فندق الليالي الصامتة: رواية غموض مرعبة عن أسرار سامي والفتاة التي غيّرت كل شيء

فندق الليالي الصامتة: رواية غموض مرعبة عن أسرار سامي والفتاة التي غيّرت كل شيء


الليالي الصامتة

منى لم تشعر منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماها فندق “الليالي الصامتة” أنها تدخل مكانًا طبيعيًا، لم يكن الأمر مجرد انطباع عابر أو توتر مؤقت بسبب السفر، بل كان إحساسًا داخليًا ثابتًا كأنه إنذار مبكر، ذلك النوع من الإحساس الذي لا تملك له دليلًا واضحًا، لكنك تعجز أيضًا عن تجاهله. الفندق من الخارج بدا هادئًا أكثر من اللازم، واجهته المزينة بألوان باهتة تُشبه صورًا قديمة التقطتها كاميرا عتيقة، والنوافذ الضيقة تعكس ضوء الشمس بطريقة تجعل المبنى يبدو كأنه يقف في زمن آخر، كأن المدينة تحركت للأمام وتركته خلفها، لكن الداخل كان له حكاية مختلفة؛ أصوات الأبواب القديمة وهي تُفتح وتُغلق ببطء، الأرضيات الخشبية التي “تئن” تحت خطوات الزوار، رائحة الغرف المغلقة منذ زمن، خليط من خشب ورطوبة وشيء لا يمكن تسميته، وكل ذلك جعل منى تشعر أنها لم تدخل فندقًا، بل دخلت مسرحًا واسعًا تُدار عليه لعبة لا تعرف قواعدها بعد.

لم تكن منى تهوى الرعب، ولا تبحث عن الغموض، لكنها كانت في رحلة عمل قصيرة، وقد نصحها أحد المعارف بهذا المكان لأنه “هادئ” و“بعيد عن الضجيج”، وكانت تحتاج فعلًا إلى هذا الهدوء بعد أسابيع من الضغط المتواصل. ومع ذلك، منذ اللحظة التي استلمت فيها مفتاح غرفتها، لاحظت أن موظف الاستقبال ابتسم ابتسامة محسوبة أكثر من كونها ودودة، ابتسامة تشبه القناع لا تعكس شعورًا حقيقيًا، ثم قال جملة عادية بصوت منخفض: “لو احتجتي حاجة… بس اتأكدي إنك تسألي في الوقت المناسب.” لم تفهم ما يعنيه، لكنها هزّت رأسها دون تعليق، وأخذت حقيبتها نحو المصعد الذي بدا أقدم من أن يثق الإنسان بحركته.

في بهو الفندق، كانت هناك تفاصيل صغيرة تزيد الإحساس بالغرابة: ساعة حائط ضخمة، عقاربها تتحرك بدقة شديدة لكن صوت “التكتكة” كان أعلى مما يجب، وكأنها لا تريد لأحد أن ينسى مرور الوقت، مرايا قديمة في الزوايا تعكس صورًا مشوشة قليلًا، وممرات طويلة يتبدل فيها الضوء والظل بطريقة تجعل المسافة أقصر أو أطول حسب نظرتك. منى لم تكن تعرف لماذا يضيق صدرها كلما تحركت خطوة، كأن الهواء هنا أثقل من الهواء في الخارج، وكأن المكان يحتفظ بأنفاس من مرّوا به، لا يتركها تخرج بسهولة.

وبين كل الوجوه “المطمئنة” من بعيد ظهر سامي. لم يكن مجرد نزيل عادي، بل كان شخصًا يُشبه انتظام آلة دقيقة: كل حركة محسوبة، كل كلمة موزونة، كل نظرة تتوقف في مكانها لثانية ثم تُكمل طريقها. كان يرتدي ملابس بسيطة لكنها مرتبة بشكل مثالي، لا توجد تجعيدة واحدة في قميصه، ولا فوضى في شعره، حتى طريقة وقوفه كانت كأنها مدروسة مسبقًا. منى لاحظته لأول مرة عند زاوية البهو بجانب النافذة، كان يراقب الشارع كما لو أنه يقيس المسافة بين الداخل والخارج، ثم التفت فجأة وكأنه شعر بنظرتها، ابتسم لها ابتسامة صغيرة لا تصل لعينيه، ثم عاد إلى صمته.

منذ تلك اللحظة بدأ الفضول والخوف يتصارعان داخلها. الفضول يقول: “لماذا يبدو هذا الرجل كأنه لا ينتمي هنا ولا هناك؟” والخوف يهمس: “الأخطر هو أنك تشعرين أنه يعرف أكثر مما يقول.” حاولت منى أن تقنع نفسها بأنها تُبالغ، وأن عقلها ينسج قصة من لا شيء، لكن الأيام الأولى أثبتت أن الفندق ليس مجرد مكان للنوم، وأن سامي ليس مجرد ضيف عابر.

اليوم الأول مر ببطء ثقيل. جلست منى في بهو الفندق تقرأ بعض الأوراق المتعلقة بعملها، لكنها كانت ترفع رأسها كل دقائق لتراه. كان يتحرك بهدوء شديد، يتفاعل مع الجميع بابتسامة شبه معدنية، لا يظهر ارتباكًا ولا ضيقًا، لا غضبًا ولا فرحًا، كأنه يختبئ وراء قناع غير قابل للكسر. حتى تفاصيل حركته، طريقة جلوسه، الطريقة التي يضع بها الكوب على الطاولة دون صوت تقريبًا، كانت دقيقة بشكل مريب. ومع كل محاولة من منى لتفسير الأمر، كان الغموض يزيد بدلًا من أن ينقص، كأنها تقترب من الحقيقة خطوة فتبتعد عنها خطوتين.

في الليلة الثانية لاحظت منى شيئًا أغرب: الفندق نفسه بدا كأنه يتنفس. ليس بمعنى حرفي طبعًا، لكن هناك أصوات صدى تمر عبر الممرات الطويلة دون سبب واضح، كأن الهواء يدور في حلقات، وأحيانًا تُسمع طقطقة خفيفة قادمة من الطابق السفلي في أوقات متأخرة، كأن شخصًا يُرتّب شيئًا بعناية أو يجرّ صندوقًا فوق أرضية. حاولت أن تتجاهل الأمر، لكن كلما أطفأت الأنوار في غرفتها، شعرت أن المكان لا ينام معها، وأن الهدوء هنا ليس راحة بل مراقبة.

في اليوم الثالث، بدأت منى تلاحظ تفصيلة صغيرة تكررت أكثر من مرة: في زاوية جانبية قريبة من باب المطبخ، كانت توجد صناديق صغيرة تحمل ملصقات تخص منتجات غذائية للأطفال، عبوات حليب وعلب بودرة، لكنها لم تكن مرتبة كمخزون عادي، بل كانت في ركن مهمل كأن أحدهم نقلها بسرعة ثم نسيها. الأكثر غرابة أن بعض العبوات كانت فارغة رغم أن الفندق ليس فيه عائلات كثيرة، وكانت هناك رائحة نفاذة خفيفة لا تشبه الطعام ولا المنظفات المعتادة، رائحة تجعل منى تسعل قليلًا إذا وقفت قربها طويلًا. سألت عاملة النظافة بشكل غير مباشر عن الأمر، لكن العاملة ابتسمت ابتسامة مرتبكة وقالت: “دي حاجات قديمة… ما تشغليش بالك.”

في الليلة الرابعة ظهر العنصر الذي قلب مخاوفها إلى يقين حذر: فتاة صغيرة تحمل حقيبة وردية، تدخل الفندق كل ليلة تقريبًا، ولا تظل في البهو طويلًا. كانت تمر سريعًا نحو الممرات الخلفية، وفي الصباح تراها منى تخرج شاحبة الوجه، كأن النوم لم يزر عينيها، وكأنها حملت فوق كتفيها ما لا يناسب عمرها. لم تكن الفتاة تبكي، ولم تكن تصرخ، لكنها كانت صامتة جدًا، والصمت في الأطفال ليس علامة خير. منى حاولت أن تقترب منها مرة وتقول لها برفق: “إنتِ كويسة؟” لكن قبل أن تصل الكلمة الثانية إلى شفتيها، ظهر سامي فجأة من ظل عمود قريب، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

وضع سامي يده على كتف الفتاة بحزم دون أن يجرحها، لكنه كان حازمًا بما يكفي ليُفهم الرسالة. ثم نظر إلى منى نظرة حادة، وقال بصوت منخفض كأنه نصيحة وكأنه تهديد في الوقت نفسه: “خليكي في حالك… عشان تعيشي مرتاحة.” لم يرفع صوته، ولم يتصرف بعنف، لكنه ترك في كلماتِه برودة جعلت منى تشعر أن المكان ضاق فجأة. تراجعت خطوة، لا لأنها اقتنعت، بل لأنها أدركت أن أي حركة غير محسوبة قد تُدخلها إلى منطقة لا تعرف طريق الخروج منها.

لكن الفضول لم يهدأ. منى لم تكن بطلة خارقة، ولا تهوى المجازفة بلا سبب، لكنها أيضًا لم تكن قادرة على تجاهل تلك الفتاة، ولا على تجاهل التناقض الغريب بين هدوء سامي وبين تلك النظرة التي لا تُشبه الهدوء. حاولت أن تتصرف بذكاء لا باندفاع. قضت اليوم التالي تتجول في الفندق كما لو كانت تبحث عن إشارة هاتف أفضل أو مكان مناسب للعمل، لكنها في الحقيقة كانت تراقب المسارات: من أين تأتي الفتاة؟ إلى أين تذهب؟ من يفتح لها الباب الخلفي؟ ولماذا يتغير وجه موظف الاستقبال كلما مرّ سامي قربه؟

في لحظة حاسمة قررت منى أن تختبر الفندق نفسه بدلًا من مواجهة سامي مباشرة. في المساء، وبينما كان الطابق الذي تقيم فيه شبه فارغ، لاحظت لوحة الكهرباء في نهاية الممر. لم تكن تريد تخريب شيء، فقط أرادت أن ترى كيف سيتصرف سامي إن حدث أمر غير متوقع. بحذر شديد، ضغطت زرًا صغيرًا أدى إلى انقطاع النور عن جزء من الممر لبضع ثوانٍ. لم يدم الانقطاع، لكن ما سمعته خلال تلك الثواني كان كافيًا ليجعل الدم يبرد في عروقها: صوت صرخة مكتومة، ليست صرخة طفل، بل صوت شخص أكبر يحاول طلب النجدة ثم يبتلع صوته بسرعة، ثم تلاها صوت خبط شديد كأن أحدهم يغلق شيئًا ثقيلًا أو يدفع لوحًا معدنيًا ليغلق فتحة.

أعادت منى الكهرباء فورًا، ووقفت مكانها لا تعرف هل تركض أم تختبئ أم تتصرف كأنها لم تفعل شيئًا. بعد دقائق خرج سامي من إحدى الغرف، نظر حوله بسرعة ثم ثبت نظره على لوحة الكهرباء، ثم على نهاية الممر حيث كانت منى. لم يقترب منها، لكنه ابتسم ابتسامة باردة، كأنه يقول: “أنا عارف.” ثم عاد من حيث أتى، وترك منى وحدها مع قلبها الذي يدق كطبلة حرب.

مرت الأيام التالية وكل ليلة تحمل معها إشارات جديدة. لم تكن إشارات واضحة، لكنها كانت قطعًا صغيرة من لغز كبير. في الليلة السادسة رأت منى سامي يدخل غرفة تحمل رقم 108 وهو يجر حقيبة سوداء ثقيلة جدًا، حقيبة تترك أثرًا خفيفًا على السجاد كأن بداخلها معدات معدنية. منى لم تسمع صراخًا ولا ضجيجًا، لكنها سمعت شيئًا آخر: صوت احتكاك معدني رفيع، مثل أدوات تُرتّب فوق سطح، وصوت باب داخلي يُغلق بإحكام. شعرت منى بأن الهواء في الممر تجمّد، وأن كل شيء صار أبطأ من المعتاد.

تبعته من بعيد، لا تقترب كثيرًا حتى لا يلاحظها بسهولة. عند زاوية قريبة من غرفة 108، وجدت ستارة قديمة تغطي جزءًا من الممر بسبب أعمال صيانة مزعومة. اختبأت خلفها بحذر، ومن خلال فتحة صغيرة رأت ما جعل عقلها يرفض التصديق: الفتاة الصغيرة تقف ساكنة أمام سامي، لا تتحرك كثيرًا، وكأنها مدربة على الصمت، بينما سامي يرتدي مريلة بلاستيكية كما يرتديها من يعمل في مختبر أو في مكان يحتاج للنظافة الشديدة. كان يخرج من الحقيبة أدوات صغيرة وأوعية شفافة، لا يمكن تفسيرها كأدوات فندق عادية، ثم فتح جزءًا من أرضية الغرفة أو رفع غطاء مخفي، وبدأ يخرج أشياء موضوعة بعناية في عبوات محكمة الإغلاق، ليست شيئًا صريحًا ولا دمويًا، لكنها “عينات” أو “قطع” لا ينبغي أن تكون موجودة في غرفة فندق.

منى شعرت بالغثيان ليس بسبب منظر صادم، بل بسبب فكرة أكبر: هذا ليس فندقًا طبيعيًا. هذا مكان يُدار فيه شيء خفي. وبينما هي تحاول أن تستوعب، استدار سامي فجأة باتجاه الشباك كأنه التقط ارتجاف أنفاسها، تجمدت منى في مكانها، ولم تجرؤ حتى على ابتلاع ريقها. عيناه لم تصبحان “حمراء” كما في قصص الخيال، لكنه كان فيهما لمعان بارد يجعل أي إنسان يشعر أنه تحت الفحص، كأنك لست شخصًا بل ملفًا.

ركضت منى في الممرات الطويلة تبحث عن أي شخص يمكن أن يساعدها، اتجهت إلى مكتب الأمن، لكنها وجدته فارغًا بطريقة غير مريحة، الكرسي مائل قليلًا، جهاز المراقبة يعمل لكن الشاشة تعرض لقطات متأخرة أو مشوشة، كأن شخصًا عبث بها. لم تجد رجل الأمن، لم تجد حتى دليلًا واضحًا على وجوده، فقط رائحة قهوة باردة ومفاتيح معلقة وكأن صاحبها خرج للحظة وسيعود، لكنه لم يعد.

وفي لحظة بدا فيها كل شيء ينهار، ظهرت الفتاة الصغيرة من مكان غير متوقع قرب المواسير الخلفية، لم تصرخ ولم تبك، فقط همست لمونى بسرعة: “اهربي… لتحت… السرداب.” ثم اختفت كما جاءت، تاركة منى بين خيارين: أن تهرب إلى الخارج وتنجو بنفسها، أو أن تنزل إلى حيث لا تدري ما ينتظرها. كانت منى ترتجف، لكنها لم تستطع ترك الفتاة لمصير مجهول، ولم تستطع أيضًا العودة إلى غرفتها وكأن شيئًا لم يحدث. أخذت نفسًا عميقًا، واتبعت الإشارة.

السرداب كان عالمًا آخر تحت الفندق. درجات ضيقة، جدران باردة، هواء أثقل، وأضواء صغيرة متقطعة كأنها تُضاء لتُرشد شخصًا معينًا لا ليطمئن البشر. هناك رأت منى ما لم تتخيل وجوده: غرف صغيرة تشبه ورشًا أو مختبرات سرية، رفوف عليها صناديق محكمة، وحقائب تحتوي على “قلوب ميكانيكية” – أو ما يشبهها – أجهزة صغيرة تنبض بالكهرباء أو تومض بإيقاع ثابت، وأسلاك تُرتب بعناية فوق طاولات معدنية. كانت ترى مخططات ورسومات هندسية معلقة، وكلمات مبعثرة عن “التوافق” و“إعادة الضبط” و“نقل الإشارة”، كأن أحدهم يحاول تحويل شيء إنساني إلى نظام قابل للتحكم.

في تلك اللحظة فهمت منى الفكرة العامة دون أن تفهم التفاصيل: سامي لا يتصرف كإنسان عادي لأنه ربما لا يعيش كإنسان عادي. ليس بالضرورة روبوتًا كما في الأفلام، لكن حياته تبدو مبنية على نظام صارم، والناس هنا ليسوا “نزلاء” فقط، بل جزء من تجربة، من خطة، من شيء أكبر من فندق. وبدلًا من أن تستسلم للرعب، بحثت منى عن أي شيء يمكن أن يساعدها على الخروج. وبين الصناديق وجدت مسمارًا صدئًا، قطعة بسيطة جدًا في مكان مليء بأجهزة معقدة، كأن القدر يضع لها أداة بدائية وسط عالم صناعي.

سمعت خطوات سامي فوق الدرج، بطيئة وثابتة، لا تتعجل، كأنه يعرف أنها هنا ويعطيها وقتًا لتفهم أن الهرب صعب. منى تراجعت إلى أقرب لوحة كهرباء في السرداب، رفعت ذراعها بكل قوتها وضربت اللوحة بالمسمار الصدئ. لم يحدث انفجار مبالغ فيه، لكن الشرارة كانت كافية لإطفاء جزء كبير من الإضاءة وتعطيل بعض الأقفال الإلكترونية للحظات. في تلك اللحظة سمعت صوتًا يشبه “انقطاع الإيقاع” في الأجهزة، وكأن القلب الكهربائي توقف ثم عاد مضطربًا.

استغلت منى الفوضى المؤقتة، جذبت الفتاة الصغيرة من خلف باب جانبي كانت مختبئة خلفه، وركضتا معًا عبر ممر ضيق يفضي إلى باب طوارئ قديم. دفعته منى بكل قوتها، وخرجتا إلى هواء الليل البارد. لم تنهار منى فورًا، بل ظلّت تركض حتى ابتعدتا عن الفندق مسافة كافية لتشعر أن الهواء أصبح طبيعيًا مرة أخرى. وعند أول خيط للفجر، توقفت منى وهي تلهث، نظرت إلى الفتاة وقالت: “مين إنتِ؟ وإيه اللي بيحصل جوه؟”

الفتاة لم تُجب كما تتوقع منى. ابتسمت ابتسامة هادئة لكنها غريبة، ابتسامة لا تشبه ابتسامة طفل نجا للتو. ثم قالت بصوت منخفض كأنه قادم من مكان بعيد: “سامي كان خدام… مش أكتر.” توقفت منى، لم تفهم. أكملت الفتاة: “أنا… الأمانة.” ثم، قبل أن تسأل منى أي سؤال آخر، تلاشت الفتاة من أمامها بطريقة لا يمكن تفسيرها بسهولة: لم تختفِ كالسحر الرخيص، بل كأن الضوء نفسه ابتلعها، أو كأنها لم تكن فيزيائيًا موجودة بالطريقة التي نفهمها.

منى بقيت واقفة في مكانها، تترنح بين الخوف والذهول، تحاول أن تُقنع نفسها أنها هلست من التعب، وأن ما رأته مجرد أوهام. وفي اللحظة التي حاولت فيها التقاط أنفاسها، رن هاتفها برقم غريب. ترددت، ثم أجابت. جاءها صوت الفتاة نفسها، واضحًا هذه المرة، يقول جملة واحدة: “العدّ بدأ.” ثم انقطع الخط.

لم تعد منى قادرة على العودة إلى حياتها القديمة وكأن شيئًا لم يحدث. خلال الأيام التالية حاولت أن تذهب للشرطة، حاولت أن تشرح، لكنها أدركت سريعًا أنها لا تملك “دليلًا” مفهومًا، وأن ما رأته سيُقابل بسؤال بسيط: “إزاي؟” وهي لا تملك إجابة تقنع أحدًا. بدأت تبحث وحدها، بطريقة عقلانية قدر الإمكان. رجعت إلى أوراق قديمة كانت التقطت صورًا لها في الفندق، إلى اسم سامي في سجل النزلاء، إلى أي سطر يمكن أن يقودها إلى حقيقة قابلة للتفسير.

قادها البحث إلى منزل مهجور بعيد عن المدينة، قيل لها إنه كان مخزنًا لجهة قديمة ثم تُرك. دخلته بحذر، فوجدته أشبه بمختبر سري: جدران مليئة بالصور والمخطوطات، وصور لسامي في حقب مختلفة، في أماكن مختلفة، وبملامح لا تتغير تقريبًا. كانت هناك صورة تبدو قديمة جدًا، عليها آثار الزمن، فيها سامي يرتدي ملابس تعود لزمن حرب قديمة، وصورة أخرى في زمن أحدث، ثم صورة ثالثة… والنتيجة واحدة: سامي لا يكبر كما ينبغي أن يكبر البشر.

كلما تقدمت منى خطوة في المنزل، شعرت أن المكان يتحول. ليس بمعنى أن الجدران تتحرك حرفيًا، بل إحساسها بأن هناك نظامًا يعمل تحت الأرضيات، تروسًا أو آلات لا تراها لكنها تسمعها، وأن هذا المنزل ليس منزلًا، بل قطعة أخرى من “المشروع”. بدأت تسمع صوت طنين منخفض، ووجدت نفسها داخل غرفة تتغير إضاءتها كما لو كانت تستجيب لنبض قلبها. وفجأة ظهرت أمامها ظلال معدنية تشبه هيئة الفتاة، لكن بشكل أكبر وأقسى، ليس وحشًا دمويًا، بل شيء ميكانيكي غريب يلوح كفكرة: هل كانت تلك الفتاة “كيانًا” مُصنعًا؟ هل كانت رسالة؟ هل كانت اختبارًا؟

منى لم تكن تملك سلاحًا ولا خطة، تملك فقط ذلك المسمار الصدئ الذي حملته دون أن تعرف لماذا لم ترمه. وفي لحظة أخيرة، وبينما كانت التروس تهدر تحت الأرض كأن المكان يريد أن يبتلعها، قذفت المسمار في قلب مجموعة تروس مكشوفة، ضربة بسيطة في نقطة حساسة. لم يحدث مشهد مبالغ فيه، لكن شيئًا ما اختل، وامتلأت الغرفة بضباب أخضر خفيف أشبه بغاز إنذار أو مادة حماية. شعرت منى بدوار، ثم… وجدت نفسها فجأة في جنينة عامة، وسط الناس، وسط ضوء النهار، كأن كل ما حدث كان كابوسًا.

لكن الدليل لم يختفِ تمامًا. رفعت منى يدها، فوجدت على معصمها علامة صغيرة، شكل ترس محفور كأنه ختم قديم. لم تكن تؤلمها بشكل خطير، لكنها كانت تسخن كلما تذكرت الفندق. وفي اللحظة التي حاولت فيها أن تضحك على نفسها وتقول إنها نجت، جاءها همس قريب جدًا، كأنه خارج من داخلها لا من الهواء: “إحنا بقينا جزء منك يا منى… والرحلة لسه بتبدأ.”

تجمدت منى في مكانها، نظرت حولها، لم تجد أحدًا يهمس. الناس يمشون، الأطفال يلعبون، الباعة ينادون. كل شيء طبيعي… إلا قلبها الذي لم يعد يصدق الطبيعي بسهولة. كانت تعرف أن المغامرة لم تنته، وأن سامي—أو النظام الذي يقف خلف سامي—لن يتركها تعود كما كانت. وأن كل خطوة قادمة قد تكون بابًا جديدًا لعالم يخفي أسراره خلف الابتسامات الهادئة، والممرات الطويلة، والفنادق التي تبدو “صامتة” من الخارج… لكنها في الداخل لا تتوقف عن العدّ.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان