في واقعة هزت الرأي العام وأثارت عاصفة من الحزن والتعاطف تصدر مقطع فيديو “مأساوي” منصات التواصل الاجتماعي يوثق لحظات انكسار أب مصري من محافظة بني سويف وهو يستنجد بالجهات المعنية لحمايته وزوجته من بطش نجلهما، هذه الاستغاثة التي بثت عبر منصات السوشيال ميديا لم تكن مجرد بلاغ عن عنف أسري بل كانت تجسيد لظاهرة “الجحود” التي باتت تنهش في جسد القيم المجتمعية.
المشهد الصادم أب يواجه “الموت” من فلذة كبده
بدأت تفاصيل الواقعة بظهور رجل مسن اشتعل رأسه شيبا وظهرت تجاعيد الزمن على وجهه وهو يتحدث بنبرة متهدجة يملؤها الرعب النفسي، وصف الأب في الفيديو كيف تحولت حياته هو وزوجته إلى “جحيم مقيم” بسبب ابنهما الذي لم يكتف بالتطاول اللفظي بل وصل به الأمر إلى التهديد الصريح بالقتل.
الفيديو الذي حصد آلاف المشاهدات في ساعات قليلة أظهر الأب في بيئة منزلية متواضعة موجها رسالة استغاثة لوزارة التضامن الاجتماعي وأجهزة الأمن مطالبا بتوفير حماية عاجلة له ولزوجته المسنة، وقد عكس التفاعل الواسع مع المقطع حجم الصدمة الشعبية حيث اعتبر المعلقون أن هذه المأساة تعكس خلل تربوي عميق ونقص في الوازع الديني.
الميزان الشرعي عقوق الوالدين “كبيرة”
من الناحية الدينية يعد ما أقدم عليه هذا الابن خروج صارخ عن تعاليم الإسلام التي جعلت بر الوالدين في مرتبة تلي عبادة الله مباشرة، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (الإسراء: 23).
إن الشريعة الإسلامية لم تحرم الضرب أو القتل فحسب بل حرمت حتى قول “أف” وهي أقل مراتب التذمر فكيف بقلب يجرؤ على تهديد من كانا سببا في وجوده بالقتل؟ وفي السنة النبوية جاء الوعيد شديد حيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟” قلنا: بلى يا رسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين”.
وفي حديث آخر يجسد خطورة هذا الجرم روى الحاكم وصححه أن النبي ﷺ قال: “كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات” وهذا يعني أن هذا الابن العاق يفتح على نفسه أبواب الهلاك في الدنيا قبل الآخرة.
التربية ليست طعام وكساء فقط
إن مأساة بني سويف تفرض علينا وقفة تأمل في أساليب التربية الحديثة فالتربية الصالحة لا تقتصر على توفير الاحتياجات المادية، بل تبدأ بـ:
- غرس العقيدة: ربط الأبناء بمراقبة الله في السر والعلن.
- القدوة الحسنة: أن يرى الابن والده باراً بوالديه فـ “البر سلف ودين”.
- الرقابة الاجتماعية: ضرورة تدخل الأقارب والجيران عند ملاحظة بوادر العقوق قبل أن تتفاقم إلى تهديد بالقتل.
نداء إلى كل ابن اتق الله في “جنتك ونارك”
يا أبناءنا تذكروا أن بر الوالدين ليس منة منكم بل هو رد لدينٍ ثقيل لا يمكن وفاؤه وتذكروا قوله تعالى في سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
إن قسوة القلب تجاه الوالدين هي عمى في البصيرة ومن يغلق باب الرحمة بوجه والديه اليوم سيجد أبناءه يغلقون كل أبواب الرحمة في وجهه غدا، إن دموع هذا الأب في بني سويف هي صرخة تحذير لكل غافل فبادروا بالصلح والبر قبل أن يفوت الأوان ويغلق باب التوبة برحيل أحدهما.
إن بناء أسرة مستقرة يحتاج إلى وعي دائم من جميع أفرادها فالأبناء مطالبون برد الجميل للوالدين والوالدان مطالبان بالاحتواء والنصح والصبر ومن الضروري أن يتعلم الجميع أن الخلاف لا يعالج بالصراخ ولا بالإهانة بل بالحكمة والحوار الهادئ، كما أن تذكير الأبناء بفضل الأم والأب يلين القلوب ويمنع الجفاء ويجب أن تتكاتف المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام في نشر قيمة البر والتحذير من العقوق، لأن المجتمع القوي يبدأ من بيت تسوده الرحمة وإذا صلح البيت صلح ما حوله وانتشرت الطمأنينة بين الناس.
لمشاهدة الفديو كاملا”إضغط هنا“