لما العيلة تبقى خصم… حكاية البنت اللي سرقوا منها حياتها

لما العيلة تبقى خصم… حكاية البنت اللي سرقوا منها حياتها


 

صحيت على إحساس غريب… إحساس تقيل كأن جسمي مش بتاعي، وكأني راجعة من مكان بعيد قوي ومش فاكرة الطريق اللي رجعت منه. أول حاجة شدتني كانت الإضاءة، نور أبيض قاسي مالي المكان، مش نور مريح ولا حتى عادي، ده نور بيكشف كل تفصيلة، نور يخليك غصب عنك تركز حتى لو أنت مش قادر. حاولت أفتح عيني شوية بشوية، وبدأت أشوف السقف، الستارة، جهاز جنبي بيطلع صوت منتظم، وكل حاجة حواليا شكلها بارد ونضيف زيادة عن اللزوم… ساعتها بس فهمت، أنا في مستشفى.

بس الفهم ما جاش لوحده… الوجع سبق كل حاجة. وجع مفاجئ ضرب في جنبي الشمال، مش وجع عادي، ده وجع عميق، تقيل، زي ما يكون في حاجة اتشالت من جوه وسابت مكانها فاضي. شهقت من غير ما أحس، وإيدي راحت لوحدها على المكان، حسيت بالشاش، واللزق، وتحتهم جرح واضح، طويل… مش صغير خالص.

وقتها قلبي نزل لتحت مرة واحدة. مش مجرد خوف… كان إحساس إن في حاجة حصلت وأنا مش واعية، حاجة كبيرة، حاجة أنا ما اخترتهاش. حاولت أتنفس ببطء، بس كل نفس كان بيوجع أكتر، كأن جسمي بيقاوم الحقيقة قبل ما عقلي يستوعبها.

أنا مش غريبة عن المستشفيات، ولا عن الجروح، ولا حتى عن العمليات. سنين شغل خلتني أفرق بسهولة بين وجع عادي ووجع جراحة. واللي كنت حاساه ده… ماكانش شك، كان يقين إن في عملية كبيرة حصلت.

ضغطت على زرار النداء، مرة واتنين، وأنا مستنية حد يدخل يفهمني. دخلت ممرضة صغيرة، باين عليها التوتر رغم محاولتها تبان هادية. ابتسمت ابتسامة مش ثابتة وقالت: “إنتي صحيتي؟”

سألتها فورًا: “أنا عملت عملية إيه؟”

سكتت لحظة، وبعدين قالت: “الدكتور هييجي يشرح لك”. حاولت تبص بعيد، بس أنا فضلت باصة لها. كررت السؤال، نفس الرد، نفس الهروب… وسابتني ومشيت.

وساعتها، الوحدة كانت أصعب من الوجع. لأن لما محدش يرد عليك، عقلك بيبدأ يكمل لوحده… وده أسوأ.

حاولت أفتكر، أرجع لآخر حاجة فاكرة حصلت. كنت في العربية… آه، وبعدها رحت مكان… عيادة. أمي كانت هناك، كانت بتتكلم عادي جدًا، بابتسامة هادية، قالتلي نعمل شوية تحاليل بس. فاكرة الكوباية اللي شربت منها، فاكرة صوت الدكتور، هادي زيادة، مريح بطريقة مريبة… وبعدها؟ ولا حاجة. فراغ كامل.

الإحساس اللي جالي وقتها كان تقيل… كأني وصلت لنقطة في دماغي مش عايزة تكمل بعدها. بس جوايا كان في صوت بيقول لي الحقيقة قبل ما تتقال.

لما الدكتور دخل، كان هادي بشكل محسوب. قعد جنبي وقال: “الحمد لله العملية نجحت”.

بصيت له وقلت: “عملية إيه؟”

رد ببساطة: “تبرعك بالكلية… أخوكي حالته مستقرة”.

في اللحظة دي، كل حاجة وقفت. مش بالمعنى الحرفي، بس الإحساس كأن الزمن بطّأ، وكل كلمة بقت تقيلة. ركزت في كلمة واحدة بس… “تبرعك”.

قلت له بهدوء غريب: “أنا ما وافقتش”.

اتردد لحظة، وبعدين قال إن في “موافقة قانونية”. قلت له: “أنا ماليش حد يمضي بدالي”. رد: “والدتك مضت”.

ضحكت، بس الضحكة ماكانش فيها أي حاجة حلوة، كانت صدمة أكتر منها ضحك: “أنا مش قاصر… أنا عندي 34 سنة”.

ناولني الورقة. بصيت عليها، مكان توقيع المريض فاضي، فاضي تمامًا. وتحت، توقيع أمي… واضح، ثابت، وكأنه عادي جدًا.

ساعتها، الغضب طلع فجأة، مش بس من اللي حصل دلوقتي، لكن من سنين فاتت. سنين وأنا دايمًا الاختيار الأسهل، اللي “تستحمل”، اللي “تفهم”، اللي “تعدي”.

أخويا كان دايمًا الأول… وأنا كنت الحل الاحتياطي.

بس اللي حصل ده مش تضحية… ده تعدي. ده سرقة. ده جريمة.

بصيت للدكتور وقلت له: “اللي حصل ده مش قانوني”.

بدأ يتوتر، يحاول يبرر، يتكلم عن الظروف، عن الحالة، عن الاستعجال… بس أنا ماكنتش سامعة غير حاجة واحدة: إن جسمي اتاخد منه حاجة من غير إذني.

قلت له: “أنا عايزة تليفوني… وهكلم محامي”.

أول ما قلت كدة، الباب اتفتح، ودخلت أمي. كانت بتعيط، بتجري عليا، بتحاول تحضني، بس أنا زقتها بعيد رغم الألم.

قلت لها: “إنتي عملتي كدة إزاي؟”

بدأت تتكلم بسرعة، عن الحب، عن الخوف، عن أخويا… كل الكلام اللي كنت بسمعه طول عمري، بس لأول مرة حسيت إنه كله مش مبرر.

أبويا دخل بعدها، بنفس النبرة الحاسمة، قال إنهم عملوا الصح، وإن ده عشان العيلة. الكلمة اللي دايمًا كانت بتستخدم عشان نعدي حاجات كتير.

بصيت لهم الاتنين وقلت بهدوء: “العيلة ما تعملش كدة”.

ومن اللحظة دي، عرفت إن مفيش رجوع. مش عشان الوجع، لكن عشان اللي اتكسر جوايا.

الأيام عدت، والجرح بدأ يخف، بس الأثر فضل. كل مرة أبص في المراية، كنت فاكرة مش بس العملية… لكن القرار اللي اتاخد بدالي.

القضية بدأت تكبر، الموضوع بقى قانوني، مش مجرد خلاف عائلي. ناس كتير اتسألت، والمستشفى حاولت تحل الموضوع بهدوء، لكن بالنسبة لي، الموضوع ماكانش فلوس.

كان حقي.

بعد فترة، أمي بعتت رسالة، بتقول إنهم عملوا كدة عشان ينقذوا أخويا، وإنهم “أهلي”. قريت الرسالة أكتر من مرة… مش عشان أقتنع، لكن عشان أتأكد إني خلاص ما بقتش شايفة نفس المعنى لكلمة “أهل”.

رديت عليها: “نشوفكم في المحكمة”.

يمكن النهاية ما كانتش سعيدة، لكن كانت واضحة. لأول مرة، أنا اخترت نفسي… وما تنازلتش.

اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى ماكنش يوم عادي… كان شبه خروج من حياة كاملة، مش مجرد مبنى. وأنا ماشية في الممر الطويل، كل خطوة كانت بتفكرني إن في حاجة اتغيرت جوايا مش هترجع زي الأول، مش بس في جسمي، لكن في نظرتي لكل حاجة حواليا. الناس اللي ماشية جنبي، صوت العربيات برا، حتى الهوا… كله كان نفس القديم، بس أنا لأ.

ركبت العربية لوحدي، وفضلت سايقة من غير ما أحدد رايحة فين. كنت محتاجة أمشي وخلاص، أتحرك، كأني لو وقفت هنهار. كل شوية إيدي كانت بتروح على الجرح، مش عشان الوجع بس، لكن عشان أتأكد إن اللي حصل حقيقي، مش كابوس وعدّى.

وصلت البيت بعد وقت مش فاكرة طوله قد إيه. فتحت الباب ودخلت، وكل حاجة كانت زي ما هي… نفس المكان، نفس الأثاث، نفس الهدوء. بس الإحساس مختلف. البيت اللي كنت بعتبره أمان، بقى فجأة مكان غريب.

قعدت على الكنبة وبصيت حواليّا، وبدأت أستوعب حاجة كانت بتتسلل جوايا بهدوء… إن اللي حصل مش مجرد موقف وانتهى. دي بداية.

اليوم اللي بعده، المحامي كلمني. صوته كان هادي، بس واضح إنه داخل في موضوع كبير. بدأ يشرح لي الإجراءات، التحقيقات، والمسؤوليات القانونية. كل كلمة كان بيقولها كانت بتأكد لي إن الموضوع مش بسيط، وإن في ناس كتير هتتحاسب.

بس رغم كدة، كان في حاجة جوايا بتسأل: “طيب… وبعد الحساب؟”

هل ده هيصلّح اللي اتكسر؟ هل هيخليني أنسى؟ هل هيرجعني زي ما كنت؟

الإجابة كانت واضحة… لأ.

عدت الأيام، وروتين جديد بدأ يتفرض عليا. أدوية، مواعيد متابعة، وتحاليل. جسمي كان بيتأقلم، بس نفسيتي؟ كانت في حتة تانية خالص.

في مرة، كنت واقفة قدام المراية بعد ما خلعت الضمادة لأول مرة لوحدي. بصيت للجرح، كان لسه واضح، خط طويل محفور في جنبي. مش مرعب… بس تقيل. كأنه علامة بتفكرني كل يوم بحاجة أنا ما اخترتهاش.

قربت إيدي منه، ولمسته بخفة، وساعتها حسيت بحاجة غريبة… مش بس ألم، لكن غضب هادي، عميق، مش بيصرخ، لكنه موجود طول الوقت.

في اليوم ده، لأول مرة، سألت نفسي سؤال ماكنتش عايزة أجاوبه:
“لو رجع بيا الزمن… كنت هسامح؟”

وقعدت ساكتة شوية… وبعدين هزيت راسي لوحدي:
“لأ”.

مش لأني قاسية… لكن لأن اللي حصل كسر حاجة ما ينفعش تتصلّح بالكلام.

بعد أسبوعين، جاتني رسالة من رقم غريب. فتحتها… كان أخويا.

كتب:
“أنا عارف إني ماليش حق أكلمك… بس أنا ماكنتش أعرف إنهم عملوا كدة…”

وقفت عند الكلمة دي شوية… “ماكنتش أعرف”.
مشيت بعيني على باقي الرسالة، كان بيعتذر، بيقول إنه ندمان، وإنه مش قادر يبص في وش نفسه.

قفلت الموبايل من غير ما أرد. مش لأني مش حاسة بحاجة… بالعكس، كنت حاسة بحاجات كتير، بس مش قادرة أحددها.

مرت أيام، والرسالة فضلت في دماغي. كل شوية أرجع لها، أقرأها تاني. هل هو فعلاً ماكانش يعرف؟ ولا دي مجرد طريقة للهروب من الذنب؟

وفي يوم، أخدت قرار. مش قرار كبير… مجرد خطوة.

رديت عليه.

كتبت:
“حتى لو ماكنتش تعرف… أنا اللي دفعت التمن”.

مافيش اتهام صريح، ولا تسامح. بس حقيقة بسيطة.

رد بعدها بكام ساعة:
“أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلّح ده”.

بصيت للرسالة، وفكرت… هل في حاجة ممكن تتصلّح أصلًا؟

الواقع إن في حاجات لما بتتكسر، ما بترجعش زي الأول، حتى لو اتصلحت. بتفضل فيها شرخ صغير… باين أو مش باين، لكنه موجود.

في نفس الوقت، القضية كانت ماشية. استدعاءات، تحقيقات، وأسئلة كتير. كل مرة كنت بحكي اللي حصل، كنت بحس إني بعيشه من جديد. بس كنت بكمل… لأن السكوت كان معناه إن اللي حصل ممكن يتكرر مع حد تاني.

في يوم من الأيام، وأنا خارجة من جلسة، شفت أمي من بعيد. كانت واقفة، شكلها مختلف… أهدى، أضعف، كأنها كبرت فجأة.

عيوننا اتقابلت لحظة، بس ماقربتش. ولا هي قربت.

كان في كلام كتير ممكن يتقال… بس ولا كلمة طلعت.

وأنا ماشية، حسيت بحاجة غريبة… مش انتصار، ومش هزيمة. حاجة في النص… يمكن اسمها “قبول”.

قبول إن اللي حصل حصل.
قبول إن في علاقات انتهت حتى لو الناس لسه موجودة.
وقبول إني لازم أكمل… بطريقتي.

رجعت البيت يومها، وقعدت في نفس المكان اللي قعدت فيه أول يوم. بس المرة دي، الإحساس كان مختلف.

ماكانش في هدوء مزعج… كان في هدوء مفهوم.

بصيت حواليّا، وخدت نفس عميق، وقلت لنفسي بهدوء:
“أنا لسه هنا… وده كفاية دلوقتي”.

يمكن القصة ما خلصتش، ويمكن في حاجات لسه جاية… بس لأول مرة من وقت طويل، ماكنتش حاسة إني ضايعة.

كنت واقفة… حتى لو واقفة لوحدي.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي