، وهي بين الوعي والغيبوبة، ودعت. لم يكن دعاء حقد، ولا كلمات انتقام، بل صوت أمٍ موجوعة، خرج أخيرًا بعدما انتهى الصبر.

رحيل بلا ضجيج

رحلت بهدوء، كما عاشت. لم تترك رسائل، ولا وصايا، ولا عتابًا مكتوبًا. تركت فراغًا فقط… وفراغ الأم لا يُفسَّر.

في البداية، لم يشعر الابن بشيء مختلف. أكمل حياته، وانشغل بأيامه، كما يفعل كثيرون. لكن الأيام، أحيانًا، تتغير دون أن تعلن ذلك.

حين يبدأ الثقل

بدأ كل شيء يضيق. مشاكل متتالية، توتر دائم، شعور بالاختناق لا سبب واضح له. كان يتجاهل الفكرة، لكنه في أعماقه بدأ يتذكر دعاء أمه.

ولأول مرة، شعر أن هناك أشياء لا تُرى، لكنها تُحس.

ندم لا يملك وقتًا

جلس وحده ذات مرة، واستعاد طفولته. تذكّر يد أمه وهي تمسح على رأسه، وسهرها، ودعاءها، وصبرها الطويل.

شعر بثقل الذنب، لكن الذنب، حين يأتي متأخرًا، لا يملك رفاهية الإصلاح.

رسالة القصة

هذه القصة لا تُدين أحدًا، ولا تُخوّف من دعاء، بل تذكّر فقط بأن القسوة لا تكون دائمًا فعلًا كبيرًا. أحيانًا تكون في كلمة لم تُقل، وفي اهتمام أُجِّل، وفي رحمة ظُنّ أنها مضمونة.

صمت البيت بعد الرحيل

بعد رحيلها، بدا البيت أوسع مما ينبغي، وأبرد مما اعتاد. الغرفة التي كانت تجلس فيها صارت بلا صوت، والكرسي الخشبي ظل في مكانه كأنه ينتظر من لن تعود. حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت تثير الضيق سابقًا، غيابها صار ثقيلاً. لم يعد هناك من يوقظ البيت مبكرًا، ولا من يسأل عن أبسط الأشياء.

كان الابن يمر أحيانًا بجوار الغرفة دون أن يدخلها. شيء ما كان يمنعه، كأنه يخشى أن يرى الفراغ بعينيه. أدرك متأخرًا أن وجودها، رغم صمته، كان يمنح البيت توازنًا خفيًا، وأن بعض الناس لا يُدرك ثقلهم الحقيقي إلا بعد أن يغيبوا.

ما الذي يبقى في النهاية

مرت الأيام، وخفّت حدّة الاضطراب، لكن أثره لم يختفِ تمامًا. تعلّم الابن أن الحياة تمضي، نعم، لكنها لا تمحو كل شيء. بعض المواقف تظل عالقة في الذاكرة، تعود في لحظات هدوء غير متوقعة، وتفرض أسئلتها دون استئذان.

ربما لا تعيد الندامة ما فات، لكنها تترك درسًا. درسًا يقول إن الرحمة ليست عبئًا، وإن الكلمة الطيبة لا تُؤجَّل، وإن بعض القلوب إذا انكسرت بصمت، لا يسمع صوتها أحد… إلا بعد فوات الأوان.

الخاتمة

قد لا نملك تغيير ما مضى، لكننا نملك دائمًا أن نكون أرحم اليوم. فالأم لا تطلب الكثير، لكنها تستحق أن تُعامَل بما لا يُعوَّض بعد فوات الأوان.

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان