ضحّيت بـ22 سنة من عمري وأنا أربي بنات أخي التوأم الثلاثي.. وما فعلنه يوم تخرجهن جعلني أسقط على ركبتي من شدة الصدمة

ضحّيت بـ22 سنة من عمري وأنا أربي بنات أخي التوأم الثلاثي.. وما فعلنه يوم تخرجهن جعلني أسقط على ركبتي من شدة الصدمة


ضحّيت بـ22 سنة من عمري وأنا أربي بنات أخي التوأم الثلاثي.. وما فعلنه يوم تخرجهن جعلني أسقط على ركبتي من شدة الصدمة

هناك لحظات في الحياة تأتي فجأة فتقسم العمر إلى نصفين، نصف قبلها ونصف بعدها. لحظات لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تترك أثرها، بل تكفي فيها دقيقة واحدة لتغير مصير إنسان بالكامل. بالنسبة لي كانت تلك اللحظة في صباح باهت من أيام الشتاء، عندما استيقظت على طرقات متواصلة على باب شقتي الصغيرة فوق محل الموان والحديد والبويات الذي كنت أعمل فيه بوسط المدينة. لم أكن أتوقع أن أفتح الباب لأجد أمامي ثلاثة مقاعد أطفال متجاورة، وثلاث طفلات رضيعات لا يتجاوز عمرهن ستة أشهر، وحقيبة حفاضات متواضعة، وورقة مطوية فوقها بخط أعرفه أكثر مما أعرف خطي أنا شخصياً. كان خط أخي. أخي الذي فقد زوجته منذ أحد عشر يوماً فقط، ثم اختفى هو الآخر من حياتنا فجأة وكأنه قرر أن يهرب من العالم كله دفعة واحدة.

وقفت مشدوهاً للحظات طويلة وأنا أحدق في الورقة التي كُتب عليها من الخلف فوق فاتورة بنزين قديمة: “أنا آسف يا نوح.. مش قادر أتحمل المسؤولية دي”. لم تكن هناك تفاصيل أخرى، لم يكن هناك عنوان أو رقم هاتف أو تفسير أو حتى وعد بالعودة يوماً ما. مجرد اعتذار قصير تركه أخي ثم اختفى. كنت وقتها في السابعة والعشرين من عمري، أعزباً، أعيش وحدي في شقة بالكاد تتسع لي، ولا أملك في محفظتي سوى ثلاثمائة واثني عشر جنيهاً. لم أكن أعرف كيف يتم إعداد زجاجة حليب لطفل واحد، فكيف بثلاث طفلات توائم؟ كنت بالكاد أستطيع تدبير مصاريفي الشخصية، وكنت أظن أن أكبر مشاكلي في الحياة هي زيادة ساعات العمل أو تأخر المرتب آخر الشهر، لكن في ذلك الصباح اكتشفت أن الحياة قادرة دائماً على مفاجأتنا بما هو أكبر بكثير.

كانت الطفلات الثلاث ينظرن إليّ بعيون بريئة لا تفهم شيئاً مما يجري. لم يكن لدي وقت لأستوعب الصدمة لأن أصوات بكائهن بدأت ترتفع في وقت واحد، وكأنهن يعلنّ بدء المهمة التي لم أخترها بنفسي. خرجت جارتي أم محمد على صوت البكاء، وما إن فهمت ما حدث حتى وضعت يدها فوق رأسها وقالت بحزن: “يا نوح يا ابني، أنت مش هتعرف تربي تلات بنات لوحدك.. ده حمل يهد جبال”. كنت أعرف أنها على حق. كلامها كان منطقياً تماماً. حتى أنا كنت مقتنعاً بذلك. فكرت للحظات في الاتصال بأحد الأقارب أو البحث عن ملجأ أو أي جهة يمكنها أن تتولى الأمر. لكن بينما كنت ممسكاً بهاتفي، مدّت أصغر طفلة يدها الصغيرة وأمسكت إصبعي بكل قوتها. كانت قبضة ضعيفة جداً مقارنة بقوة رجل بالغ، لكنها في تلك اللحظة كانت أقوى من أي قرار كنت أفكر فيه. شعرت وكأن شيئاً في داخلي قد تغير فجأة. أغلقت الهاتف، وحملت الطفلة بين ذراعي، واتخذت القرار الذي سيغير حياتي كلها: لن أتركهن.

منذ ذلك اليوم بدأت رحلة لم أكن مستعداً لها إطلاقاً. في البداية كنت مجرد عم يحاول إنقاذ بنات أخيه من الضياع، لكن الأيام لا تبقى كما هي أبداً. تعلمت كيف أعد الحليب، وكيف أغير الحفاضات، وكيف أميز بين بكاء الجوع وبكاء المرض وبكاء الخوف. كنت أستيقظ عشر مرات كل ليلة وأتحرك بين الأسرة الثلاثة وكأنني ممرض في قسم أطفال. كانت ساعات النوم رفاهية لا أملكها، والراحة كلمة نسيتها سريعاً. ومع ذلك، كلما نظرت إلى وجوههن الصغيرة كنت أشعر أن التعب يختفي للحظات، وأن الله منحني قوة لم أكن أعرف أنها موجودة بداخلي.

مرت السنوات الأولى ببطء شديد. كنت أعمل ورديتين متتاليتين في المحل حتى أستطيع توفير الطعام والحليب والملابس. كنت أعود منهكاً آخر الليل، لكن المهمة الحقيقية كانت تبدأ عند عودتي إلى المنزل. كنت أطبخ، وأنظف، وأغسل الملابس، وأتابع التطعيمات، وأتعلم كل يوم شيئاً جديداً عن تربية الأطفال. لم يكن هناك أحد يشاركني الحمل. لم أتزوج رغم أن الفرص جاءت أكثر من مرة. كانت هناك فتاة أحببتها بصدق، لكنها عندما أدركت أن حياتي كلها تدور حول ثلاث طفلات صغيرات، اختارت طريقاً آخر. لم ألومها. كنت أعرف أن من يرتبط بي سيرتبط أيضاً بمسؤولية ضخمة لم يخترها.

كبرت البنات شيئاً فشيئاً. اخترت لهن أسماء تمنيت أن تشبه حياتهن. ملك كانت الأكثر حساسية بينهن، تبكي بسرعة وتضحك بسرعة أيضاً، وقلبها كان رقيقاً إلى درجة تجعلها تتألم لأجل أي شخص. فريدة كانت عكسها تماماً، مليئة بالطاقة والمشاغبة والضحك، قادرة على تحويل أصعب الأيام إلى مناسبة للمرح. أما نور فكانت مختلفة منذ طفولتها، هادئة أكثر من اللازم، تراقب كل شيء بعينين واسعتين وكأنها تحفظ تفاصيل العالم كله في ذاكرتها.

دخلن المدرسة، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التحديات. كنت أستيقظ قبل الفجر لأعد السندوتشات وأجهز الحقائب المدرسية. تعلمت تصفيف الشعر رغم أن ضفائري كانت دائماً غير متقنة، وكانت البنات يضحكن على محاولاتي الفاشلة كل صباح. حضرت الاجتماعات المدرسية، وشاركت في معارض العلوم، وجلست ساعات طويلة أساعدهن في الواجبات الدراسية رغم أنني كنت أعود مرهقاً من العمل. كنت الأب والأم في الوقت نفسه، وكنت أحاول قدر الإمكان ألا يشعرن بالنقص.

لم تكن الأمور سهلة دائماً. جاءت سنوات المراهقة بما تحمله من تمرد وغضب وأسئلة صعبة. كانت هناك فترات شعرت خلالها أنني أخسرهن جميعاً دفعة واحدة. كن يغضبن مني لأسباب مختلفة، ويعتبرنني متشدداً أحياناً، ومتدخلاً في حياتهن أحياناً أخرى. مررنا بخلافات كثيرة، وبأبواب أُغلقت في وجهي، وبدموع خبأتها عنهن حتى لا يرين ضعفي. لكنني كنت أعود كل ليلة وأذكر نفسي أن مهمتي ليست أن يحببنني كل الوقت، بل أن أحميهن حتى لو غضبن مني.

أما أخي، فلم يعد أبداً. بحثت عنه سنوات طويلة في البداية ثم توقفت. بقي داخلي جرح لم يلتئم. كنت أشعر أنه تركني وحدي في معركة لم أخترها. لم أكره البنات يوماً بسبب ذلك، لكنني حملت داخلي عتاباً ثقيلاً تجاهه. كل مرة كنت أدفع فيها مصروفاً مدرسياً أو أجلس بجوار سرير إحداهن وهي مريضة أو أعمل ساعات إضافية حتى أستطيع شراء احتياجاتهن، كنت أتساءل في سري لماذا هرب؟ ولماذا ترك كل هذا الحمل فوق كتفي؟

ومع مرور الوقت أصبحت البنات الثلاث كل حياتي. لم أعد أفكر فيما خسرته بقدر ما كنت أفكر فيما كسبته. كنت أراهن يكبرن أمام عيني، ويتحولن من رضيعات لا يستطعن الإمساك بزجاجة الحليب إلى شابات قويات يعرفن ماذا يردن من الحياة. وعندما حصلن على درجات مرتفعة في الثانوية والتحقن بالجامعة، شعرت وكأنني أنا من حصل على شهادة القبول تلك.

ثم جاء يوم التخرج. اليوم الذي انتظرته أكثر مما انتظرن ربما. وقفت أمام المرآة في الصباح أتأمل الشعر الأبيض الذي ملأ رأسي ولحيتي. ركبتاي لم تعودا كما كانتا، وظهري صار يؤلمني بعد ساعات الوقوف الطويلة، لكن قلبي كان أخف من أي وقت مضى. حملت كاميرتي القديمة التي احتفظت بها سنوات طويلة، وذهبت إلى الجامعة وأنا أشعر أنني أعيش حلماً.

بدأ الحفل وسط أجواء من الفرح والفخر. كانت القاعة مليئة بالأهالي والطلاب والأساتذة. جلست في مقعدي أتابع الأسماء وهي تُنادى واحداً تلو الآخر. ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها. صعدت ملك أولاً، وقبل أن ينطق المذيع اسمها بالكامل كانت الدموع قد ملأت عينيها. بعد ذلك جاءت فريدة التي لم تتوقف عن الابتسام ولوحت لي من فوق المسرح بحماس طفلة صغيرة. ثم ظهرت نور، هادئة كعادتها، لكن شيئاً ما في ملامحها كان مختلفاً. بدت وكأنها تحمل سراً كبيراً.

انتهت مراسم توزيع الشهادات وصفق الجميع. ظننت أن الحفل انتهى وأننا سنلتقط الصور التذكارية ثم نعود إلى المنزل. لكن فجأة عاد عميد الكلية إلى المنصة وأعلن أن هناك فقرة أخيرة قبل الختام. استغرب الجميع، وازداد استغرابي عندما رأيت البنات الثلاث يصعدن إلى المسرح مرة أخرى معاً.

أمسكت نور بالميكروفون وقالت بصوت ثابت رغم ارتجافه الخفيف: “أبونا مكنش يقدر يكون معانا النهاردة”. شعرت بانقباض في قلبي فور سماع الكلمة. ثم أخرجت ملك ورقة مطوية من داخل روب التخرج، بينما وضعت فريدة يدها فوق فمها محاولة إخفاء دموعها. أكملت نور حديثها قائلة: “بس إحنا لقينا الورقة اللي سابها وراه من 22 سنة”.

في تلك اللحظة شعرت أن الزمن توقف. بدأت نور تقرأ الكلمات المكتوبة بخط أخي. كان الصوت يخرج من مكبرات القاعة واضحاً كأنه يأتي من الماضي نفسه. قالت: “أنا مش هقدر أكون الأب اللي يستاهلوه.. بس أنا سايبهم للراجل الوحيد اللي واثق إنه هيشيلهم في عينه. نوح أخويا مش بس هيربيهم، ده هيخليهم أحسن بنات في الدنيا. أنا بمشي وأنا مطمن عشان هما مع نوح”.

لم أستطع استيعاب ما أسمعه. شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي. طوال اثنين وعشرين عاماً كنت أظن أن أخي تخلى عنّا جميعاً وهرب، وأنه ألقى الحمل فوق كتفي بلا رحمة. لكن هذه الكلمات كشفت حقيقة لم أتخيلها أبداً. كان يعرفني أكثر مما كنت أعرف نفسي. كان يثق بي إلى درجة أنه سلمني أغلى ما يملك وهو مطمئن. اختلطت الدموع بالصدمة وبسنوات طويلة من العتاب والحنين والأسئلة التي لم أجد لها جواباً.

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أسقط على ركبتي. كانت القاعة كلها صامتة تماماً. لم يعد هناك صوت سوى بكاء ملك وفريدة، وصوت نور الذي بدأ يختنق بالدموع. ثم تركت الميكروفون ونزلت هي وأختاها من فوق المسرح وجرين نحوي بكل ما لديهن من قوة. خلال ثوانٍ وجدت نفسي محاطاً بهن وهن يحتضنني بقوة وكأنهن ما زلن تلك الرضيعات اللواتي حملتهن بين ذراعي قبل اثنين وعشرين عاماً.

أمسكت نور يدي المرتجفة وقالت بصوت لم أنسه أبداً: “أنت مش عمنا يا بابا.. أنت البطل بتاعنا. أنت اللي ضحيت بعمرك كله عشان نبقى واقفين هنا النهاردة”. عندها انفجرت القاعة بالتصفيق. وقف الجميع من أماكنهم، أساتذة وطلاب وأهالٍ، وصفقوا طويلاً. كان التصفيق يملأ المكان كله، لكنه بالنسبة لي كان أشبه برسالة وصلت متأخرة بعد سنوات طويلة من التعب. شعرت وكأن كل ليلة سهرتها، وكل وردية إضافية عملتها، وكل حلم شخصي تنازلت عنه، قد تحولت في تلك اللحظة إلى شيء له معنى.

وأنا واقف وسط حضنهن، أدركت أن الثروة الحقيقية لم تكن مالاً ولا بيتاً كبيراً ولا حياة سهلة. الثروة كانت هذه الوجوه الثلاثة التي كبرت أمام عيني وأصبحت مصدر فخري الأكبر. تذكرت الثلاثمائة واثني عشر جنيهاً التي كانت كل ما أملك يوم بدأت الرحلة، وابتسمت رغم دموعي. لم أعد أراها رقماً صغيراً، بل رأيتها بداية قصة صنعت أغنى رجل في العالم، ليس بما يملك في جيبه، بل بما يملكه في قلبه. وفي تلك اللحظة فهمت أن السنوات الاثنتين والعشرين لم تضِع أبداً، بل كانت أجمل استثمار في حياتي كلها، وأن الرحلة التي بدأت أمام باب شقتي بورقة اعتذار قد انتهت في قاعة الجامعة بثلاث شهادات تخرج وثلاث كلمات بسيطة غيّرت كل شيء: شكراً يا بابا.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان