قد يبدو الحديث عن «حرك الجثة» أشبه بمشهد من فيلم رعب رخيص أو ثمين، أيًا كان، لكن العلم يؤكد أن الأمر حقيقي فعلًا، وإن كان تفسيره أبعد ما يكون عن أي معنى خارق أو عودة للحياة، فبعد توقف القلب والدماغ، لا يتوقف الجسم فورًا عن كل نشاطه، بل يدخل في سلسلة معقدة من التغيرات الكيميائية والفيزيائية التي قد تستمر لساعات، بل لأشهر بعد الوفاة، وهو ما وثّقته أبحاث علمية جادة أثارت جدلًا واسعًا عند نشرها.
أول حركة
بحسب تقرير علمي نشرته منصة «إينديان بابليك» فإن أول حركة قد تحدث للجسم بعد الوفاة مباشرة لها تفسير كيميائي بسيط، إذ تخزن في نهايات الأعصاب مواد مسؤولة عن تفاعل كهروكيميائي يحرك العضلات، وعند الوفاة تطلق هذه المواد تدريجيًا، فتنتج عنها حركة عابرة غالبًا ما تكون مجرد ارتعاشة خفيفة، كانقباض بسيط في أصابع اليد أو رجفة طفيفة في الساق.
اقرأ أيضًا.. نتيجة قرعة حج الجمعيات الأهلية 2027.. رابط الاستعلام
ويؤكد موقع «بيولوجي» هذه الفكرة، موضحًا أن هذه الومضات العصبية المتبقية لا علاقة لها إطلاقًا بأي وعي أو إرادة، بل هي مجرد تفريغ عشوائي أخير لنشاط كهربائي كان يعمل طوال الحياة.
الحركة التي يعرفها الجميع لكن قليلون يفهمون آليتها
يعد تيبس الموت، الظاهرة الأكثر شهرة بين علامات ما بعد الوفاة، وفحسب مرجع، يحدث هذا التيبس نتيجة نفاد مادة «الأدينوسين ثلاثي الفوسفات» وهي المادة المسؤولة عن إمداد العضلات بالطاقة اللازمة للانبساط والانقباض معًا.
فبمجرد نفاد هذه المادة، ترتبط ألياف البروتين العضلي بإحكام دون أن تتمكن من الانفصال مجددًا، فيصاب الجسم بالتصلب التدريجي.
وهذا التيبس يبدأ عادة في عضلات صغيرة كالفك والجفون، قبل أن ينتشر تدريجيًا نحو عضلات الأطراف والجذع الأكبر حجمًا، ليصل ذروته الكاملة عادة خلال ما بين اثنتي عشرة إلى ست وثلاثين ساعة، ثم يبدأ بالزوال تدريجيًا مع تقدم مراحل التحلل، في عملية تعرف بالارتخاء الثانوي.
وتشير الأبحاث ذاتها إلى وجود حالة نادرة ومختلفة تمامًا تعرف بالتشنج الجثثي، وهي ظاهرة تصيب مجموعة عضلية بعينها كانت تعمل بجهد مكثف قبل الوفاة مباشرة، كقبضة يد متيبسة على سلاح أو غصن شجرة، لتتجمد في وضعها الأخير فورًا دون المرور بمرحلة الارتخاء الأولي المعتادة.
وهي ظاهرة يستخدمها الطب الشرعي أحيانًا كدليل مهم لفهم ظروف الوفاة الأخيرة للشخص.
الغازات والسوائل
مع دخول الجسم مرحلة التحلل، تبدأ البكتيريا الموجودة أصلًا داخل الأمعاء والأنسجة في التكاثر والتغذي على الجسم نفسه، منتجة كميات كبيرة من الغازات كغاز كبريتيد الهيدروجين.
وتتسبب هذه الغازات المتراكمة في انتفاخ الجسم تدريجيًا، وقد يصل الضغط الداخلي الناتج عنها إلى درجة كافية لتحريك الأطراف أو تغيير وضعية الجسم بالكامل، بل وأحيانًا دفع سوائل التحلل للخروج عبر الفم مصحوبة بصوت أشبه بالتأوه بسبب مرور الهواء عبر الأحبال الصوتية.
وهو ما فسر تاريخيًا كثيرًا من الروايات الشعبية القديمة عن الأصوات في العصور التي سبقت انتشار تقنيات التحنيط الحديثة.
دراسة أسترالية غيرت فهم الطب
الأهم من كل هذه التفاصيل الفسيولوجية هو ما كشفته دراسة علمية أعدتها الباحثة أليسون ويلسون من جامعة سنترال كوينزلاند الأسترالية، والتي نقلتها منصة “«ميديكال توداي» ووكالة «فرانس برس».
فقد راقبت ويلسون جثة متبرع بها لأغراض علمية داخل مزرعة الجثث الأسترالية، وهي المنشأة الوحيدة من نوعها في نصف الكرة الجنوبي المخصصة لدراسة تحلل الجثث في ظروف طبيعية مفتوحة، وذلك عبر تصوير الجثة بتقنية الفاصل الزمني على مدى سبعة عشر شهرًا متواصلة.
وتوصلت الباحثة إلى أن الجسم لا يتوقف فعليًا عن الحركة حتى بعد استقراره الظاهري في وضعية معينة عقب الوفاة، إذ لاحظت أن ذراعًا كانت ملتصقة بالجسم في البداية انتهى بها الأمر ممتدة بالكامل إلى جانب الجسد بعد أشهر من المراقبة.
وقد فسرت ويلسون هذه الظاهرة بأنها مرتبطة بعملية التحلل نفسها، إذ تجف الأربطة تدريجيًا أثناء تحول الجسم نحو التحنّط الطبيعي، ما يجعلها تنكمش وتسحب الأطراف معها ببطء شديد على مدى فترة طويلة.
وتحمل هذه النتيجة أهمية كبيرة للطب الشرعي تحديدًا، إذ اعتاد المحققون افتراض أن وضعية الجثة عند اكتشافها تعكس بالضرورة وضعيتها وقت الوفاة، ما لم تظهر أدلة واضحة على تدخل خارجي كحيوانات مفترسة أو تحريك متعمد من قبل شخص آخر.
لكن دراسة ويلسون تثبت أن الجسم نفسه قادر على إعادة ترتيب أطرافه ذاتيًا دون أي تدخل خارجي إطلاقًا، بمحض عمليات داخلية بحتة، وهو ما قد يدفع المحققين لإعادة تقييم بعض الاستنتاجات المبنية على وضعية الجثث المكتشفة بعد فترات طويلة من الوفاة.
علامة على عودة الحياة؟
بحسب جميع المصادر الطبية المتفق عليها، الإجابة قاطعة بالنفي، فكل هذه الحركات، من الارتعاش العصبي البسيط في الدقائق الأولى، مرورًا بتيبس الموت وتشنجاته النادرة، وصولًا إلى انتفاخ الغازات وانكماش الأربطة على مدى شهور، هي عمليات فيزيائية وكيميائية بحتة لا علاقة لها بأي وعي أو نشاط عصبي حقيقي متبقٍ.
وكما يوضح موقع أوكونيل الأمريكي في تقرير تثقيفي موجه للعامة، فإن هذه الظواهر رغم مظهرها المقلق للوهلة الأولى، تبقى حقائق علمية طبيعية تمامًا لا ينبغي أن تثير خوفًا حقيقيًا، فالخطر الفعلي المرتبط بفقدان شخص عزيز يكمن في الألم العاطفي للفقد، لا في الجسد الذي يتركه خلفه.
ويتضح إذن أن الموت ليس لحظة واحدة حاسمة تتوقف عندها كل عمليات الجسم دفعة واحدة، بل بداية لسلسلة طويلة ومعقدة من التحولات الكيميائية والحيوية التي قد تمتد لأشهر كاملة، وأن أي حركة يلاحظها البعض في جثة بعد الوفاة، مهما بدت مثيرة للقلق، تبقى في النهاية شهادة على مدى التعقيد الذي يحكم الجسد البشري حتى بعد مغادرة الحياة له تمامًا، فسبحان الخالق الذي يحيي ويميت.
المصادر: