أنا عمري ما كنت بحب أحكي تفاصيل حياتي للناس، خصوصًا الحاجات اللي فيها وجع. دايمًا كنت شايفة إن الكلام مش بيغير حاجة، وإن اللي بيتعاش بجد صعب يتحكي. بس يمكن المرة دي مختلفة… يمكن علشان اللي حصل معايا كان أكبر من إني أعدّيه كده وخلاص، أو يمكن علشان في ناس ممكن تكون ماشية في نفس الطريق من غير ما تاخد بالها هي رايحة على فين.
الحكاية بدأت من عشر سنين… يوم ما حمايا تعب فجأة. كان راجل طبيعي جدًا، بيضحك وبيهزر وبيتحرك في البيت كأنه عمود المكان، وفجأة كل ده اختفى. جلطة واحدة خلّته طريح السرير، لا قادر يقوم، ولا حتى يطلب كباية مية بإيده. المشهد ده لحد دلوقتي محفور جوايا، لأنه كان أول مرة أشوف حد قوي كده يتحول بالشكل ده في لحظة.
في الأول، الكل كان موجود. زي أي أزمة… الناس بتتجمع يومين تلاتة، كل واحد يقول كلمتين ويعمل نفسه مهتم. لكن مع الوقت، كل حاجة بدأت تهدى… وواحد ورا التاني اختفى. جوزي بحكم شغله قال إنه مش هيقدر يفضل قاعد، وإخواته كل واحد عنده ظروفه. الكلام كان منطقي… بس النتيجة كانت واحدة: مفيش حد.
فاكرة اليوم اللي قررت فيه أسيب شغلي كويس جدًا. كنت راجعة تعبانة، ولقيته باصص لي بعين فيها خوف مش متعوده أشوفه فيها. ساعتها حسيت إن القرار اتاخد من غير ما أفكر. مش بدافع الواجب بس… لكن يمكن علشان قلبي ما استحملش أسيبه لوحده بالشكل ده.
من يومها، حياتي اتقسمت لنصين: قبل وبعد. بقيت بصحى على معاد دواه، وأنام وأنا سامعة صوته وهو بيتنفس. تفاصيل صغيرة جدًا بقت هي يومي كله… زي إني أظبط له المخدة، أو أستنى لما يبلع الأكل بالراحة، أو حتى أفسر له كل حاجة حوالينه علشان ما يحسش إنه معزول.
في حاجات محدش بيشوفها… زي السهر اللي ملوش عدد، أو القلق اللي بيخليك تقوم فجأة من النوم علشان تتأكد إنه كويس. مرات كتير كنت بقعد جنبه وهو نايم، أبص له بس… من غير سبب واضح، غير إني مطمنة إنه لسه موجود.
السنين عدت ببطء غريب. كل يوم شبه اللي قبله، لكن برضه مختلف بتفصيلة صغيرة. وأنا كنت ثابتة في مكاني… لا رجعت شغلي، ولا حتى فكرت أعمل حاجة لنفسي. يمكن علشان كنت مقتنعة إن اللي بعمله ده أهم.
بس الحقيقة؟ مكنتش دايمًا قوية. كان في لحظات ضعف كتير، خصوصًا لما جوزي كان بييجي ويقعد شوية، وبعدين يتضايق من الجو العام في الأوضة. مرة قال لي جملة فضلت معايا:
“إنتي بقيتي مش شبه نفسك.”
ما ردتش عليه. مش علشان معنديش رد، لكن علشان كنت حاسة إنه مش شايف اللي أنا شايفاه. هو شايف تعب وشكل متغير… وأنا شايفة إنسان محتاجني ومفيش غيري.
آخر فترة قبل ما الحاج يمشي، كان في هدوء غريب. كلامه قل، بس نظرته كانت بتتكلم أكتر. كان ساعات يمسك إيدي من غير ما يقول حاجة، وكأنه عايز يقول حاجة ومش قادر. وفي كذا مرة خلاني أمضي على أوراق، وقال لي إنها “إجراءات عادية”… وأنا ما سألتش. يمكن ثقة، أو يمكن تعب من التفكير.
يوم وفاته كان هادي بشكل يخوّف. مفيش صريخ، مفيش دراما… بس إحساس إن حاجة كبيرة خلصت. قعدت جنبه وقتها ومكنتش بعيط بصوت عالي، لكن الدموع كانت بتنزل لوحدها. مش علشان فلوس ولا أي حاجة مادية… لكن علشان عشرة سنين كاملة انتهت في لحظة.
تاني يوم، لما المحامي جه، كنت قاعدة من غير أي توقعات. بصراحة، عمري ما فكرت في موضوع الورث أصلاً. لكن مع قراءة الوصية، الجو اتغير. أرقام كبيرة، أملاك، شقق… كل شوية اسم وحد بياخد حاجة.
لما جه دورنا، سمعت الرقم وكأني سامعاه من بعيد:
200 ألف جنيه.
ما حسيتش بحاجة في الأول… يمكن علشان كنت مستغربة بس. لكن رد فعل جوزي هو اللي رجعني للواقع. بص لي بعصبية وقال:
“كل ده على إيه؟!”
وقتها ما اتكلمتش. مسكت الكارت بس، وحسيته تقيل في إيدي بطريقة غريبة. مش علشان قيمته… لكن علشان معناه.
وأنا في الطريق للبنك، بدأت أفتكر تفاصيل كنت نساياها. الخزنة اللي كانت ورا البرواز، الأوراق اللي مضيت عليها، وطريقته وهو بيبص لي في آخر أيامه… النظرة اللي كان فيها اطمئنان غريب.
دخلت البنك وأنا مش متوقعة حاجة معينة. اديت الموظف الكارت، وكتبت الرقم السري. كنت مركزة في إيدي وهي بتكتب أكتر من أي حاجة تانية.
الموظف سكت شوية وهو باصص على الشاشة… وسكوته كان أطول من اللازم. بعدين رفع عينه وبص لي كأنه بيحاول يتأكد من حاجة.
قال لي بهدوء:
“حضرتك متأكدة إن ده حسابك؟”
سألته وأنا قلبي بيدق:
“ليه؟ فيه مشكلة؟”
بص للشاشة تاني، وبعدين قال:
“المبلغ اللي هنا… مختلف خالص عن اللي حضرتك بتقوليه.”
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة وقفت. نفس الإحساس اللي بييجي قبل ما تفهم إن في حاجة كبيرة كانت مستخبية طول الوقت… وإنت ما كنتش شايفها.
وقفت مكاني، مستنية يكمل… وأنا جوايا إحساس واحد بس:
إن القصة لسه ما خلصتش.
فضلت واقفة قدام الموظف وأنا حاسة إن صوتي اتسرق مني. مكنتش قادرة أسأل، ولا حتى أستوعب هو قال إيه بالظبط. كل اللي كنت سامعاه جوا دماغي هو جملة واحدة بتتكرر: “مختلف خالص عن اللي حضرتك بتقوليه”.
بلعت ريقي بالعافية وقلت له: “يعني إيه مختلف؟ هو فيه كام؟”
الموظف بصلي لحظة كده، كأنه بيتأكد إني مستعدة أسمع… وبعدين لف الشاشة ناحيتي شوية، وقال بهدوء:
“الحساب فيه مبلغ كبير يا مدام… مش 200 ألف خالص.”
عيني وقعت على الرقم… وفي اللحظة دي، فعلاً ما فهمتش. الرقم كان أطول من إني أستوعبه بسرعة. صفار كتير جنب بعض… دماغي حاولت تجمعهم، بس ما عرفتش.
قلت له بصوت واطي: “هو… الرقم ده صح؟”
رد بثقة: “أيوه، الحساب باسم حضرتك، وكل حاجة سليمة.”
رجعت خطوة لورا من غير ما أحس. الكرسي اللي ورايا لحقني قبل ما أقع. قعدت عليه وأنا حاسة إن في حاجة بتتفك جوايا… مش فرحة، ومش صدمة بس… كان إحساس غريب بين الاتنين.
أول حاجة جت في بالي… هو.
الحاج.
افتكرت نظرته في آخر أيامه، لما كان يمسك إيدي ويسكت. افتكرت لما كان يصرّ إني أمضي على الورق، ويقولي: “دي حاجات بسيطة علشان أرتاح.” وافتكرت الخزنة اللي ورا البرواز… اللي عمره ما خلّى حد يقرب منها غيري.
وقتها بس… فهمت.
هو ما كانش سايبني من غير مقابل. هو كان شايف كل حاجة… كل لحظة سهر، كل مرة تعبت فيها وسكت، كل مرة ضحكتله فيها وأنا من جوايا مكسورة.
بس اختار يعمل ده بطريقته.
طريقة محدش في البيت يلاحظها… ولا حتى يتوقعها.
فضلت ساكتة شوية، والموظف مستني رد فعلي. سألني لو حابة أسحب جزء من المبلغ أو أعمل أي إجراء، لكني هزيت راسي وقلت له: “مش دلوقتي.”
خدت الكارت وخرجت من البنك، وأنا حاسة إني مش نفس الشخص اللي دخل من شوية.
الشارع كان زحمة كعادته، صوت العربيات عالي، والناس ماشية بسرعة… بس أنا كنت ماشية ببطء غريب، كأني شايفة الدنيا لأول مرة.
وأنا في طريقي، بدأت أفكر… أقول لجوزي؟ ولا أسكت؟
افتكرت كلمته وهو بيصرخ في وشي:
“خدمتك دي ملهاش لازمة!”
الكلمة دي رجعت لي بنفس الإحساس… بس المرة دي كان ليها طعم تاني.
مش وجع… لكن وضوح.
وصلت البيت، لقيته قاعد مستني. أول ما شافني، سألني بسرعة:
“ها؟ الحساب فيه إيه؟”
بصيت له لحظة… طويلة شوية. كنت بوزن كل كلمة قبل ما أقولها.
وقلت بهدوء:
“زي ما قالوا… 200 ألف.”
وشه اتغير، وظهر عليه الغضب تاني. بدأ يتكلم عن الظلم، وعن أبوه اللي ما قدّرش، وعن السنين اللي “ضاعت”.
وأنا؟ كنت ساكتة.
مش علشان ضعيفة… لكن علشان لأول مرة، حسيت إني مش محتاجة أبرر حاجة لحد.
عدت الأيام بعد كده بشكل مختلف. بقيت أرجع لنفسي واحدة واحدة. رجعت أفكر أشتغل تاني، أخرج، أعيش حياة كنت مأجلاها سنين.
وكل شوية، كنت أرجع أفتح الحساب… مش علشان الفلوس، لكن علشان أفكر نفسي بحاجة واحدة:
إن في ناس بتشوف تعبك… حتى لو ما قالتش.
وإن مش كل حاجة بتبان في وقتها.
وفي يوم، وأنا قاعدة لوحدي، طلعت الورق القديم اللي كنت مضيت عليه. قعدت أقراه بهدوء، لأول مرة بتركيز. التفاصيل كانت واضحة… وكل حاجة كانت مترتبة بطريقة ذكية جدًا.
ابتسمت ساعتها… ابتسامة خفيفة، فيها راحة غريبة.
وقلت بصوت واطي:
“أنا فهمت يا حاج… متأخر، بس فهمت.”
بصيت حواليّ، البيت كان هادي… بس مش الوحدة اللي كانت بتخنقني زمان.
كان هدوء مختلف.
هدوء حد أخيرًا عرف قيمة نفسه.