ورث أبويا… واللي حصل بعده كشفلي حقيقة جوازي كله

ورث أبويا… واللي حصل بعده كشفلي حقيقة جوازي كله


ورث أبويا… واللي حصل بعده كشفلي حقيقة جوازي كله

بعد وفاة أبي، لم يكن البيت مجرد مكان امتلأ بالحزن، بل صار كأنه يحمل صدى صوته في كل ركن. الكرسي الذي كان يجلس عليه بعد صلاة العصر ظل في مكانه أيامًا طويلة كما هو، كوب الشاي الصغير الذي كان يفضله، نظارته الموضوعة بعناية فوق المصحف، وحتى رائحة العطر الخفيف التي كانت تسبق دخوله إلى الغرفة، كلها أشياء كانت تذبحني ببطء. كنت أدخل غرفته فأشعر أنني طفلة من جديد، لا امرأة متزوجة وأم لطفلين. كنت أفتقده كأب، وكظهر، وكصوت كان يهدئ الدنيا كلها بجملة واحدة. طوال أيام العزاء كنت أتحرك كأنني داخل حلم ثقيل، أستقبل الناس، أسمع المواساة، وأهز رأسي بصمت، لكنني من الداخل كنت أتشقق. لم أكن أفكر في مال، ولا في ميراث، ولا في أوراق، ولا في أي شيء من أمور الدنيا. كنت فقط أعيش الفقد كما يعيشه أي قلب انكسر على أبيه.

كان أبي رجلًا بسيطًا في طريقته، عميقًا في فهمه للحياة. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يعرف كيف يزرع الأمان فيمن حوله. منذ زواجي من مدحت قبل عشر سنوات، كان أبي يقول لي دائمًا: “البيت السليم يا بنتي يقوم على المودة والستر والاحترام. الفلوس مهمة، لكن لو الاحترام ضاع، ولا ملايين الدنيا تشتري راحة القلب.” يومها كنت أسمع الكلام وأبتسم، وأظن أنني محظوظة، وأن حياتي الزوجية مستقرة بما يكفي لأقول إنني فهمت معنى البيت. لم يكن مدحت في أول زواجنا هذا الرجل الذي رأيته بعد وفاة أبي. كان عمليًا، عصبيًا أحيانًا، لكنه في الظاهر رجل مسؤول، يحسب للأيام حسابها، ويهتم بأن يبدو أمام الناس زوجًا محترمًا وأبًا يعتمد عليه. وكنت، مثل كثيرات، أغفر الزلات الصغيرة تحت اسم الضغط، وأبلع المواقف الباردة تحت اسم أن الرجال لا يعرفون التعبير، وأرمم خيباتي بصبري كلما شعرت أن الدنيا تضيق.

بعد انتهاء إجراءات الورث، عرفت أن نصيبي الشرعي من تركة أبي بلغ مليونين وستمائة ألف جنيه. كان المبلغ كبيرًا بالفعل، لكنني لم أنظر إليه باعتباره بابًا للترف أو الحلم السريع. كل ما خطر ببالي وقتها أن أبي، حتى بعد موته، ما زال يحاول أن يحميني. شعرت أن هذا المال ليس مجرد أرقام في شهادة بنكية، بل سنوات عمره وتعبه وحرصه. قلت لنفسي إنني سأضعه في حسابي، وأفكر بهدوء فيما يفيد أولادي، وفي شيء يحقق لي ولهم أمانًا لو تبدلت الأيام. كنت أريد التصرف بعقل، لا بانفعال. لكنني لم أكن أعرف أن الخبر، ما إن يصل إلى مدحت، حتى يتحول بيتي إلى ساحة اختبار حقيقي، ليس للمال، بل للنيات التي كانت مختبئة وراء السنين.

في تلك الليلة جلسنا في الصالة. كان الأولاد نائمين، والتلفاز مطفأ، والهدوء بيننا ثقيلًا على غير عادته. كنت أظن أننا سنتحدث عن ترتيبات الأيام المقبلة، وربما عن مستقبل الأطفال، أو عن فكرة شراء شيء يفيدنا جميعًا. لكن مدحت ظل ساكتًا للحظات، ثم نظر إليّ نظرة لم أفهمها أول الأمر، وقال بصوت جاف كأنه ينهي أمرًا محسومًا: “بصي يا سمر، الفلوس دي لازم تنزل البنك الصبح… بس باسمي أنا.” في البداية ظننته يمزح مزحة ثقيلة لا أكثر. نظرت إليه وأنا أبتسم بذهول، كأنني أنتظر تكملة تخفف وقع الكلام، لكنه لم يبتسم. عينيه كانتا ثابتتين، فيهما شيء غريب، شيء يشبه الجوع البارد. سألت بهدوء متردد: “باسمك إنت ليه يا مدحت؟ ده ورثي، وحقّي الشرعي، وأنا هحطه في حسابي. إحنا الحمد لله مستورين، والبيت ما ينقصهش حاجة.”

في ثانية واحدة تبدلت ملامحه. اعتدل في جلسته ثم وقف فجأة، وارتفع صوته لدرجة جعلتني أخاف أن يستيقظ الولدان. قال بعصبية فاجأتني: “مستورين إيه وبتاع إيه؟ طول ما إنتِ على ذمتي وفي بيتي، مفيش حاجة اسمها فلوسك وفلوسي. أنا الراجل، وأنا اللي بشيل، وأنا اللي بمشي البيت. الفلوس دي لازم تكون تحت إيدي. لو متتحطش باسمي، يبقى كل واحد فينا من طريق.” وقفت أنا أيضًا، لا من الشجاعة بقدر ما كان جسدي يتحرك وحده من الصدمة. قلت له: “إنت بتقول إيه؟ يعني إيه باسـمك؟ ده تعب أبويا الله يرحمه، وحقّي، وأنا ما قلتش إني هحرم البيت من حاجة.” لكنه لم يتركني أكمل. ضرب بكفه على الطاولة وقال بصوت أخفض لكنه أشد قسوة: “عندك أربع وعشرين ساعة. يا إما البنك وتتحول باسمي، يا إما المأذون. وتطلعي من البيت ده بشنطة هدومك وبس.”

وقتها شعرت أن شيئًا في صدري انخلع. لم تكن كلمة “طلاق” هي الأكثر وجعًا، بل الطريقة التي قيلت بها، كأن عشرة عشر سنوات، وطفلين، وأيامًا مرّت بحلوها ومرّها، كلها أشياء أرخص من رقم في ورقة. رأيت في وجهه وجهًا آخر لم أره من قبل بوضوح، رغم أنه ربما كان موجودًا دائمًا وأنا أتجاهله. وجه رجل لا يرى في زوجته شريكته، بل ممتلكًا تابعًا له، وكل ما تملكه يدخل تلقائيًا في حساب سلطته. حاولت أتكلم بعقل، قلت له إن البيوت لا تدار بهذا المنطق، وإن الرجل الحقيقي لا يهدد زوجته بالطلاق كي يستولي على مالها، وإن المسألة ليست رفضًا لمشاركته، بل رفضًا لفكرة أن يلغيني تمامًا. لكنه كان قد أغلق باب السمع والعقل معًا. دخل الغرفة وصفق الباب خلفه بعنف، وتركني في الصالة واقفة وحدي، كأن الدنيا كلها انسحبت من تحتي.

دخلت المطبخ وأنا لا أشعر بقدمي. كانت أوراق الميراث في يدي، ودموعي تتساقط عليها نقطة وراء نقطة. وقفت أمام الحوض من غير هدف، فقط لأن الوقوف كان أهون من الجلوس مع الألم. في تلك اللحظة رنّ هاتفي. كان أخي حسن. مسحت وجهي سريعًا وحاولت أن أضبط صوتي، لكن حسن يعرفني من نبرة النفس قبل الكلام. قال فورًا: “مالك يا سمر؟ صوتك فيه حاجة. مدحت قالك حاجة؟” كنت أحتاج إلى كتف، إلى كلمة أمان من أخ، إلى شخص يقول لي إنني لست مجنونة، وإن ما أشعر به مفهوم ومشروع. فحكيت له كل شيء كما حدث، حرفًا حرفًا، وأنا أظن أنه سيغضب لأجلي أو سيقول إنه قادم حالًا. لكنه فاجأني برد نزل عليّ مثل ماء بارد في عز الحريق: “يا سمر، اهدي بس. مدحت برضه جوزك وأبو عيالك. الفلوس في الآخر رايحة للبيت. بلاش تخربي بيتك عشان قرشين. اسمعي كلامه المرة دي وخلاص علشان المركب تمشي.”

أنهيت المكالمة وأنا أشعر أن الأرض فرغت من الجميع دفعة واحدة. أخي الذي تربيت وأنا أظنه سندي لم ير في الأمر سوى “قرشين” و”مركب تمشي”. لم ير الإهانة، ولا التهديد، ولا معنى أن يُطلب من امرأة أن تتنازل عن حقها تحت سكين الطلاق. وقتها فهمت أن الوحدة ليست غياب الناس عنك، بل أن تكون محاطًا بهم ولا يجد قلبك مكانًا يسقط فيه بصدق. خرجت إلى الشرفة. كان الليل باردًا، والشارع شبه خالٍ، وأنا أقف وحدي أضم شالي إلى صدري كمن يحاول منع نفسه من التفكك. بدأت أفكر بهدوء لأول مرة منذ المشادة. لو رضخت اليوم، فلن يكون هذا آخر ما سيتحكم فيه. اليوم يريد الورث، وغدًا سيقرر في كل شيء أكبر وأصغر. إذا خفت من كلمة “طلاق” الآن، فسأعيش بقية عمري رهينة لها. عند الفجر تقريبًا، بعدما بكيت بما يكفي وهدأت بما يكفي، بدأت الخطة تتشكل في رأسي.

في الصباح استيقظت وكأنني امرأة أخرى. لم يكن خوفي قد انتهى، لكنه تحول إلى يقظة. وجدت مدحت قد ارتدى ملابسه الرسمية على غير عادته، ووضع مفاتيح السيارة على الطاولة أمامي. كان يبدو واثقًا من نفسه بشكل مستفز، كما لو أنه يحصد نتيجة أمر محسوم. نظر إليّ ببرود وقال: “ها؟ البنك ولا بيت أهلك؟” نظرت إليه لحظة طويلة، ثم دخلت الغرفة وبدلت ثيابي في هدوء. أخذت حقيبتي، وخرجت واقفة أمامه بثبات لم يكن يتوقعه. قلت له: “البنك يا مدحت. يلا بينا.” رأيت في عينيه لمعة انتصار خبيثة، وارتسمت على وجهه ابتسامة قصيرة تشبه ابتسامة من ظن أنه كسر خصمه أخيرًا. لم يكن يعلم أن موافقتي ليست استسلامًا، بل أول خطوة في الطريق الذي قررت أن أمشيه للنهاية.

ركبنا السيارة، وخلال الطريق بدأ يتكلم بثقة أكبر. كان يتحدث عن مشروع مع صديق له يريد أن يدخل فيه، وعن فكرة تغيير السيارة، وعن “ترتيب الدنيا” بشكل مختلف. كان يتحدث عن المال كأنه صار ملكه بالفعل، وكأن وجودي في المقعد المجاور ليس إلا إجراءً شكليًا لإتمام النقل. أما أنا، فكنت أستمع في صمت. لم أرد عليه بكلمة واحدة. كنت أراقب يديه على المقود، وطريقته وهو يخطط لمستقبل يتعامل فيه مع تعب أبي وكأنه جائزة نالها من السماء. ومن شدة هدوئي، ازداد اطمئنانه. كان يظن أنني أخيرًا “عقلت” وخفت على البيت. لكن الحقيقة أنني كنت أقاوم رغبتي في البكاء أو الصراخ، لأن اللحظة الحاسمة لم تأتِ بعد، وأنا كنت بحاجة إلى كل ذرة ثبات.

وصلنا إلى البنك. نزل مدحت أولًا وهو يعدل قميصه ويمشي بخطوات واسعة. دخلنا الصالة المكيفة، وجلسنا أمام موظف شاب مهذب. مدحت أخرج بطاقته بسرعة وبدأ يتكلم: “إحنا عايزين نفتح حساب جديد ونحط فيه مبلغ…” وفي اللحظة نفسها قاطعته. لم أرفع صوتي بالصراخ، لكنني جعلته واضحًا بما يكفي ليسمعه الموظف ومن حولنا. قلت: “لو سمحت يا أستاذ، أنا صاحبة مبلغ ورث شرعي، وعايزة أخصصه في حساب مؤمَّن ومغلق لمصلحة أولادي، مع حفظ حقي أنا وحدي في الإشراف عليه والتصرف وفق الشروط القانونية.” التفت الموظف إليّ مباشرة، وبدت على وجه مدحت صدمة حقيقية كأن أحدهم سحب الهواء من المكان. قال الموظف بهدوء مهني: “تمام يا فندم، طبعًا بما إن المبلغ ملك لحضرتك، فكل توجيه هيكون بناءً على طلبك إنتِ.”

شعرت بمدحت يقترب مني ويهمس من بين أسنانه: “إنتِ بتعملي إيه يا سمر؟ اتجننتي؟ قولي له غيرتي رأيك.” كانت نبرته منخفضة لكنها محمّلة بتهديد صريح. لو كنا وحدنا ربما رفع صوته أو مد يده، لكنه في هذا المكان لم يستطع أن يكشف نهمه كما هو. نظرت إليه ثم إلى الموظف، وابتسمت ابتسامة باردة للمرة الأولى في حياتي معه. قلت بصوت مسموع: “مدحت طول عمره شايل هم الأولاد، وإحنا متفقين إن الفلوس دي تكون أمان لمستقبلهم ومحدش يتصرف فيها بشكل عشوائي.” الموظف ابتسم باحترام وقال: “ده قرار حكيم جدًا يا فندم.” في هذه اللحظة بالتحديد رأيت مدحت محاصرًا. لو اعترض بصراحة، سيكشف نفسه أمام الغرباء كرجل يريد ورث زوجته لنفسه. ولو سكت، ستمر الأوراق كما أريد. حاول أن يتظاهر بالتماسك، لكن وجهه كان يحمر ويصفر في ثوانٍ، وعينيه تتحركان بعنف.

استغرقت الإجراءات بعض الوقت. كنت أمضي وأراجع وأستمع إلى الشرح وأنا أشعر أن يدي ترتجف أحيانًا، لكنني لم أتراجع. ولأول مرة منذ وفاة أبي، شعرت أنني أحمي شيئًا بشكل صحيح. لم يكن الأمر مجرد مال، بل حدود. حدود يجب أن تُرسم بوضوح كي لا يدوسها أحد باسم الزواج أو القوامة أو كلام الناس. عندما انتهت العملية وتحول المبلغ كما طلبت، وقع الخبر عليه كإغلاق باب ثقيل في وجه طمعه. خرجنا من البنك، وفور ما ابتعدنا عن الباب أمسك بذراعي بعنف وهو يضغط أصابعه في لحمي. قال بصوت مكتوم من شدة الغضب: “إنتِ كده نهيتي اللي بينا. اطلعي على بيت أهلك. ورقتك هتوصلك هناك. وبالفلوس دي بقى ابقي وريني هتعيشي إزاي وهي محبوسة.”

نزعت ذراعي من يده ونظرت إليه للمرة الأولى بلا خوف. قلت له: “اللي بينا إنت اللي انهيته من امبارح، لما خيّرتني بين حقي وبين كرامتي. أما بالنسبة لبيت أهلي، فأحب أفكرك بحاجة يمكن ناسيها. البيت اللي بتقول لي أطلع عليه ده جزء من تركة أبويا، يعني أنا ليا نصيب فيه. ومش أنا اللي هطلع بشنطة هدومي، بالعكس… إنت اللي بعت عشرة سنين عشان فلوس مش بتاعتك.” اتسعت عيناه بدهشة حقيقية. لم يكن يتوقع مني هذا الرد، ولا هذا التماسك، ولا أن أستدعي حقي في بيت أبي في وجه تهديده ببيت الزوجية. كان يرى نفسه الرجل الذي يلوح بالطرد، لا الرجل الذي يُقال له إن مكانه لم يعد مضمونًا في قلب ولا في بيت.

أوقفت سيارة أجرة من أمام البنك وفتحت الباب. قبل أن أركب، عاد صوت أبي يتردد داخلي بجملته القديمة: “لو الاحترام ضاع، ولا ملايين الدنيا تشتري راحة القلب.” ركبت وأنا أشعر بوجع كبير، لكن معه خفة غريبة. لم أكن منتصرة بمعنى الانتصار السهل. كنت أعرف أن الطريق المقبل صعب، وأن الطلاق حين يتحول من تهديد إلى إجراء سيفتح أبوابًا كثيرة من الكلام والضغط وربما التشويه. لكنني كنت أعرف أيضًا أن الأسوأ قد حدث بالفعل: الرجل الذي عشت معه عشر سنوات كشف نفسه أمامي بلا قناع، وأنا رأيته أخيرًا. والوهم حين ينكسر قد يوجع، لكنه أيضًا يحرر.

ذهبت أولًا إلى المدرسة لأخذ ولديّ قبل موعد الانصراف المعتاد. حين رأيتهما يركضان نحوي ببراءتهما المعتادة، شعرت بأن كل ما فعلته كان صحيحًا. احتضنتهما طويلًا، ربما أطول من المعتاد، حتى إن ابنتي الصغيرة رفعت رأسها وقالت: “مالك يا ماما؟” فابتسمت بصعوبة وقلت: “ولا حاجة يا حبيبتي، بس وحشتوني.” لم أرد أن أحمل لهما همومي، لكنني في الوقت نفسه كنت أدرك أن القرار الذي اتخذته اليوم هو من أجلهما أيضًا. أي بيت سأبقيهما فيه إذا كان قائمًا على إذلال أمهما؟ وأي مثال سأتركه في وعيهما إذا شاهدا أمهما تتنازل عن حقها خوفًا من فقدان سقف؟ كنت أريد لابني أن يعرف يومًا أن الرجولة ليست سيطرة، ولابنتي أن تعرف أن الزواج لا يلغي شخصيتها ولا مالها ولا حقها في الاحترام.

وصلت إلى بيت أبي القديم قبل المغرب بقليل. فتحت لي أمي وهي مبهوتة من حضوري المفاجئ مع الأولاد والحقائب الصغيرة. نظرت في وجهي طويلاً، ثم وسعت الباب من غير سؤال. دخلت وشممت الرائحة نفسها التي كبرت عليها، رائحة البيت التي تشبه حضنًا قديمًا. جلست وأنا أحاول أن أرتب الكلام، لكن عيني أمي سبقت لساني. سألتني بهدوء موجع: “عمل إيه المرة دي؟” حكيت لها كل شيء، من أول تهديد المساء إلى ما حدث في البنك. لم تقاطعني، ولم تواسينِ بالكلمات السهلة، بل جلست صامتة وقتًا طويلًا، ثم قالت: “أبوك كان دايمًا يقول إن البنت لازم يبقى لها ظهر من نفسها قبل أي حد. يمكن هو ساب لك الفلوس علشان اليوم ده.”

تلك الليلة لم أنم بسهولة. كان هاتفي يرن برسائل كثيرة، بعضها من مدحت بين تهديد ومحاولة تخويف، وبعضها من حسن يطلب مني ألا “أكبر الموضوع”، وبعضها من قريبات يقترحن الصلح “علشان العيال”. قرأت الرسائل واحدة واحدة وأنا أشعر كأن المجتمع كله يطلب من المرأة دائمًا أن تكون هي الجسر الذي يُداس عليه حتى يعبر الآخرون في سلام. لا أحد كان يسأل السؤال الحقيقي: لماذا هددها أصلًا؟ لماذا اعتبر مالها ملكًا له؟ لماذا صار الطلاق أول ورقة يخرجها حين لم تعطه ما يريد؟ كل ما كان يهمهم أن يستمر الشكل، حتى لو تكسرت الروح داخله. عند الفجر أغلقت الهاتف، ووضعت رأسي على الوسادة، وقررت أنني للمرة الأولى لن أتحرك وفق خوف الآخرين، بل وفق ما أراه حقًا.

في الأيام التالية بدأت معركة من نوع آخر. مدحت لم يطلقني فورًا كما هدد، لأنه كان يختبر قدرتي على الرجوع، ويتوقع أن تضغط عليّ العائلة فألين. أرسل وسيطًا من أقاربه، ثم حاول أن يظهر أمام الناس بمظهر الرجل المجروح الذي خانته زوجته و”حبست” أموالها عن بيتها. لكن ما لم يكن يعرفه هو أنني بدأت أسترد صوتي. جلست مع محامٍ، وفهمت حقوقي جيدًا، وتأكدت من وضع بيت أبي قانونيًا، ورتبت أوراق الأولاد ومدارسهم وأساسيات حياتهم. لم أعد أتحرك بانفعال امرأة مذعورة، بل بعقل امرأة صدمت لكنها استفاقت. حتى حسن، أخي، حين رآني ثابتة لا أبكي ولا أرجع، بدأ يشعر أن الأمر أكبر من “قرشين”. جاءني بعد أيام وجلس صامتًا، ثم قال باعتذار متردد إنه لم يفهم في البداية حجم الإهانة. لم أعاتبه كثيرًا، لأنني كنت قد تعبت من انتظار الفهم من الناس. يكفيني أنني فهمت نفسي.

أما مدحت، فعندما رأى أنني لا أتراجع، حاول تغيير لهجته. اتصل مرة بصوت هادئ، وقال إنه لم يكن يقصد، وإن الشيطان لعب في رأسه، وإنه كان يريد “مصلحة البيت”. استمعت إليه حتى النهاية، ثم سألته سؤالًا واحدًا: “لو كنت أنا اللي معايا تهديد الطلاق، وطلبت منك تحوّل شقاك باسمي، كنت هتسمي ده مصلحة بيت برضه؟” صمت. ذلك الصمت كان أصدق من ألف تبرير. في الحقيقة لم تكن المشكلة يومًا في المال وحده، بل في ما كشفه المال. كشف كيف يراني، وكيف يفهم الزواج، وكيف يظن أن وجودي على ذمته يلغي ذمتي أنا. وما ينكشف بهذا الوضوح لا يعود كما كان.

مرت أسابيع ثقيلة، لكنها كانت أيضًا أسابيع تعليم قاسٍ. تعلمت فيها أن الورث الحقيقي الذي تركه لي أبي لم يكن الرقم المكتوب في الأوراق، بل الشجاعة التي أيقظها في داخلي من حيث لا أدري. ترك لي حماية مؤجلة لوقت احتجتها فيه. وتركني وجهًا لوجه أمام نفسي: هل أعيش مكسورة حتى لا يقول الناس مطلقة؟ أم أعيش متعبة فترة ثم أستعيد احترامي؟ وفي كل مرة كنت أنظر إلى وجهي في المرآة، كنت أعرف أن الإجابة صارت أوضح من أن أهرب منها. الرجل الذي يهدد امرأته بالطرد لأنها لم تسلمه مالها، لا يخيفني بطلاقه بقدر ما يخيفني البقاء معه.

وفي مساء هادئ، بعد أن نام الأولاد في الغرفة التي كنت أنام فيها وأنا صغيرة، وقفت في شرفة بيت أبي أنظر إلى الشارع نفسه الذي وقفت فيه من قبل ليلًا وأنا وحيدة في بيتي الأول. لكن الفرق كان كبيرًا. يومها كنت منهارة، واليوم كنت مجروحة نعم، لكنني واعية. كانت يدي على سور الشرفة، والهواء يلمس وجهي برفق، وفجأة شعرت أن أبي لم يرحل تمامًا. ليس لأن روحه حولي بشكل غيبي، بل لأن أثره فيّ صار حيًا أكثر من أي وقت. لأول مرة منذ موته لم أبكِ عليه فقط، بل شعرت بالامتنان له. امتنان لأنه رباني على أن الحق لا يُسلَّم خوفًا، وأن المرأة ليست تابعًا بلا إرادة، وأن الستر لا يعني الذل، وأن البيت إذا فقد عدله صار مجرد حوائط.

لا أعرف كيف ستنتهي هذه الحكاية على الورق في نظر الناس: هل بعودة بشروط جديدة؟ أم بانفصال نهائي؟ لكنني أعرف جيدًا كيف انتهت بداخلي. انتهت المرأة التي كانت تخاف من كلمة “يطلقك” أكثر من خوفها من ضياع نفسها. وبدأت امرأة أخرى، لا تدّعي القوة الخارقة ولا تكره الحب ولا تهين الزواج، لكنها تعرف أن الزواج ميثاق لا مصادرة، ورحمة لا ابتزاز، وشراكة لا استحواذ. والمال الذي أراد أن يسرقه مني لم يعد بالنسبة لي مجرد ورث من أبي، بل شاهدًا على اللحظة التي عرفت فيها قيمتي بوضوح لم أعرفه من قبل.

لهذا، حين يسألني أحد اليوم: “إيه أصعب حاجة حصلت لك بعد وفاة والدك؟” لا أقول فقده فقط، رغم أن فقده لا يعادله شيء. أقول أيضًا إن الأصعب كان أن أرى بعيني كيف يمكن للطمع أن ينزع الأقنعة عن أقرب الناس. لكنني، في الوقت نفسه، أقول إنني خرجت من تلك المحنة بشيء لم أكن أملكه كاملاً من قبل: نفسي. والمرأة التي تجد نفسها بعد طول غياب، حتى لو دفعت في الطريق دموعًا وخوفًا ووحدة، تكون قد ربحت أكثر مما خسرته.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان