السائق الذي أنقذه السارق… ثم سرق حياته في ليلة واحدة

السائق الذي أنقذه السارق… ثم سرق حياته في ليلة واحدة


عم مصطفى كان عنده 48 سنة، سواق تاكسي بقاله سنين طويلة بيلف شوارع القاهرة من أول ضوء النهار لحد آخر الليل. عمره ما اشتكى من التعب، ولا كان بيحب يحكي للناس عن همومه، لكنه في الحقيقة كان شايل فوق كتافه حمل أكبر بكتير من اللي أي حد يقدر يتخيله. راجل بسيط، متجوز، وعنده بنت صغيرة مريضة بالقلب، وكل يوم بيصحى وهو شايل هم العلاج والمصاريف والطلبات اللي مبتخلصش. كان بيعتبر نفسه مسؤول عن بيت كامل، ومهما حصل لازم يفضل واقف على رجليه.

اليوم ده بدأ زيه زي أي يوم تاني، لكنه كان مخبي جواه حاجة مختلفة. عم مصطفى نزل شغله من بدري وهو حاسس بإرهاق غريب، لكن ما ادّاش للموضوع أهمية كبيرة. مرض السكر كان بقاله سنين صاحبه، واتعود يعيش معاه ويتحمل أعراضه، لكن المشكلة إن العلاج بتاعه كان خلص من اليوم اللي قبله، وماكانش معاه فلوس كفاية يشتري جرعة الأنسولين الجديدة. فضل يحسبها في دماغه طول الوقت، وفي الآخر قرر يأجل الجرعة لآخر اليوم. قال لنفسه إنه لو اشتغل كام ساعة زيادة هيقدر يجيب العلاج ليه ولبنته، ويرجع البيت وهو مطمن شوية.

الساعات الأولى عدت بشكل عادي، لكن مع الوقت بدأ يحس إن جسمه مش متعاون معاه. الزغللة بقت أوضح، والتعب بقى أتقل، وإيده بدأت ترتعش كل شوية وهو ماسك الدركسيون. حاول يقنع نفسه إن الموضوع بسيط وإنه مجرد إجهاد، لكنه من جواه كان عارف إن حالته مش مستقرة.

قرب المساء، وقف بعربيته في رمسيس ينتظر زبون جديد. بعد دقائق، فتح الباب الخلفي شاب أسمر، جسمه رفيع، لابس تيشيرت أبيض وبنطلون أسود. ملامحه كانت هادية بشكل لافت، وصوته منخفض وهو بيقول إنه رايح الماظة. هز عم مصطفى رأسه وشغل العداد وتحرك بالعربية وسط الزحمة المعتادة.

في البداية كان الطريق ماشي عادي، لكن عم مصطفى بدأ يحس إن الدنيا حواليه بتتغير. أصوات الكلاكسات بقت بعيدة، والأضواء قدامه بقت مشوشة. كان بيحاول يركز في الطريق بكل قوته، لكنه كان حاسس إن طاقته بتسحب منه واحدة واحدة.

الشاب لاحظ ده بسرعة. قرب شوية وسأله بهدوء:

– إنت كويس يا حاج؟

رد عم مصطفى وهو بيحاول يبتسم:

– متقلقش… شوية تعب بس.

رجع الشاب سكت، لكن بعد دقائق سأله مرة تانية. كانت ملامح القلق واضحة عليه، بينما عم مصطفى كان مصر يكمل شغله. كل اللي كان بيفكر فيه وقتها إنه يرجع البيت بأي مبلغ يساعده يجيب العلاج اللي محتاجه.

كل دقيقة كانت أصعب من اللي قبلها. الرؤية بقت ضبابية أكتر، وإيده بقت أضعف، والتركيز بدأ يضيع منه. كان سامع أصوات العربيات وكأنها جاية من مكان بعيد جدًا. حاول ياخد نفس عميق ويقاوم، لكنه حس إن جسمه كله بيستسلم فجأة.

بعد اللحظة دي، كل حاجة اختفت.

لما فتح عينيه من جديد، كان السقف الأبيض أول حاجة شافها. فضل ثواني طويلة مش فاهم هو فين. حاول يتحرك، فحس بتعب شديد في جسمه كله. بعدها بدأ يستوعب إنه نايم على سرير داخل مستشفى عام.

بص حواليه باستغراب وسأل أول شخص شافه عن اللي حصل. عرف وقتها إن راجل شاب جابه للمستشفى وهو فاقد الوعي، وساعد في إجراءات دخوله، وبعدها اختفى.

في البداية حس ببعض الراحة. على الأقل حد ما سابوش مرمي في الشارع. لكن الراحة دي ما استمرتش غير لحظات قليلة.

مد إيده يدور على موبايله، مالقاهوش. بص حواليه على أمل يلاقي محفظته، لكن كانت اختفت هي كمان. وقتها بدأ القلق الحقيقي يدخل قلبه. سأل بسرعة عن عربيته، لكن محدش كان عنده إجابة.

كل ما سأل أكتر، كل ما الصورة بقت أوضح وأصعب.

التاكسي مش موجود.

الموبايل مش موجود.

المحفظة مش موجودة.

حتى الشاب اللي جابه للمستشفى، ما سابش أي بيانات تخصه. لما موظف الاستقبال طلب منه المعلومات، كتب بيانات عم مصطفى نفسه، وسدد الحساب المطلوب، وبعدها مشي من غير ما يسيب أي وسيلة توصّل ليه.

فضل عم مصطفى ساكت للحظات طويلة وهو بيحاول يستوعب اللي حصل. كان الموقف غريب بشكل صعب يتصدق. الشخص اللي أنقذه من إنه يقع في الشارع هو نفسه الشخص اللي أخد منه كل حاجة تقريبًا.

خرج من المستشفى وقلبه مليان أسئلة أكتر من الإجابات. مشاعر متناقضة كانت بتتخانق جواه. غضب من اللي حصل، وصدمة من الخسارة، واستغراب من تصرف الشاب اللي سرقه وفي نفس الوقت اهتم إنه يتعالج.

ما ضيعش وقت واتجه مباشرة لقسم الشرطة. هناك حكى كل التفاصيل اللي فاكرها، ووصف الشاب بدقة، وحدد المكان اللي ركب منه. بعد كده تم الرجوع لكاميرات المراقبة الموجودة في المستشفى.

ولما ظهرت الصورة على الشاشة، حس عم مصطفى بقشعريرة سرت في جسمه كله.

نفس الوجه.

نفس الملامح.

نفس التيشيرت الأبيض.

ونفس النظرة الهادية اللي خلت الراجل يطمن له من أول لحظة.

الصورة كانت واضحة بشكل صادم، لكن وضوحها ما خففش ألمه. بالعكس، خلى كل اللي حصل حقيقي أكتر.

بعد انتهاء الإجراءات، خرج من القسم وهو مش عارف يروح فين. كانت رجليه بتتحرك لوحدها في الشوارع، من غير هدف واضح. القاهرة حواليه كانت زحمة كعادتها، لكن بالنسبة له كل حاجة كانت ساكتة.

كان بيبص للعربيات وهي ماشية ويتذكر عربيته. يتذكر السنين اللي قضاها وهو بيشتغل يوم ورا يوم عشان يقدر يشتريها ويحافظ عليها. يتذكر الحر في الصيف، والبرد في الشتاء، والساعات الطويلة اللي قضاها بعيد عن بيته.

كل الذكريات دي كانت بتمر قدامه وهو ماشي.

وفي كل خطوة كان الإحساس بالخسارة بيكبر أكتر.

مكنش زعلان على العربية بس، ولا على الموبايل أو الفلوس. كان زعلان على سنين عمر كاملة حس إنها ضاعت منه في ساعات قليلة. كان شايف قدامه صورة مراته وهي مستنياه ترجع آخر اليوم، وصورة بنته الصغيرة اللي دايمًا أول سؤال بتسأله: “جبت إيه يا بابا؟”

الأسئلة دي كانت أصعب من أي حاجة تانية.

إزاي هيقولهم اللي حصل؟

إزاي هيواجههم؟

وإزاي هيبدأ من جديد بعد ما خسر مصدر رزقه الوحيد؟

فضل ماشي وسط الناس وهو حاسس إن الدنيا كلها بتجري حواليه، بينما هو واقف مكانه. الدموع كانت بتنزل من غير ما يحس، والقهر كان تقيل على قلبه بشكل عمره ما جربه قبل كده. وفي اللحظة دي تحديدًا، أدرك إن أصعب حاجة مش الخسارة نفسها، لكن الإحساس بالعجز قدام الناس اللي بيحبهم، لما يبقى نفسه يساعدهم وهو مش قادر حتى يساعد نفسه.

مع اقتراب الليل، كانت خطوات عم مصطفى أبطأ من أي وقت فات. الشوارع اللي قضى فيها عمره كله بقت غريبة عليه فجأة. كل ركن فيها كان بيفكره بحاجة خسرها، وكل تاكسي يعدي من قدامه كان كأنه بيفكره بالعربية اللي كانت مصدر رزقه وسند بيته الوحيد.

وقف عند كشك صغير واشترى زجاجة مية، وشرب منها وهو بيحاول يجمع شتات نفسه. كان عارف إنه مهما فضل ماشي في الشوارع، في النهاية لازم يرجع البيت. لازم يواجه مراته، ولازم يقول الحقيقة مهما كانت صعبة.

وصل للبيت متأخر على غير عادته. أول ما فتح الباب، لقى مراته قاعدة مستنياه وعلامات القلق واضحة على وشها. كانت بتحاول تتماسك، لكنها أول ما شافته عرفت إن في حاجة كبيرة حصلت.

سألته بهدوء:

– مالك يا مصطفى؟ شكلك تعبان.

بصلها ثواني طويلة من غير ما يرد. الكلمات كانت تقيلة عليه بشكل مش طبيعي. قعد على أول كرسي قابله وحط إيده على وشه.

– العربية اتسرقت.

ساد صمت ثقيل في المكان. مراته ما استوعبتش الجملة من أول مرة. فضلت تبصله وكأنها مستنية يكمل ويقول إن الموضوع مجرد سوء تفاهم.

لكنه بدأ يحكي كل حاجة من أول ما ركب الشاب في رمسيس لحد ما فاق في المستشفى.

كل ما كان بيحكي، كانت الصدمة بتزيد على وشها. لكنها رغم خوفها ما قالتش كلمة لوم واحدة. بالعكس، قربت منه وقعدت جنبه وهي بتحاول تهديه.

في الوقت ده خرجت بنته الصغيرة من أوضتها. كانت لسه صاحبة ملامح بريئة رغم تعب المرض اللي بتمر بيه. أول ما شافت والدها ابتسمت وقالت:

– حمد لله على السلامة يا بابا.

الجملة البسيطة دي كانت كافية إنها تكسر آخر جزء من صلابته. حضنها وهو بيحاول يخبي دموعه عنها.

طول الليل ما عرفش ينام. كان كل شوية يتخيل العربية وهي ماشية في مكان مجهول. يتخيل الشاب وهو سايقها بعيد عنه. ويتخيل الأيام الجاية من غير دخل ثابت ولا مصدر رزق واضح.

في الصباح، رجع تاني لقسم الشرطة يسأل إذا كان فيه أي جديد. الضباط أكدوا له إن التحريات بدأت، وإن صورة الشاب اتوزعت على الجهات المختصة. خرج وهو متعلق بأي أمل مهما كان صغير.

مرت الأيام ببطء شديد. كل يوم كان أصعب من اللي قبله. المدخرات القليلة اللي كانت موجودة بدأت تقل، ومصاريف البيت والعلاج ما كانتش بتستنى.

ورغم كل ده، كان فيه سؤال واحد مش بيفارق عقله.

ليه؟

ليه واحد يسرقه بالشكل ده، وفى نفس الوقت يتكلف عناء إنه ينقذه ويوصله للمستشفى ويدفع مصاريفه؟

كل ما حاول يلاقي إجابة، كان يرجع لنفس النقطة. الشاب ده مش شخص عادي. فيه حاجة غامضة في اللي عمله، حاجة خلت القصة كلها تبدو أغرب من مجرد سرقة.

وبينما كان عم مصطفى يحاول يتأقلم مع حياته الجديدة، كانت كاميرات المراقبة والتحريات مستمرة في تتبع أي خيط ممكن يوصل لصاحب الصورة.

أما هو، فكان كل يوم بيصحى على أمل يسمع خبر يغير كل حاجة، حتى لو كان الأمل ده ضعيف.

لأن أكتر حاجة كانت بتوجعه مش خسارة العربية نفسها، لكن شعوره إن مجهوده وتعب سنين طويلة اختفى فجأة، من غير ما يعرف إذا كان هيقدر يسترده يوم من الأيام ولا لأ.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي