أوضة رقم 13… اللي محدش بيطلع منها زي ما دخل

أوضة رقم 13… اللي محدش بيطلع منها زي ما دخل


أوضة رقم 13… اللي محدش بيطلع منها زي ما دخل

“الأوضة دي مقفولة بقالها 20 سنة… وممنوع حد يقرب منها.” الجملة دي كانت أول حاجة سمعتها وأنا واقف قدام العمارة القديمة، ماسك مفتاح شقتي الجديدة، وبحاول أقنع نفسي إني أخيرًا لقيت بداية جديدة، مكان أهرب فيه من كل حاجة ورايا، من الزحمة، من الناس، من ذكريات مش عايزة تسيبني في حالي، لكن صوت البواب كان فيه حاجة مش طبيعية، حاجة خلتني أركز معاه رغم إني في العادي كنت هعدي الكلام ده على إنه هزار أو تهويل زي أي حكايات بنسمعها في أي عمارة قديمة، فابتسمت له وقلت: “ليه؟ فيها إيه يعني؟” لكنه ما ابتسمش، فضل باصص لي بنفس النظرة التقيلة وقال بهدوء غريب: “ناس كتير دخلت… محدش خرج طبيعي.”

الكلام عدى عليا ساعتها كأنه فيلم رعب رخيص، حاجة تتقال عشان تخوف سكان جداد أو تكسر الملل، خصوصًا إن المكان شكله عادي جدًا، عمارة قديمة شوية بس مش مهجورة، فيها ناس ساكنة، فيها صوت تلفزيون طالع من شقة، ريحة أكل من شقة تانية، حياة ماشية بشكل طبيعي جدًا، فهززت كتفي وطلعت على شقتي وأنا بضحك جوايا على الكلام اللي سمعته، لكن الحقيقة إن الضحكة دي ما فضلتش كتير.

أول ليلة كانت هادية زيادة عن اللزوم، هدوء غريب مش مريح، كأن المكان نفسه بيبصلك، بيستنى منك حاجة، قعدت على الكنبة، حاولت أشغل نفسي بالموبايل، بالتلفزيون، بأي حاجة تبعدني عن الإحساس ده، لكن مهما حاولت، كان في حاجة بتشد انتباهي ناحية باب الشقة، ناحية الطرقة، ناحية المكان اللي قال عليه البواب، الأوضة رقم 13.

الساعة كانت 2:46 الفجر لما صحيت فجأة، من غير سبب واضح، مفيش كابوس، مفيش صوت عالي، بس صحيت، وده في حد ذاته كان غريب، لأني من الناس اللي نومها تقيل جدًا، لكن اللي خلاني أقعد مش بس إني صحيت، كان الصوت… صوت خافت… متقطع… زي حد بيخبط، بس مش على باب شقتي، الصوت كان جاي من بعيد، من آخر الطرقة، من نفس الاتجاه اللي فيه الأوضة 13.

قعدت في مكاني شوية، بحاول أستوعب، يمكن حد من الجيران، يمكن باب بيخبط مع الهوا، يمكن أي تفسير عادي، لكن الصوت اتكرر… دق… دق… دق… بنفس الإيقاع، نفس البطء، نفس الإصرار، فقمت ببطء، كل خطوة كنت باخدها كانت تقيلة، كأن الأرض نفسها مش عايزاني أمشي، لحد ما وصلت لباب الشقة وفتحته بحذر.

الطرقة كانت ضلمة، النور بيقطع وييجي، زي لمبة قديمة بتقاوم إنها تفضل شغالة، والضلمة بين كل ومضة كانت بتبان أوسع، أعمق، وكأنها بتبلع المكان، وبصيت ناحية آخر الطرقة، وهناك… كان الباب، باب قديم، لونه باهت، عليه رقم 13، واضح، بارز، كأنه متقصد إنه يلفت نظرك.

وقتها افتكرت كلام البواب، وحسيت بحاجة تقيلة في صدري، حاجة بين الخوف والفضول، لكن قبل ما أفكر أكتر، الصوت وقف، فجأة، كأن حد كان مستني يشوف رد فعلي، فقلت بصوت عالي وأنا بحاول أبان ثابت: “مين هناك؟!” لكن مفيش رد، ولا حتى صوت حركة، بس بعد ثواني… بدأ صوت تاني، همس، واطي جدًا، مش مفهوم، كلمات متكسرة، لكن واضح إن فيه حد جوه، حد بيحاول يتكلم.

رجعت الشقة بسرعة وقفلت الباب، قلبي بيدق بعنف، حاولت أضحك على نفسي، أقول دي تهيؤات، إرهاق، مكان جديد، أي تفسير غير الحقيقة اللي دماغي بدأت يقرب لها، لكن قبل ما أهدى، الموبايل نور لوحده، الشاشة فتحت، وظهر تسجيل صوتي، بدون اسم، بدون رقم، مجرد ملف.

بصيت له شوية، بإيد بترتعش، ودست تشغيل.

الصوت كان واطي… متقطع… فيه تشويش… لكن الكلمة الوحيدة اللي كانت واضحة كانت كفيلة إنها تجمد الدم في عروقي: “الحقني…”

اتجمدت مكاني.

لأن الصوت… كان صوتي أنا.

اليوم اللي بعده نزلت بسرعة أسأل البواب، كنت محتاج تفسير، أي تفسير، لكن أول ما قلت له “الأوضة 13” وشه اتغير، ملامحه شدت، وصوته بقى هادي بشكل مريب وهو بيقول: “لو سمعت حاجة… متردش.”

قلتله بعصبية: “طب مين جوه؟!”

بص بعيد، كأنه مش عايز يبصلي، وقال: “كل واحد دخل… ساب حاجة منه هناك…”

سألته: “يعني إيه؟!”

رد بهدوء مرعب: “روحه… أو يمكن… نسخة منه.”

الكلام فضل يرن في دماغي طول اليوم، حاولت أشتغل، أخرج، أقابل صحابي، لكن الفكرة كانت لازقة، الصوت، التسجيل، الكلمة… “الحقني”… وصوتي أنا، ومع كل ليلة، كانت الأصوات بترجع، نفس المعاد، نفس الخبط، نفس الهمس، ونفس التسجيلات، وكأن في حد جوه بيحاول يوصل لي، أو يمكن… بيحاول يخرج.

لحد ما في ليلة… قررت.

الساعة كانت 3 الفجر، واقف قدام باب الأوضة 13، إيدي بتترعش، قلبي بيدق، عقلي بيقولي ارجع، لكن حاجة تانية جوايا كانت بتدفعني لقدام، يمكن الفضول، يمكن الغضب، يمكن إحساس إني لو ما دخلتش دلوقتي، عمري ما هعرف الحقيقة، وفضلت أقول لنفسي: “مش هافضل خايف طول عمري.”

مديت إيدي… ولمست المقبض… وكان ساقع بشكل غريب، كأنه متساب من سنين، ولفيته ببطء… والباب فتح بسهولة… كأنه مستني.

اللي جوه… ماكانش أوضة عادية.

كانت نسخة من شقتي.

بنفس التفاصيل… نفس الكنبة… نفس الترابيزة… نفس الكوباية اللي كنت سايبها… نفس كل حاجة، لدرجة إن عقلي رفض يستوعب، كأن حد خد حياتي ونسخها وحطها هنا، لكن رغم التشابه، كان في حاجة غلط… حاجة مش مريحة… سكون زيادة عن اللزوم… كأن المكان مش عايش.

وفجأة… سمعت صوت ورايا.

“اتأخرت.”

لفيت بسرعة… وشوفت… نفسي.

واقف قدامي… بنفس شكلي… بس عيونه مختلفة، فيها تعب، خوف، استسلام، كأنها شافت حاجة أنا لسه ما شفتهاش، وقال بصوت مكسور: “أنا حاولت أطلع… بس الباب بيقفل من بره.”

قلتله وأنا مش مستوعب: “إنت مين؟!”

رد بهدوء مرعب: “أنا… إنت… من أول مرة فتحت فيها الباب.”

بدأ يحكي بسرعة، كأنه خايف الوقت يخلص: “الأوضة دي بتاخد نسخة منك… وتحبسك جوه… وكل ما حد يدخل… النسخة القديمة بتحاول تهرب… بس واحد بس اللي يقدر يخرج.”

قلتله: “طب نخرج إزاي؟!”

بص لي… وسكت لحظة… وبعدين قال: “واحد بس.”

وفي اللحظة دي… النور بدأ يطفي ويشتغل… وصوت الخبط رجع… بس المرة دي من بره الأوضة… حد بيخبط بعنف… وبيصرخ: “افتح… أنا مش عايز أفضل هنا!”

الصوت… كان صوتي أنا… بس بنبرة مختلفة… بنبرة رعب.

بصيت لنفسي اللي قدامي… وقال بهدوء: “اختار… يا تفضل هنا… يا تطلع… وتسيبني أنا.”

اللحظة دي كانت أطول لحظة في حياتي، عقلي بيصرخ، قلبي بيدق، وكل حاجة جوايا متلخبطة، هل ده حقيقي؟ هل ده أنا؟ هل ده مصيري؟ قربت من الباب… إيدي على المقبض… وبصيت له آخر مرة… كان بيبتسم… بس دموعه بتنزل.

فتحت الباب… وجريت برا… من غير ما أبص ورايا.

والباب اتقفل… بصوت تقيل.

وقفت في الطرقة… بنهج… بحاول أستوعب… بصيت ورايا… الأوضة 13… اختفت.

كأنها عمرها ما كانت موجودة.

عدت أيام… وكل حاجة رجعت طبيعية… تقريبًا… مفيش أصوات… مفيش خبط… مفيش تسجيلات… كأن اللي حصل كان كابوس… أو يمكن وهم… وبدأت أقنع نفسي إني خرجت… إني نجيت… إني كسبت.

لحد ما في يوم… وأنا قاعد لوحدي… الموبايل نور.

ظهر تسجيل صوتي جديد.

شغلته… بإيد ثابتة المرة دي… يمكن لأني اتعودت… أو يمكن لأني فقدت الإحساس.

الصوت كان واضح جدًا.

قال بهدوء:

“إنت فاكر إنك خرجت؟”

سكت لحظة… وبعدين كمل:

“إنت دلوقتي… النسخة.”

الموبايل وقع من إيدي… وبصيت حواليّا… الشقة… مش بتاعتي.

والباب… عليه رقم 13.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان