بنى فوقها جدار| حكاية أبو بلال الذي حمى مكتبة ابنه من النظام.. «العلم حجر الأساس»

بنى فوقها جدار| حكاية أبو بلال الذي حمى مكتبة ابنه من النظام.. «العلم حجر الأساس»


في مدينة حمص، وبين ركام سنوات الحرب الطويلة التي ذاقتها تلك المدينة العريقة، وقف رجل سوري مسن أمام جدار بناه بيده قبل خمسة عشر عامًا، ممسكًا بمطرقة، ليهدم في دقائق ما بناه خوفًا وحبًا معًا، هذل المشهد الذي وثقه ابنه بكاميرا هاتفه، وانتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، كالنار في الهشيم، لم يكن مجرد فيديو عابر، بل قصة إنسانية مؤثرة تختصر خمسة عشر عامًا من الغربة والقلق والانتظار، وتوضح دور العلم في بناء الإنسان والمجتمع.

حين قرر الأب أن يؤجل رحيله

الرجل الذي يعرف باسم «أبو بلال»، كان قد قرر الفرار من سوريا أواخر عام 2011 هربًا من قبضة نظام بشار الأسد، لكنه لم يغادر منزله في حمص قبل أن ينجز مهمة اعتبرها أهم من سلامته الشخصية، إذ أجل موعد سفره عمدًا كي يبني جدارًا زائفًا يخفي خلفه مكتبة نجله الخاصة، التي كانت تضم كتبًا كثيرة كان امتلاكها وحده كافيًا لتعريض صاحبها لخطر حقيقي في ظل الرقابة الأمنية الصارمة التي فرضها النظام هناك في ذلك الوقت، على كل ما يقرأ ويكتب، كما يقال.

اقرأ أيضًا.. 860 فرصة عمل بالأمن والحراسة بمرتبات تصل لـ30 ألف جنيه

فقد كانت حيازة بعض أنواع الكتب في تلك السنوات تعامل معاملة الجريمة، وقد تنتهي بصاحبها إلى الاعتقال، وفق ما أشارت إليه تقارير غربية تناولت القصة.

فبدلًا من أن يترك المكتبة عرضة للنهب أو التفتيش أو الإتلاف، اختار الأب أن يحبسها خلف جدار من الإسمنت، مراهنًا على أن يعود يومًا ليطلق سراحها من جديد.

غربة طويلة وقلق

نقلت وسائل إعلام عربية وأجنبية عن عائلة أبو بلال أن مصير تلك المكتبة ظل الهم الأكبر الذي رافقه طوال سنوات لجوئه في الكويت.

فلم يكن يعرف يقينًا إن كان سيرى تلك الكتب مجددًا، ولا حتى إن كان سيعود يومًا إلى بيته في حمص، لكنه ظل يحمل الفكرة معه أينما ذهب، وكأن الجدار الذي بناه بيديه أصبح جزءًا من ذاكرته لا يفارقها.

وامتدت غربته سنوات طويلة جدًا، شهدت خلالها سوريا فصولًا دامية من الحرب، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة في ديسمبر من عام 2024، حين فر بشار الأسد إلى روسيا مع سيطرة فصائل المعارضة على دمشق، لتسدل بذلك الستار على أكثر من خمسة عقود من حكم عائلته لسوريا.

ومع سقوط النظام، بدأت رحلة العودة تلوح في الأفق لآلاف السوريين الذين شتتهم القمع والحرب في أصقاع الأرض، وكان أبو بلال واحدًا منهم.

لحظة الحقيقة

وبحسب ما تداولته الأسرة والفيديوهات، فإن الأب عاد أخيرًا إلى منزله في حمص، وكان أول ما فعله هو التوجه صوب ذلك الجدار الذي طالما حمل في داخله سرًا ثقيلًا.

وأمسك بالمطرقة وبدأ يضرب الطوب قطعة تلو الأخرى، بينما كان نجله بلال علون، الناشط الذي وثق اللحظة، يراقب المشهد بعينين مليئتين بالترقب.

وحين سقطت آخر كتلة من الجدار، ظهرت المكتبة كما تركها الأب قبل خمسة عشر عامًا تقريبًا، إذ صمدت الكتب سليمة دون أن تمسها الرطوبة أو الغبار أو الزمن، وكأن الوقت توقف عند تلك اللحظة التي أُغلق فيها الجدار لأول مرة.

وقد وصفت ردة فعل الأب بأنها كانت مؤثرة جدًا، إذ بدا متأثرًا بعمق وهو يلمس الكتب من جديد بيديه، بعد أن ظل يحمل صورتها في مخيلته طوال سنوات الغياب.

قصة

ليست قصة أبو بلال حالة منفردة في السياق السوري، فقد شهدت البلاد خلال سنوات الحرب محاولات مماثلة لإنقاذ الكتب من الدمار والنهب.

ومن أبرز تلك القصص ما جرى في بلدة داريا قرب دمشق، حين خاطر شبان بحياتهم لانتشال آلاف الكتب من تحت الأنقاض خلال سنوات الحصار، وخزنوها في مكتبة سرية أقيمت أسفل أحد المباني المتصدعة، وسجلوا على كل كتاب اسم صاحبه الأصلي تمهيدًا لإعادته إليه متى انتهت الحرب.

وفي تلك المكتبة التي ضمت في ذروتها آلاف العناوين تحولت إلى رمزٍ يوازي في معناه ما فعله أبو بلال في حمص، إذ أثبت الطرفان أن الإنسان حين يفقد كل شيء، فإن آخر ما يتخلى عنه هو الكلمة المكتوبة.

العلم حجر الأساس في بناء الأمم

تحمل هذه القصة كما شاهدناها في جوهرها رسالة أعمق من مجرد مشهد إنساني مؤثر، فهي تذكير بأن العلم والمعرفة يظلان من أثمن ما تملكه الشعوب، حتى في أحلك لحظات الحروب والانكسار.

فالأمم التي تنهض من تحت الرماد لا تبنى بالحجر والإسمنت وحدهما، بل بما يحمله أبناؤها من وعي وثقافة وقراءة، وهذه بالتحديد كانت الفكرة التي دفعت رجلًا مسنًا إلى المخاطرة بوقته وجهده كي يحمي رفوف كتبٍ صغيرة من الضياع.

فحين تهدم الجدران المادية وتبنى مكانها جدران من الوعي، تبدأ الأمم رحلة تعافيها الحقيقية، وقصة أبو بلال، رغم بساطتها الظاهرية، تختصر معنى أن حماية المعرفة هي في جوهرها حماية للهوية والمستقبل معًا.

وأن أجيالًا قادمة قد تجد في تلك الكتب التي صمدت خلف الجدار بذرة أمل جديدة لسوريا التي تحاول اليوم أن تنهض من جديد، وأن الخير سيأتي مهما تأخر في الوقت، فحفظ الله بلاد العرب والمسلمين.

المصادر:

www.gdnonline.com

embraceme.org

انضم للمجتمع

محمد الكيلاني
محمد الكيلاني