ليلة العمر اللي اتحولت لكابوس
فيه ليالي الإنسان بيفضل يحلم بيها سنين طويلة، ويتخيل كل تفصيلة فيها قبل ما تعيشها، وأنا كنت واحدة من الناس دي. من وأنا صغيرة كنت برسم في خيالي يوم فرحي، وأفتكر إني هلبس الفستان الأبيض، وأقف وسط أهلي وناسي، وأشوف الفرحة في عيونهم قبل ما أشوفها في عيني. كنت فاكرة إن الليلة دي هتكون بداية حياة جديدة، بداية كلها أمل وراحة واستقرار، وإن كل التعب اللي عديت بيه في حياتي هينتهي أول ما أمسك إيد الشخص اللي اخترته عشان نكمل الطريق سوا. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. الليلة اللي كنت فاكرة إنها هتكون أجمل ليلة في عمري، اتحولت في لحظات قليلة لكابوس مستحيل أنساه مهما عشت، وكأن الدنيا كلها قررت تقلب عليّ مرة واحدة ومن غير أي إنذار.
قاعة الفرح كانت مليانة ناس. الأغاني شغالة، والضحك مالي المكان، والكل بيبارك ويصور، وكل واحد بيحاول يشاركنا الفرحة بطريقته. كنت واقفة جنب عريسي وأنا بحاول أستوعب إن اليوم اللي استنيته سنين بقى حقيقة. أمي كانت بتلف وسط المعازيم وهي ملامحها كلها سعادة، وأبويا واقف بعيد شوية يتابع كل حاجة بعين كلها فخر، وكأنه شايف تعبه كله بيتوج في اللحظة دي. كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي جدًا، ومفيش أي علامة كانت تقول إن بعد دقائق قليلة حياتي كلها هتتقلب رأسًا على عقب.
وأنا واقفة بابتسم للناس، لمحته داخل القاعة. ابن عمي. كان ماشي بهدوء غريب، ووشه مفيهوش أي تعبير يبين إذا كان فرحان أو زعلان. افتكرت في الأول إنه جاي يبارك زيه زي باقي الناس، لكن الطريقة اللي كان بيبص بيها حوالين نفسه خلتني أحس بعدم ارتياح. حاولت أطرد الإحساس ده من دماغي، وقلت يمكن مجرد توتر اليوم الكبير. لكنه مكملش ناحيةَّ أنا… راح مباشرة لعريسي.
وقف جنبه، وقرب منه بطريقة خلت محدش يسمع غيره، وهمسله بكلمتين بس. كلمتين كانوا كفاية إنهم يهدوا كل حاجة اتبنت في حياتي. شفت ملامح عريسي وهي بتتغير قدام عيني في ثواني. الابتسامة اختفت، والهدوء اتحول لغضب، وعينيه بقى فيهم شر عمري ما شوفته قبل كده. كنت مستغربة، مش فاهمة إيه اللي اتقاله خلاه يتبدل بالشكل المخيف ده.
وقبل ما ألحق أسأله أو حتى أقرب منه، سمعته بيزعق بأعلى صوته قدام كل الناس:
“مبروك عليك بنت عمك… وابني اللي في بطنها!”
الجملة نفسها كانت صدمة، لكن الصدمة الأكبر كانت رد فعل عريسي. بصلي نظرة كلها غضب، ومن غير ما يسألني سؤال واحد، ومن غير ما يديني فرصة أتكلم أو أدافع عن نفسي، صرخ قدام القاعة كلها:
“أنتِ طالق!”
الكلمة دي لما خرجت من بقه حسيت إنها وقفت الزمن. كل الأصوات اختفت فجأة. الأغاني سكتت، والضحك اختفى، وحتى الناس اللي كانت بتتكلم بطلت كلام. القاعة كلها بقت ساكتة بشكل مخيف، لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسي ودقات قلبي كأنهم أعلى صوت في المكان. رجليا ثبتت في الأرض، وحسيت إني فقدت القدرة حتى على التفكير. كنت ببص حواليَّ وكأني مستنية حد يقول إن اللي بيحصل ده مجرد سوء تفاهم، أو هزار سخيف هيخلص بعد دقيقة، لكن مفيش حاجة من دي حصلت.
أمي أول ما استوعبت الكلمة، حطت إيديها على وشها وهي بتصرخ من القهر، وقعدت تردد بكلمات كلها وجع وخوف من كلام الناس. أما أبويا، فالمنظر اللي شوفته في عينيه عمره ما هيفارق خيالي. الراجل اللي طول عمره كان قوي، واللي كنت بحتمي فيه من أي حاجة، واقف وسط الناس مكسور، مش قادر ينطق ولا كلمة، وكأن الأرض نفسها انسحبت من تحت رجليه.
أما أنا… فكنت واقفة مشلولة. مش قادرة أصدق إن حياتي اتغيرت في أقل من دقيقة، ومن غير ما أعرف حتى أنا متهمة بإيه.
بصيت ناحية عريسي، لقيت وشه كله غضب، وشفايفه بتترعش، وكأنه مقتنع بكل كلمة اتقالتله. حاولت أقرب منه خطوة، لكنه رجع لورا وبصلي باحتقار وجمود عمره ما كان في نظرته ليا قبل كده. وقتها لفيت بسرعة ناحية ابن عمي، يمكن ألاقي عنده تفسير للكارثة دي.
كان واقف بعيد شوية، حاطط إيده في جيبه، وعلى وشه ابتسامة باردة جدًا. ابتسامة شخص شايف الخطة اللي رسمها بتنجح قدامه خطوة بخطوة. لا كان متوتر، ولا حتى حاسس بالذنب. بالعكس… كان باين عليه إنه مستمتع بكل ثانية من اللي بيحصل.
رجعت أبص لعريسي وأنا بحاول أتكلم، لكن لساني كان تقيل. كنت عايزة أصرخ وأقول إن كل اللي بيتقال كذب، وإني معرفش أصلًا الكلام ده جاي منين، لكن الكلمات كانت محبوسة جوايا من شدة الصدمة.
هو قرب مني، وبص في عيني مباشرة، وقال بصوت واطي، لكنه كان مليان غضب واحتقار:
“كفاية تمثيل… السر اللي كنتوا مخبينه عليا اتكشف. كنتوا فاكرين إني هفضل مغفل؟ الحمد لله عرفت الحقيقة قبل ما أغرق أكتر.”
بعدها لف ضهره ومشي، وسابني واقفة وسط مئات العيون اللي كانت بتبصلي بنظرات مختلفة. فيه اللي كان مستغرب، وفيه اللي كان مصدق، وفيه اللي بدأ يهمس للي جنبه، وكل همسة كنت حاسة إنها سكين جديد بيتغرس جوايا.
وفي وسط الفوضى دي كلها، حسيت بحد بيقف جنبي. كان ابن عمي. قرب مني بهدوء، وحط في كف إيدي ورقة صغيرة مطبقة، وضغط عليها بإيده وهمس بصوت محدش غيري سمعه:
“افتحيها لما تخرجي من هنا… لو عايزة تعرفي الحقيقة، ولو لسه عايزة تقدري ترفعي راسك تاني.”
قبل ما ألحق أسأله أي سؤال، كان بعد عني واختفى وسط الزحمة، وسابني ماسكة الورقة وأنا مش عارفة أخاف منها، ولا أرميها، ولا أفتحها.
بعد دقائق كانت باينة كأنها ساعات، جه أبويا بهدوء، مسك إيدي من غير ما يقول كلمة، وكأن الكلام كله بقى ملوش قيمة. خرجنا من القاعة وسط نظرات الناس وهمساتهم اللي كانت بتزيد مع كل خطوة. كنت حاسة إن كل واحد في المكان بيحكم عليَّ من غير ما يسمعني، وإن الليلة اللي كان المفروض أخرج منها وأنا عروسة، بخرج منها وأنا شايلة وجع عمر كامل.
ركبنا العربية، والسكوت كان تقيل بشكل يخنق. أمي كانت بتعيط في الكرسي اللي ورا، وأبويا سايق وعينيه على الطريق، لكن ملامحه كانت بتقول إنه تايه أكتر مننا كلنا. وأنا كنت لسه قابضة على الورقة الصغيرة بإيدي، وبصيت في المراية الجانبية قبل ما أفتحها، فشفت ابن عمي واقف عند باب القاعة، بيبص علينا من بعيد، وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة… وكأنه متأكد إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير من اللي فات.
أخدت نفس طويل، وبدأت أفرد الورقة بإيدي المرتعشة، وأنا مش عارفة إذا كنت مستعدة أعرف المكتوب فيها… ولا لأ.
الجزء الثاني: كشف المستور
أول ما صوتي طلع وأنا بصرخ: “وقف العربية يا بابا!”، أبويا ضغط على الفرامل بكل قوته، والعربية وقفت فجأة لدرجة إن صوت احتكاك الكاوتش بالإسفلت قطع هدوء الشارع الفاضي. جسمي كله اندفع لقدام، وأمي شهقت وهي ماسكة في الكرسي، وأبويا لف وشه ناحيتي بسرعة، وعينيه كانوا مليانين خوف قبل حتى ما يعرف السبب. في اللحظة دي حسيت إن الزمن وقف للمرة التانية في نفس الليلة. كل حاجة بقت ساكنة، والورقة الصغيرة اللي كانت في إيدي بقت تقيلة كأنها شايلة عمر كامل من الأسرار.
بصلي أبويا وهو بيحاول يسيطر على رعشة صوته وقال: “في إيه يا بنتي؟ مالك؟”. لكني مكنتش قادرة أرد. لساني اتربط، وقلبي بيدق بعنف، وعيني كانت راجعة للكلمات المكتوبة في الورقة كأني مش مصدقة اللي بقراه. حسيت إن الحروف نفسها بتتحرك قدامي من كتر الصدمة، فأخدت نفس طويل وحاولت أركز فيها من جديد، يمكن أكون فهمتها غلط.
أمي اتعدلت في مكانها ومسحت دموعها بسرعة، وقالت وهي باصة للورقة: “ورقة إيه دي؟ مين اداهالك؟ انطقي يا إنجي، هتموتينا من الخوف.”
أنا بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت مرة تانية للكلام المكتوب. كان واضح جدًا إنه بخط إيد ابن عمي، نفس الخط اللي شوفته مئات المرات قبل كده. الكلمات كانت قصيرة، لكنها كانت كفاية تهد أي إنسان يقرأها:
“لو فاكرة إن السكوت هيداري أي حاجة، تبقي غلطانة… جوزك ما طلقكيش بسبب الكدبة اللي قولتهاله، جوزك طلقك لأنه عرف الحقيقة اللي أبوكي مخبيها عنك وعن كل الناس من سنين. اسألي أبوكي مين هو أبويا الحقيقي، وليه عمك كتب كل أملاكه باسمك إنتِ مش باسمي أنا. ولو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة… افتحي الصندوق الأسود اللي جوه دولاب أبوكي.”
قريت الكلام مرة… واتنين… وتلاتة… وكل مرة كانت الصدمة بتزيد. حسيت إن الأرض بتميل بيا، وإن كل الأسئلة اللي في دماغي بقت أكتر من إجابتها بكتير. التفت ناحية أبويا بسرعة، ودموعي نزلت من غير ما أحس، وقلت بصوت كله وجع:
“يعني إيه الكلام ده يا بابا؟ يعني إيه الحقيقة اللي إنت مخبيها؟ ويعني إيه أملاك عمي؟ ويعني إيه الصندوق الأسود؟ أنا حصل فيا اللي حصل قدام الناس كلها، واتطلقت في فرحي، ولسه في أسرار تانية؟ رد عليا… بالله عليك رد عليا.”
أول ما سمع كلمة “الصندوق الأسود”، لاحظت حاجة عمرها ما حصلت قبل كده. وش أبويا اتغير فجأة. الخوف اللي كان في عينيه بقى أوضح من أي حاجة، وإيده اللي كانت على الدريكسيون بدأت ترتعش. فضل ساكت ثواني طويلة، ولا كلمة خرجت من بقه، وكأنه بيفكر يعمل إيه.
أمي بصتله باستغراب وقالت بعصبية ممزوجة بالخوف:
“هو فيه إيه؟ بنتنا حياتها اتهدت، والناس كلها شافتها وهي بتتطلق، ولسه فيه كلام عن أسرار وأملاك؟ هو إحنا ناقصين مصايب؟ اتكلم يا راجل وفهمنا.”
لكن أبويا فضل ساكت. شغل العربية من جديد، وضغط على البنزين، وانطلق في الطريق من غير ما يبص لأي حد فينا. كان سايق بسرعة أكبر من المعتاد، وكل ملامحه بتقول إنه عايز يوصل البيت بأي طريقة قبل ما ينطق بأي حرف.
طول الطريق محدش فينا اتكلم. صوت بكاء أمي كان بيكسر الصمت كل شوية، وأنا كنت حضنة الورقة بإيديا، وكل ثانية بترجعني للكلمات اللي فيها. كنت حاسة إن حياتي اللي كنت فاكراها واضحة، طلعت مليانة حاجات مستخبية عني. لأول مرة أسأل نفسي: هو ممكن فعلًا يكون فيه سر كبير أنا آخر واحدة أعرفه؟
وصلنا البيت بعد دقائق حسيتها ساعات. أول ما نزلنا، أبويا فتح الباب بسرعة، ودخلنا كلنا، وبعدها لف المفتاح في الباب كذا مرة كأنه خايف حد يدخل ورانا. البيت كان هادي بشكل غريب، والهدوء ده كان بيزود إحساسي بالخوف.
وقفت في نص الصالة، ولسه لابسة فستان الفرح. الفستان اللي كنت من ساعات ببصله وأنا فرحانة، بقى دلوقتي تقيل على قلبي. الطرحة كانت متبهدلة، والمكياج اختلط بدموعي، وكل تفصيلة في شكلي كانت بتفكرني باللي حصل قدام الناس.
بصيت لأبويا بثبات، رغم إن قلبي كان بيرتعش، وقلت:
“أنا مش هقلع الفستان ده، ومش هتحرك من مكاني، غير لما أعرف الحقيقة. ابن عمي اتهمني بحاجة ما عملتهاش، وجوزي صدقه وطلقني، والورقة دي بتقول إن السبب الحقيقي حاجة تانية خالص. أنا من حقي أعرف.”
أبويا فضل واقف شوية، وبعدها قعد على أقرب كرسي، وحط وشه بين إيديه. لأول مرة في حياتي أشوفه بيعيط بالشكل ده. كان بيبكي بصمت في الأول، وبعدها بدأ صوته يطلع بالتدريج.
قال وهو بيحاول يلم نفسه:
“ابن عمك مش هدفه يكسرك إنتِ… هو هدفه يكسرني أنا. وكل اللي بيعمله النهارده، بيعتبره انتقام من حاجة حصلت من سنين.”
الكلام زود حيرتي أكتر. قربت منه خطوة، وقلت:
“انتقام من إيه؟ أنا مالي؟ أنا ذنبي إيه؟”
رفع رأسه، وكانت الدموع مالية عينيه، وقال بصوت مكسور:
“الحقيقة يا بنتي إن…”
لكن قبل ما يكمل، دوى صوت خبط عنيف على باب الشقة. الخبط كان متواصل وقوي، لدرجة إن البيت كله اهتز معاه. أنا وأمي اتفزعنا، وبصينا ناحية الباب في نفس اللحظة.
الخبط زاد أكتر، وصوت راجل بدأ يتسمع من بره وهو بينادي بأعلى صوته. قلبي انقبض، ومشيت ناحية العين السحرية بخطوات بطيئة، وأنا مش عارفة هلاقي مين واقف بره.
بصيت من العين… واتجمدت مكاني.
اللي واقف قدام الباب كان هو… عريسي… أو بالأصح طليقي. نفس البدلة اللي كان لابسها في الفرح، ونفس ملامح الغضب، لكنه المرة دي كان بيخبط بعنف، وصوته مسموع لكل العمارة.
كان بيزعق ويقول:
“افتح يا عمي… افتح! لازم الحقيقة كلها تتقال النهارده. مش هسيب حد يضحك عليا تاني.”
رجعت خطوة لورا من شدة الصدمة، وأمي جريت ناحيتي وهي بتسألني مين اللي بره. مقدرتش أرد، واكتفيت إني أشاور ناحية الباب.
أبويا قام من مكانه ببطء. المرة دي ملامحه كانت مختلفة. الخوف اللي كان باين عليه من شوية، بدأ يتحول لقرار. أخد نفس طويل، ومسح دموعه بإيده، وبصلي وبص لأمي، وبعدها اتجه ناحية الباب بخطوات ثابتة.
وقف قدام الباب ثواني، وكأنه بيجمع شجاعته، وبعدها حط إيده على المقبض، وقال بصوت هادي:
“واضح إن وقت السكوت خلص… والحقيقة لازم تظهر.”
وببطء… بدأ يفتح الباب.
الجزء الثالث والأخير: الحقيقة العارية
كان صوت الخبط على الباب بيهز البيت كله، وصوت طليقي من بره كان عالي ومليان غضب وانفعال، لدرجة إن أي حد في العمارة كان أكيد سامعه. وقفت مكاني وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني، وكل اللي حصل من أول اليوم كان بيعدي قدام عيني في ثواني. أبويا قام من مكانه بسرعة، لكن المرة دي ملامحه كانت مختلفة، كأنه أخيرًا قرر يواجه الحقيقة اللي فضل شايلها جواه سنين طويلة. أما أمي فكانت ماسكة في دراعي بإيديها المرتعشتين، وبتقول وهي خايفة: “الحقنا يا غانمي… العريس هيعمل لنا فضيحة قدام الناس كلها.” لكن أبويا ما ردش، أخد نفس طويل، وبص لنا بنظرة كلها حسم، واتجه ناحية الباب بخطوات ثابتة، وبعد لحظات فتحه بهدوء.
أول ما الباب اتفتح دخل طليقي بسرعة، وكانت نظراته لسه مليانة غضب، وكأنه داخل يكمل معركة مش مجرد نقاش. وقف قدام أبويا مباشرة وقال بصوت عالي: “يعني كنت فاكر إنك هتقدر تخدعني؟ تجوزني بنتك عشان تداري على اللي حصل زمان؟” الكلمات نزلت على قلبي زي السكاكين، لكن قبل ما حد فينا يرد، سمعنا صوت أبويا وهو بيزعق لأول مرة بالشكل ده. قال بكل قوة: “اخرس! محدش خدعك، وبنتي عمرها ما كان فيها عيب. بنتي شريفة وطاهرة، واللي لعب اللعبة دي كلها هو ابن عمها… هو اللي خطط لكل حاجة عشان يحرق قلبي ويحطم بنتي.”
ساد صمت غريب في المكان، وكل واحد فينا كان مستني يعرف إيه الحقيقة اللي أبويا مخبيها. فجأة سابنا ودخل أوضته، وأنا كنت ببصله ومش فاهمة هو رايح يعمل إيه. مرت ثواني قليلة، لكنه رجع وهو شايل صندوق خشب قديم، باين عليه إنه متخزن من سنين طويلة. قرب من الترابيزة وحطه عليها، وبعدها فتحه قدامنا بكل هدوء. كان جواه أوراق قديمة، لونها مائل للاصفرار، وكأن الزمن نفسه مر عليها. مسك شوية أوراق منهم، وبصلي بعين كلها دموع وقال بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي… كان لازم تعرفي الحقيقة من زمان.”
قلبي كان بيدق بسرعة، وحسيت إن الدنيا كلها واقفة مستنية الجملة اللي جاية. قال: “الحقيقة إن ابن عمك… مش ابن عمك الحقيقي. الحقيقة إن أخويا الله يرحمه ما كانش بيخلف، والولد ده كان متربي وسطنا بالتبني. أخويا قبل ما يموت كتب أملاكه كلها باسمك إنتي، لأنه كان شايف إنك أقرب حد ليه، وإنك الأحق بيها. لكنه طلب مني أفضل محافظ على السر لحد ما ييجي الوقت المناسب.”
الكلام وقع عليا كالصاعقة. فضلت باصة لأبويا وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته. كل الذكريات اللي كانت بيني وبين ابن عمي عدت قدام عيني، وكل موقف افتكرته بقيت ببصله بشكل مختلف. فجأة بقيت فاهمة ليه كان بيحاول يقرب من الورق القديم، وليه كان دايمًا بيسأل عن الميراث، وليه كان بيتعامل معايا بطريقة غريبة كل ما الموضوع يتفتح.
لف أبويا ناحية طليقي وقال له بنبرة مليانة قهر: “أما أنت… فالولد ده راحلك من أسبوع وقعد يقنعك إن بنتي مالهاش أي حق، وإنها بتتجوزك عشان تحملك مسؤولية حاجة مش بتاعتك. لعب بعقلك، وخلاك تصدق إنك لو عملت اللي طلبه هيرجع الأملاك لنفسه، وهيديك جزء منها. هو كان عايز يفضح بنتي قدام الناس، ويكسرني قدام الكل، وفي نفس الوقت يوصل للي نفسه فيه.”
طليقي سكت تمامًا. كانت أول مرة أشوفه بالشكل ده. ملامحه اتغيرت، والغضب اللي كان مالي وشه اختفى، وحل مكانه ذهول وندم. مد إيده ناحية الأوراق، وقعد يقلب فيها بسرعة، وكل ورقة كان بيقرأها كانت بتأكد له إن كل اللي اتقاله كان كذب. رفع عينه ناحيتي، وكانت المرة الأولى اللي أشوف فيها نظرة انكسار حقيقية في عينيه.
قرب مني خطوة وهو بيقول بصوت واطي: “إنجي… والله ما كنت أعرف الحقيقة. هو صورلي إنكم بتضحكوا عليا، وإن أبوكي بيستغلني، وإنك مخبية عني حاجات كبيرة. أنا غلطت… وأنا آسف. لو تسمحيلي أصلح اللي حصل، نرجع القاعة ونكمل الفرح، وننسى كل اللي فات.”
وقفت أبصله شوية من غير ما أتكلم. كنت حاسة إن الدموع خلاص نشفت، ومبقاش جوايا غير هدوء غريب. يمكن لأول مرة من بداية الليلة دي حسيت إني قوية. مسكت طرف فستاني الأبيض اللي بقى مليان آثار اليوم الصعب، وبصيت في عينه بثبات وقلت: “ترجع إيه؟ وترجع ليه؟ أنت صدقت كلام شخص واحد، ومكلفتش نفسك تسمع مني كلمة. من أول إشاعة، قررت تحكم عليا قدام الناس كلها. لو كنت واثق فيا فعلًا، كنت أخدتني على جنب وسألتني، لكنك اخترت أسهل طريق… اخترت الفضيحة.”
كملت كلامي وأنا بحاول أسيطر على مشاعري: “النهارده كان المفروض يكون أسعد يوم في حياتي، لكنه اتحول ليوم عمري ما هنساه. مش بسبب الطلاق، لكن بسبب إن الشخص اللي وثقت فيه باع الثقة دي في لحظة. اللي بيحب بيدور على الحقيقة، مش بيدور على أول اتهام يصدقه.”
فضل واقف مكاني، مش لاقي أي كلام يرد بيه. كل الاعتذارات اللي حاول يقولها كانت متأخرة، وكل الوعود اللي خرجت منه فقدت قيمتها بعد اللي حصل. أما أنا، فكنت حاسة إن باب كبير اتقفل في حياتي، وإن الرجوع بقى مستحيل مهما حصل.
بهدوء شديد، رفعت الطرحة من على راسي، وبصيت لأبويا وأمي. لأول مرة من بداية الليلة، شفت في عيونهم راحة، رغم التعب والحزن. قربت منهم، وبعدها بصيت ناحية طليقي وقلت: “اتفضل اخرج من بيتنا. اللي كان بينا انتهى، وكرامتي أهم من أي حاجة تانية. أما بالنسبة للأملاك والحقوق، فالقانون هو اللي هياخد مجراه، وكل واحد هيشيل نتيجة أفعاله.”
فضل واقف ثواني، وكأنه مستني إن حد يغير كلامه، لكن محدش اتكلم. لف بهدوء، واتجه ناحية الباب، وخرج وهو شايل معاه ندم واضح على وشه. وبعد ما الباب اتقفل، حسيت إن صوت القفل كان بيعلن نهاية فصل كامل من حياتي.
حضنت أمي، وبعدها حضنت أبويا، وهو لأول مرة من بداية الليلة رفع راسه وبصلي بابتسامة صغيرة فيها راحة ممزوجة بالحزن. وقتها فهمت إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم في يوم تظهر، وإن الكرامة عمرها ما تتعوض، وإن البداية الجديدة ساعات بتيجي بعد أصعب نهاية ممكن يعيشها الإنسان.
الليلة دي انتهت، لكن حياتي ما انتهتش. بالعكس، كانت أول خطوة في طريق جديد، طريق هبدأه وأنا أقوى، وأهدى، وعارفة قيمة نفسي كويس. يمكن خسرت فرح كنت بحلم بيه، لكني كسبت الحقيقة، وكسبت نفسي، ودي كانت أكبر مكسب ممكن أخرج بيه من كل اللي حصل.
تمت بحمد الله.