اسمي عزة… عندي 30 سنة، وعمري ما تخيلت إن في لحظة واحدة ممكن الواحد يحس إنه غريب في المكان اللي اتربى فيه. الفكرة مش في الطرد نفسه… الفكرة في الطريقة. في الإحساس إن كل حاجة كانت بتتقال عنك من وراك، واتجمعت مرة واحدة قدامك.
اليوم ده أنا كنت فاكرة إنه هيبقى تقيل شوية وخلاص… أعدي آخد حاجتي وأمشي. كنت مجهزة نفسي لكلمتين قاسيين، نظرات لوم، يمكن خناقة صغيرة. لكن اللي حصل كان حاجة تانية خالص… حاجة ما تتحضرلهاش.
وأنا داخلة بالعربية، لقيت الشارع عند البيت فيه حركة زيادة عن الطبيعي. عربيات مركونة بشكل عشوائي، صوت ضحك عالي، ومزيكا خفيفة جاية من جوة. في الأول افتكرت في مناسبة… يمكن عيد ميلاد حد، أو تجمع عائلي. ما خطرش في بالي لحظة إن المناسبة دي… أنا.
أول ما قربت من الجراج، شفت اللافتة. كانت متعلقة بطريقة عشوائية شوية، كأن اللي كتبها كان مستعجل أو متعصب، لكن الخط كان واضح جدًا:
“مع السلامة يا عالة… ومترجعيش!”
وقفت بالعربية شوية قبل ما أنزل… فضلت باصة على الجملة كأنها مش مفهومة. كلمة “عالة” دي تحديدًا، عمري ما تخيلت إنها تتقال عليّ من بيتي أنا. يمكن دي أول مرة حسيت فيها إن الموضوع مش هزار تقيل… ده قرار، ومتقال قدام ناس.
نزلت… وكنت سامعة صوت الشواية وهي بتفرقع، وريحتها مالية المكان. ناس واقفة تاكل وتضحك، وفيه حد بيزعق لحد تاني على دور الأكل… مشهد عادي جدًا، لولا إن أنا كنت داخلة في النص ده كأني غريبة.
واحد من الموجودين بصلي كده نظرة سريعة، وبعدين قال بصوت مسموع:
“دي هي؟”
واللي جنبه رد عليه:
“أيوه… اللي عندها 30 سنة ولسه قاعدة في بيت أهلها.”
الجملة اتقالت عادي جدًا، كأنها حقيقة مطلقة، مش حكاية ناقصة نصها. في ست كانت واقفة جنبهم قالت:
“ربنا يعين أهلها… واضح إنهم تعبوا منها.”
ما حدش فيهم كان بيكلمني مباشرة… بس كل الكلام كان موجه ليا. النوع ده من الكلام اللي بيتقال قدامك وكأنك مش موجود.
وأنا بعدي بالعربية عشان أركن، حاجة خبطت في الكبوت. الصوت كان خفيف، بس واضح. نزلت بصيت… لقيت قطعة هوت دوج مرمية، عليها شوية كاتشب سايح. حد من ورا قال وهو بيضحك:
“أهو آخر حاجة تاكليها ببلاش!”
ما بصتش عليه… بس الصوت فضل في دماغي.
الغريب إن رد فعلي ما كانش زي ما كنت متوقعة. لا اتخانقت، ولا عيطت، ولا حتى اتكلمت. جسمي كله كان متشد، كأني مركزة بس إني أعدي الموقف من غير ما أنهار.
دخلت البيت. كان نفس البيت… نفس الريحة، نفس الأرضية، نفس كل حاجة. بس الإحساس مختلف تمامًا. مفيش حد وقفني، مفيش حد سألني داخلة ليه… كأني مش جزء من المكان أصلاً.
روحت على طول لأوضة الغسيل، لأن دي كانت آخر حاجة فاضلة لي. الكرتونة كانت في الركن، زي ما سيبتها. وأنا شايلها، بصيت حواليّ… مش بحنين، لكن بنوع من الاستغراب. إزاي المكان ده كان بيتي؟
وأنا خارجة، سمعت ضحك تاني، وكلام متقطع، بس ما ركزتش فيه. قبل ما أركب العربية، طلعت موبايلي وصورت اللافتة. مش عشان أفضح حد… بس عشان أبقى فاكرة. عشان بعدين لما أفتكر اليوم ده، ما أقولش لنفسي إني كنت ببالغ.
أبويا كان واقف على مسافة… مش قريب قوي، ولا بعيد قوي. بصلي، وابتسم ابتسامة صغيرة… مش فيها فرحة، ومش فيها ندم. ابتسامة حد مقتنع إنه صح.
ركبت العربية ومشيت. ما بصتش في المراية، ولا حاولت أشوف حد بينده عليّ. الطريق كله كنت سايقة بس، من غير تفكير واضح. دماغي كانت فاضية بشكل غريب… وده يمكن كان أريح من إني أفهم كل حاجة مرة واحدة.
عدّى أسبوع… وبعدين أسبوع تاني.
ابتديت أرتب حياتي على الهادئ. رجعت أركز في شغلي أونلاين، أنظم وقتي، وأحاول أرجع لنفسي اللي كنت سايباها بقالها سنين.
وفجأة، الموبايل بدأ يرن.
رسالة:
“ممكن تردي عليّ؟”
بعدها بشوية:
“في موضوع مهم.”
وبعدين:
“لو سمحتي… إحنا محتاجين نتكلم.”
الأسلوب نفسه كان مختلف… مفيش أوامر، مفيش حدة. حاجة غريبة.
قبل ما أرد، لقيت نفسي برجع بالتفكير لورا… للحقيقة اللي محدش كان شايفها غيري.
أنا ما رجعتش البيت من 3 سنين عشان مش قادرة أعيش لوحدي. أنا رجعت عشان الشركة كانت بتقع. الموضوع بدأ بمشكلة صغيرة، وبعدين واحدة أكبر، وبعدين بقى سلسلة مشاكل مالهاش نهاية.
كنت بساعد في الأول من باب الواجب… شوية تنظيم، شوية متابعة. لكن واحدة واحدة، بقيت أنا اللي ماسكة التفاصيل اللي محدش بياخد باله منها.
فواتير بتتراجع، عقود بتتظبط، مواعيد بتتلحق، مشاكل بتتحل قبل ما تكبر. شغل مش بيبان… بس غيابه بيبان فورًا.
كل مرة كنت بعمل حاجة، كانت بتتعدي كأنها عادية. ولو ما عملتهاش… تبقى مشكلة كبيرة.
“إحنا عيلة”… الجملة دي اتقالت كتير. بس كانت بتتقال في اتجاه واحد بس. وقت ما يبقى في مجهود أو فلوس مطلوبة… لكن عمرها ما اتقالت وأنا محتاجة تقدير أو حتى اعتراف بسيط.
أنا كنت بدفع في حاجات كتير… مش رفاهية، لكن عشان الشغل يمشي. برامج، التزامات، حاجات لو وقفت يوم واحد، الدنيا كلها تتعطل.
بس ده كله ما كانش ظاهر لحد.
لحد ما مشيت.
رجعت للموبايل… وفتحت رسالة تانية:
“الشغل واقف.”
ورسالة بعدها:
“في حاجات مش عارفين نتصرف فيها.”
وبعدين:
“لو تقدري ترجعي تساعدي…”
قعدت شوية ببص على الكلام… ما حسّتش بانتصار، ولا حتى راحة. حسّيت بحاجة أقرب للوضوح. كأن الصورة أخيرًا بقت كاملة.
المشاكل اللي كانت بتتحل في صمت… بقت واضحة. التفاصيل اللي كانت بتتظبط من غير ما حد ياخد باله… اختفت.
وفجأة، بقى في فراغ.
حطيت الموبايل جنبي، وفضلت ساكتة شوية. كنت بفكر في كل مرة سكتّ فيها، كل مرة عدّيت موقف وعدّيته عشان “ما تكبرش”، كل مرة قبلت أقل من حقي.
وساعتها فهمت حاجة بسيطة جدًا… بس أخدت مني وقت طويل عشان أوصلها:
إن اللي بيحصل حواليا، جزء كبير منه كان بسبب إني كنت بسمح بيه.
بصيت قدامي، وخدت نفس طويل… مش قرار سريع، ولا رد فعل… لكن حاجة أهدى من كده.
المرة دي… أي قرار هيتاخد، هيبقى على أساس مختلف تمامًا.
فضلت باصة قدامي شوية بعد ما سيبت الموبايل على الترابيزة… الهدوء اللي كان في المكان حواليا كان مختلف عن أي هدوء قبل كده. مفيش حد بينادي، مفيش صوت عالي، مفيش توتر مستمر… بس في نفس الوقت، مفيش حاجة بتهربني من التفكير.
الموضوع ما كانش محتاج استعجال… بالعكس، يمكن لأول مرة في حياتي حسيت إن عندي رفاهية إني ما أردش فورًا.
عدّى يوم… وبعدين يوم تاني… والرسائل ما وقفتش، بس نبرتها كانت بتتغير. من طلب… لاستعجال… لقلق واضح.
“الموضوع كبر.”
“في عميل مهم انسحب.”
“إحنا مش عارفين نكمل كده.”
كنت بقرا… من غير ما أتفاعل. مش برود، لكن كأني بحاول أفصل بين اللي حصل… وبين اللي بيحصل دلوقتي.
في اليوم التالت، الموبايل رن… مش رسالة. مكالمة.
بصيت على الاسم شوية قبل ما أرد… وبعدين رديت.
“ألو؟”
ثواني سكون… وبعدين صوت أبويا. نفس الصوت… بس مش بنفس الطريقة.
“إزيك؟”
السؤال كان بسيط… لكن غريب جدًا في اللحظة دي. ما رديتش فورًا.
هو كمل:
“بصي… أنا عارف إن التوقيت مش مناسب… بس إحنا فعلًا عندنا مشكلة كبيرة.”
سمعته من غير ما أقاطعه. كان بيتكلم عن شغل، عن أوراق واقفة، عن عملاء زعلانين، عن حاجات “مستعجلة”. نفس التفاصيل اللي كنت أنا بسمعها يوميًا… بس المرة دي، من غير ما يكون في حد بيحلها في الخلفية.
لما سكت، قلت بهدوء:
“تمام… وأنا مطلوبة في إيه تحديدًا؟”
سؤال مباشر… يمكن أول مرة أسأله بالشكل ده.
اتردد لحظة… وبعدين قال:
“إنتي عارفة الشغل… وعارفة الدنيا ماشية إزاي… محتاجينك ترجعي تساعدي.”
ما قالش “محتاجينك ترجعي البيت”… ولا “تعالي نقعد نتكلم”. قالها بشكل عملي جدًا… كأن اللي حصل ما كانش موجود.
سكت شوية… وبعدين قلت:
“أساعد… إزاي؟”
واضح إنه ما كانش متوقع السؤال. بدأ يشرح بسرعة، يتكلم عن ملفات، عن حسابات، عن حاجات “إنتي اللي كنتي بتمشيها”.
سمعته لحد الآخر… وبعدين قلت:
“أنا ممكن أشتغل… بس مش بنفس الطريقة القديمة.”
سكت… يمكن كان مستني باقي الجملة.
كملت:
“لو هساعد، هيبقى بشغل واضح… واتفاق واضح… وكل حاجة تبقى متفق عليها من الأول.”
الصمت اللي بعد كلامي كان تقيل شوية… مش رفض، لكن مفاجأة.
قال:
“يعني إيه؟”
قلت:
“يعني شغل… مش واجب. اتفاق… مش عشان إحنا عيلة وخلاص.”
الكلام خرج بهدوء، من غير عصبية… وده يمكن اللي خلاه أوضح.
عدّى كام ثانية، وبعدين قال:
“طيب… ماشي… نتفق.”
ما دخلناش في تفاصيل في المكالمة. قفلنا على إننا نتقابل ونتكلم.
بعد المكالمة، قعدت شوية أفكر… مش فيهم، لكن في نفسي. هل أنا فعلًا جاهزة أرجع لنفس الدائرة؟ ولا المرة دي مختلفة؟
يوم المقابلة… وصلت قبلهم بشوية. اخترت مكان محايد… كافيه هادي. ما حبيتش أرجع البيت، ولا حتى أقرب منه.
لما دخلوا، لاحظت حاجة بسيطة… مفيش نفس الثقة اللي كانت موجودة قبل كده. مفيش نظرة إن كل حاجة “مضمونة”.
قعدنا… والكلام بدأ بشكل رسمي أكتر مما توقعت.
أنا اللي بدأت:
“خلينا نتكلم في الشغل الأول.”
بدأت أسأل… عن الوضع الحالي، عن الخساير، عن الالتزامات. كنت بسمع، وبسجل ملاحظات… مش عشان ألوم، لكن عشان أفهم الصورة كاملة.
واضح إن في حاجات كتير كانت متسابة… تفاصيل صغيرة، بس متراكمة. نفس الحاجات اللي كنت بلمّها قبل كده أول بأول.
بعد ما خلصوا، قلت:
“أنا ممكن أظبط الدنيا… بس محتاجة صلاحيات واضحة… ومفيش تدخل في كل تفصيلة.”
بصلي… وبعدين قال:
“ماشي.”
يمكن أول مرة يقولها من غير نقاش.
كملت:
“وفي مقابل ده… في أجر… واتفاق مكتوب.”
مافيش حد اعترض… وده كان أوضح رد ممكن آخده.
الاتفاق اتعمل… بشكل بسيط، بس واضح. وكل حاجة اتكتبت.
أول يوم شغل… ما كانش سهل. مش عشان الشغل نفسه… لكن عشان الإحساس. نفس الملفات، نفس المشاكل، بس أنا مش نفس الشخص.
بدأت واحدة واحدة… رتبت الأولويات، رجعت أتواصل مع العملاء، ظبطت الحاجات المستعجلة. نفس الشغل اللي كنت بعمله… بس المرة دي، كل خطوة كانت محسوبة.
الفرق الحقيقي ما كانش في الشغل… كان في طريقة التعامل.
مفيش افتراض إني “لازم” أعمل حاجة… مفيش جملة “إحنا عيلة” بتتقال وقت اللزوم بس.
وفي نفس الوقت… أنا كمان اتغيرت. بقيت بقول “لأ” لما حاجة مش مسؤوليتي. بقيت بطلب توضيح… وبحدد حدودي.
عدّى أسبوع… وبعدين اتنين… والدنيا بدأت تستقر تدريجيًا.
وفي يوم، وأنا ماشية، عديت من نفس الشارع… قدام البيت.
ما وقفتش… بس بصيت.
اللافتة ما كانتش موجودة.
يمكن اتشالت من بدري… يمكن اتحرقت… مش فارق.
اللي كان فارق فعلًا… إن الإحساس اللي سابته جوايا، ما اختفاش… لكنه اتغيّر.
بقى ذكرى… مش نقطة ضعف.
وكملت طريقي… من غير ما أبطّأ.