القهوة المرة: كيف تحولت عزومة رمضان إلى طلاق ومحضر شرطة

القهوة المرة: كيف تحولت عزومة رمضان إلى طلاق ومحضر شرطة


القهوة المُرّة

في عزومة آخر يوم في رمضان، اليوم اللي المفروض يكون فيه القلب أهدى، والنفوس أصفى، والبيوت مليانة رحمة… أنا اتكسرت فيه للمرة الأخيرة. مش مجرد خناقة، ولا حتى إهانة عادية، لكن لحظة واحدة بس كانت كفيلة إنها تفضح كل حاجة، تكشف كل القشرة اللي كنت عايشة تحتها، وتخليني أشوف الحقيقة زي ما هي… مرة، وساخنة، وبتحرق.

كنت واقفة في المطبخ في شقتنا في مصر الجديدة، المطبخ اللي كنت فاكرة إنه “بيتي”، اللي صرفت عليه من شقايا، واللي كل تفصيلة فيه كنت شايفاها انعكاس لتعبي وسنين صبري. كنت بفرغ لسان العصفور في الأطباق، وبظبط السفرة، وريحة الأكل ماليه المكان، وقلبي رغم التعب كان فيه حتة رضا… يمكن لأن ده آخر يوم في رمضان، ويمكن لأني كنت دايمًا بضحك على نفسي وأقنعها إن كل حاجة هتتحسن.

بس الحقيقة كانت واقفة على بعد خطوات مني… مستنية اللحظة المناسبة عشان تضرب.

“سيد” كان واقف في الصالة، صوته عالي، ونبرته فيها حاجة غريبة، حاجة أنا حسيتها قبل كده بس تجاهلتها. أخته “نجلاء” قاعدة على السفرة، ماسكة شنطة شكلها غالي بس باين عليها تقليد، وساكتة… ساكتة بطريقة مستفزة، كأنها مستنية حاجة تحصل.

قبلها بدقايق، سمعتها بتقوله: “ها يا سيد.. قلت لها ولا لسه؟” وساعتها قلبي اتقبض، بس برضه قلت لنفسي يمكن موضوع عادي.

غلطت.

دخل المطبخ فجأة، وقال بصوت ناشف: “إنتي هتدي نجلاء الفيزا بتاعتك ولا لأ؟” لفيت له وأنا مستغربة، قلت: “فيزا إيه؟” قال بمنتهى البساطة: “مرتبك… نجلاء محتاجة فلوس الفترة دي.”

ضحكت… آه ضحكت، بس ضحكة مش طالعة من قلبي، ضحكة واحدة مصدومة. قلت له: “إنت بتهزر؟ ده شقايا أنا… وأنا أصلاً لسه بسدد أقساط الشقة.” هنا نبرة صوته اتغيرت، بقى حاد، وقال: “دي أختي… يعني لحمي ودمي.”

رديت عليه وأنا حاسة إن في حاجة بتتكسر جوايا: “وأنا مراتك.”

في اللحظة دي… الدنيا وقفت.

مسك كنكة القهوة اللي كانت بتغلي على السبرتاية، وبدون تفكير، بدون حتى لحظة تردد… حدفها في وشي.

النار مسكت في جلدي، صرخت صرخة طلعت من عمق روحي، مش من وجعي بس… من الصدمة. القهوة كانت بتسيل على خدي ورقبتي، ولسعتها كانت زي سكاكين، وأنا واقفة مش قادرة أستوعب اللي حصل. الكباية اتكسرت، والصوت كان عالي، بس أقل بكتير من صوت الانكسار اللي حصل جوايا.

بصيت له… مستنية أشوف ندم، خوف، أي حاجة إنسانية… لكن اللي شفته كان غل. غل خالص، كأني أنا اللي غلطانة، كأني أنا اللي استاهل.

قال وهو بيزعق: “كل ده عشان طلبت طلب بسيط؟”

بصيت لنجلاء… كانت قاعدة، متحركتش، ما قالتش كلمة، حتى ما جابتش تلج. ساعتها فهمت… أنا لوحدي.

بس المرة دي، ما انهارتش.

في اللحظة دي، حاجة نورت جوا دماغي. مش ضعف… ولا خوف… حاجة تانية. حاجة شبه الصحوة. طلعت فوق من غير ما أتكلم، وهو بينادي ورايا فاكر إني هعيط، هترجاه، هكسف من نفسي… لكنه ماكنش يعرف إن كل حاجة انتهت في اللحظة دي.

صورت وشي… الحرق، الاحمرار، الألم… كله. مش للذكرى… للدليل. كلمت الطوارئ، كلمت صاحبتي تارة، وطلبت شركة نقل عفش، ونجار يغير القفل. كل حاجة حصلت بسرعة، بسرعة أنا نفسي استغربتها، كأن جسمي بيتحرك لوحده، كأن روحي أخدت القرار قبلي.

كنت بجمع هدومي وأنا ببص حواليّا… كل حاجة كنت فاكرة إنها حياتي، طلعت مجرد ديكور. ذكريات، صور، ضحك، خناقات، ووعود… كلها كانت كدب.

على الساعة 2، الشقة كانت بتتفضى. كل حاجة ليا، كل حاجة دفعت فيها، كل حاجة كانت جزء مني… خرجت. حتى طقم الحلل، حتى المعلقة اللي كنت بحبها، حتى الكوبايات اللي كنت بستخدمها كل يوم… كله.

على الساعة 3 وربع، كل حاجة كانت جاهزة.

ولما رجع “سيد” ومعاه أخته، كانوا داخلين عشان يفطروا… بس اللي شافوه كان حاجة تانية خالص.

الشقة كانت فاضية… فاضية تمامًا. صدى صوتهم بيرجع لهم، والفراغ كان تقيل كأنه بيكتم النفس. في نص الصالة، كان واقف أمين شرطة، وعلى السفرة الفاضية، كنت سايبة المحضر وورقة الخلع.

“سيد” وقف مصدوم، ملامحه اتجمدت، كأنه أول مرة يشوف الحقيقة. نجلاء بصت حواليها وهي مش فاهمة، وقالت: “إيه ده؟ الأكل فين؟”

ضحكت… بس ضحكة باردة.

أمين الشرطة قال بهدوء: “المدام عملت محضر تعدي… ومعاها تقرير طبي… والشقة باسمها.”

سيد حاول يتكلم، بس صوته خانُه، وقال: “دي شقتنا!” بصيت له وقلت: “لا… دي شقتي أنا.”

في اللحظة دي، شفت في عينيه حاجة عمري ما شفتها… ضعف.

حاول يقرب، لكن أمين الشرطة مسكه، وقال له: “اتفضل معانا.”

خرج… وهو بيجر رجليه، ووراه أخته، اللي كانت جاية تاخد “السند”، ومشيت وهي خدت معاه كل أوهامها.

قفلت الباب… وسندت ضهري عليه، وساعتها بس حسيت إني بتنفّس.

آذان المغرب بدأ… الصوت كان مالي المكان، بس الشقة كانت فاضية، مفيش سفرة، مفيش أكل، مفيش حد.

قعدت على الأرض، طلعت بلحة من جيبي، وأكلتها… وأنا بقول: “ذهب الظمأ…”

ولأول مرة… حسيت إن طعم الحرية أحلى من أي فطار.

لكن الحكاية ما خلصتش هنا… لأن الجرح مش بس في وشي… الجرح كان في قلبي، والشفا منه كان محتاج وقت.

الأيام اللي بعد كده كانت تقيلة، الوحدة كانت قاسية، والهدوء كان مزعج، بس كل مرة كنت ببص في المراية، وأشوف أثر الحرق… كنت فاكرة نفسي بالحقيقة: إن في يوم، القهوة المرة… فوقتني.

ومهما كانت مؤلمة… كانت ضرورية.

عدّى أسبوع… أو يمكن أكتر، أنا مش فاكرة الأيام كانت بتمشي إزاي، كل اللي فاكره إن الوقت بقى له طعم تقيل، زي طعم القهوة اللي اتحرقت بيها. الشقة الجديدة كانت هادية زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي كنت بتمناه زمان بقى مرعب، كأنه بيخليني أسمع صوت أفكاري بوضوح مؤلم. كل حاجة حواليا مرتبة، نظيفة، مستقرة… بس جوايا كان في فوضى مش راضية تهدى.

كنت بصحى كل يوم على نفس الإحساس… إن في حاجة ناقصة، مش “سيد”، ولا حتى الحياة القديمة، لكن الإحساس بالأمان اللي كنت فاكرة إنه موجود. الحقيقة إن الأمان ده كان وهم، وأنا كنت متمسكة بيه بإيدي وسناني، لحد ما اتكسر في وشي حرفيًا.

الجرح في وشي بدأ يهدى، لكن الندبة فضلت، علامة صغيرة بس واضحة، كل ما أبص في المراية تفتكرني باللحظة اللي كل حاجة فيها انتهت. في الأول كنت بكرهها… بحاول أغطيها، أخبيها بالمكياج، أهرب منها، لكن بعد كام يوم… بطلت. سيبتها زي ما هي. يمكن لأنها بقت الدليل الوحيد إني فوقت.

تارة كانت بتيجي تقعد معايا كتير، تحاول تضحكني، تخرجني، تفكرني إن الدنيا لسه فيها حاجات حلوة، وأنا كنت بحاول أصدقها، بس في جوايا جزء لسه واقف عند اللحظة دي… لحظة القهوة وهي بتتحدف، ولحظة عيني في عينه، ولحظة الحقيقة.

وفي يوم، وأنا قاعدة لوحدي، التليفون رن.

رقم غريب.

رديت… وسكت. الصوت اللي جالي من الناحية التانية كان مألوف… ومقرف في نفس الوقت.

“إزيك يا حبيبتي… عاملة إيه؟”

“سيد”.

جسمي كله شد، إيدي بردت، بس صوتي خرج ثابت على عكس اللي جوايا: “خير؟”

سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة غريبة، مش نفس الغرور القديم، فيها حاجة من الذل يمكن: “أنا… كنت عايز أتكلم معاكي.”

ضحكت… ضحكة خفيفة بس مليانة مرارة: “تتكلم؟ بعد إيه؟”

قال بسرعة: “أنا غلطت… والله غلطت. نجلاء ضغطت عليا، وأنا… كنت متعصب… الموضوع كبر مني.”

قعدت ساكتة، بسمع، مش عشان أصدق… لكن عشان أفهم.

“إنتي عارفة إني بحبك… وكل اللي حصل ده لحظة ضعف.”

الكلمة دي… “لحظة ضعف”… خلتني أضحك بجد المرة دي.

قلت له بهدوء مرعب: “لحظة ضعف؟ دي مش لحظة يا سيد… دي كانت حقيقتك.”

سكت.

وأنا كملت: “اللي بيحب مايحرقش… واللي بيحترم مايهينش… واللي راجل مايبعش مراته عشان يرضي أخته.”

سمعته بيتنفس تقيل، وبعدين قال: “طب نصلح اللي حصل… نرجع زي الأول.”

هنا… لأول مرة، حسيت إن قلبي فعلاً اتحرر.

قلت له: “إحنا عمرنا ما كان عندنا أول يا سيد… إحنا كان عندنا وهم… وأنا فوقت.”

وقف الكلام بينا لحظة، وبعدين قفل.

قعدت مكاني شوية، وبعدين قمت، مشيت ناحية المراية، وبصيت لنفسي… لنفس الندبة اللي كنت بكرهها.

بس المرة دي… ابتسمت.

لأنها ما بقتش علامة ألم بس… بقت علامة قوة.

وفي اللحظة دي، فهمت حاجة عمري ما كنت فاهمها قبل كده… إن أوقات، الحاجة اللي بتكسرك… هي نفسها اللي بتبنيك من جديد.

والقهوة اللي اتحرقت بيها… ما كانتش نهاية.

كانت بداية.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان