المعلومة بخمسة جنيه.. تعالى يا سيدي| بياناتك الشخصية بأقل الأسعار.. رحلة داخل جرائم تجارة تسريب المعلومات

المعلومة بخمسة جنيه.. تعالى يا سيدي| بياناتك الشخصية بأقل الأسعار.. رحلة داخل جرائم تجارة تسريب المعلومات


بطاقة رقم قومي، أو عنوان سكن، أو حتى سجل جنائي، حتى قسيمة زواج أو طلاق، كل هذه المعلومات، التي يفترض أن تكون من أكثر بيانات الإنسان خصوصية، أصبحت اليوم سلعة تعرض للبيع داخل مجموعات على تطبيق «تيليجرام» بحس الفيديو الذي اعتدنا عليه كمصدر لنا، هذه المعلومات تباع بأسعار تبدأ أحيانًا من عشرات الجنيهات فقط، هذا ما كشفه فيديو وتحقيق صحفي لـ«إندبندنت عربي»، رصد حجم ظاهرة تسريب وبيع بيانات المواطنين المصريين، وتتبع مصدرها الحقيقي.

ليست اختراقات

النقطة الأكثر إثارة للقلق في هذا الملف ليست وجود السوق نفسها، بل مصدرها، فالتصور الشائع يفترض أن بيانات بهذا الحجم لا يمكن أن تخرج إلا عبر اختراق تقني معقد لقواعد بيانات حكومية محصنة.

اقرأ أيضًا.. من طلاب لطلاب آخرين| منحة دراسية في هامبورج الألمانية بلا مقابل مادي.. تفاصيل التقديم.. «سكن وراتب شهري»

لكن الواقع، بحسب ما يوضحه التحقيق الذي اعتمدنا عليه، مختلف تمامًا، فالحلقة الأضعف غالبًا ليست الجدران الرقمية، بل الموظفون أنفسهم الذين يمتلكون صلاحية الوصول المشروع لهذه البيانات في سياق عملهم، ثم يسيئون استخدام هذه الصلاحية، إما ببيعها مباشرة أو بتسريبها لطرف ثالث مقابل مبالغ زهيدة نسبيًا مقارنة بحجم الضرر المحتمل.

وهذا النمط ليس افتراضيًا، ففي أغسطس 2026، أعلنت وزارة الداخلية المصرية والتي تقوم بدور كبير في ضبط ثمانية عشر متهمًا، من بينهم موظفو خدمة عملاء في شركات اتصالات، في قضية تتعلق ببيع خطوط هاتف مسجلة ببيانات مواطنين دون علمهم، في فضيحة كشفت عن تواطؤ مباشر من داخل منظومة شركات الاتصالات نفسها لا من خارجها.

وقبل ذلك، في أبريل 2024، عرض شخص مجهول قاعدة بيانات زعم أنها تضم 85 مليون سجل لمواطنين مصريين، تشمل الاسم الكامل واسم الأم ورقم الرقم القومي ورقم الهاتف، للبيع مقابل ثلاثة آلاف دولار فقط على أحد منتديات القرصنة، بعد جمعها بحسب تحليل أمني بأسلوب «سحب البيانات» من مواقع تابعة لجهات صحية.

البيانات المسربة تصبح أخطر في عصر الذكاء الاصطناعي

الخطر لا يتوقف عند مجرد معرفة الغرباء لعنوانك أو رقمك القومي، فالتحقيق يحذر من أن هذه البيانات، حين تجمع مع بعضها، تتيح للمحتالين بناء «ملف تعريف» شبه كامل عن الضحية، مثل اسمها الكامل، عنوانها، رقم هاتفها، وأحيانًا صورتها الشخصية من بطاقة الهوية.

وفي عصر تتطور فيه تقنيات «التزييف العميق» وتقليد الأصوات بسرعة كبيرة، يصبح بالإمكان نظريًا استخدام هذا الملف لتنفيذ عمليات احتيال أكثر إقناعًا بكثير من الرسائل النصية العشوائية التقليدية، سواء عبر انتحال شخصية موظف بنكي، أو محاكاة صوت أحد أفراد العائلة في مكالمة طارئة تطلب تحويل أموال.

ماذا فعلت الدولة حتى الآن؟

على المستوى الرسمي، اتخذت جهات مصرية عدة خطوات هامة وكبيرة للحد من هذه المخاطر، فقد فتح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تحقيقات مع شركات المحمول العاملة في السوق المصري، في أعقاب تسريب بيانات الخطوط المسجلة، كما أطلقت منظومة تحقق بيومتري تعتمد على بصمة الوجه لتسجيل خطوط الهاتف المحمول والمحافظ الإلكترونية.

وذلك بهدف ربط كل رقم هاتف بصاحبه الحقيقي بدقة أكبر، والحد من ظاهرة الخطوط المسجلة ببيانات أشخاص آخرين دون علمهم.

إلى جانب ذلك، اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية إجراءات مماثلة في وقائع متعلقة بشركات التمويل، بعد رصد حالات استخدمت فيها بيانات مسربة لفتح تمويلات أو حسابات دون علم أصحابها الحقيقيين.

لماذا لا يكفي التحقق البيومتري وحده؟

ورغم أهمية هذه الخطوة، يرى مختصون أن التحقق البيومتري يعالج عرضًا لا سببًا، فبصمة الوجه تمنع انتحال هوية شخص عند تسجيل خط هاتف جديد، لكنها لا تمنع تسريب بياناته أصلًا من الجهة التي يفترض أنها تحفظها بأمان.

فالمعركة الحقيقية، بحسب ما يخلص إليه مصدرنا، تكمن في نقطة أسبق، وهي مراقبة صلاحيات الموظفين أنفسهم داخل المؤسسات الحكومية والخاصة التي تحتفظ ببيانات المواطنين.

وتوثيق كل عملية دخول أو استعلام على ملف أي مواطن عبر سجلات رقمية دقيقة، ويمكن الرجوع إليها لاحقًا.

فبدون سجل واضح يوضح من دخل على أي ملف، ومتى، ولأي غرض، يظل من شبه المستحيل تتبع مصدر أي تسريب بدقة أو محاسبة المتورط الفعلي فيه، مهما بلغت قوة أنظمة التحقق من الهوية عند طرف المستخدم النهائي.

وخبراء قانونيون مصريون يؤكدون في المقابل أن القانون يجرّم بالفعل تسريب أو إفشاء هذه البيانات إلا في حالات محددة قانونًا، كقرارات النيابة العامة أو القضاء، وأن أي جهة، حكومية كانت أو خاصة.

ولا يحق لها التفريط في بيانات من تتعامل معهم مهما كان نوع الخدمة المقدمة، وأن على من يثبت تسريب بياناته اللجوء مباشرة للقانون بدل الاكتفاء بتغيير كلمات المرور أو أرقام الهواتف، ويرجى العلم، أن جميع المعلومات التي تم ذكرها في هذا التقرير، تم نقلها من مصادرها، ولم نقم سوى بجمع المعلومات، ولم نقم بـ«أي تحقيق خاص».

المصادر:

www.independentarabia.com

www.elwatannews.com

انضم للمجتمع

محمد الكيلاني
محمد الكيلاني