أجبرها أبوها تتجوز “عز الرجال العداني”.. لكن صبا قلبت السرايا وغيّرت مصيره

أجبرها أبوها تتجوز “عز الرجال العداني”.. لكن صبا قلبت السرايا وغيّرت مصيره


صبا وسيد السرايا

“بتقول إيه يا بوي؟ أتجوز مين؟ عز الرجال العداني؟!” خرج صوت صبا مرتفعًا ومكسورًا في نفس الوقت، وكأن الكلمات كانت تصطدم بجدران قلبها قبل أن تخرج. كانت واقفة في منتصف الغرفة، عيناها متسعتان من الذهول، ويديها ترتجفان وهي تنظر إلى أبيها الذي جلس على الحصير وكأنه يحاول الهروب من نظرتها.

لم يكن عز الرجال اسمًا عاديًا في البلدة. كان اسمًا يهمس به الناس في خوف، رجل يملك المال والنفوذ والسطوة، لكنه يملك أيضًا تاريخًا مليئًا بحكايات لم تكن تبعث الطمأنينة في قلب أي فتاة. كان معروفًا أنه يتزوج بسرعة، ويطلق بسرعة أكبر، وكأن النساء بالنسبة له مجرد محطات عابرة لا أكثر.

تنهد الأب طويلًا قبل أن يجيب بصوت متعب: “يا بتي، ده هيتجوزك على سنة الله ورسوله… ومفيش حد يقدر يرفضه.” كانت كلماته تخرج وكأنها اعتراف بالهزيمة قبل أن تكون قرارًا. صبا شعرت بغضب يشتعل داخلها، غضب لم يكن موجهًا فقط لاسم الرجل الذي طُرح أمامها، بل للفكرة نفسها… فكرة أن حياتها يمكن أن تُقرر بهذه البساطة.

قالت وهي تحاول السيطرة على دموعها: “ده مش جواز يا بوي… ده معروف في البلد كلها. بيتجوز الواحدة يومين وبعدين يرميها، ويخلي الناس تتفرج عليها وهي راجعة بيت أهلها مكسورة. أنا مش هقبل أكون واحدة من اللي قبلي.”

لكن الأب لم يرفع رأسه، بل قال بصوت يحمل ثقل العجز: “أنا مش بإيدي يا صبا. إحنا عايشين من خيره، وأكل عيشنا مربوط بكلمته. رفضنا معناه خراب بيتنا كلنا.” كانت الجملة الأخيرة كأنها وضعت نهاية لأي نقاش، لأنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت حقيقة قاسية تعرفها صبا جيدًا.

خرج الأب من الغرفة، وبقيت صبا وحدها تشعر وكأن العالم كله يضيق حولها. نظرت إلى أمها التي كانت تتابع الحوار بصمت، ثم قالت لها بصوت مبحوح: “إنتِ موافقة على اللي بيحصل ده؟” لكن الأم لم ترَ الأمر بنفس عيني ابنتها، بل قالت بلهجة يغلب عليها الطمع بالأمان: “يا بنتي ده أغنى راجل في البلد… يمكن يكون ده نصيبك.”

لم تجب صبا، فقط دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وجلست على الأرض وهي تحاول أن تستوعب أن حياتها، بكل أحلامها الصغيرة والبسيطة، يمكن أن تُختصر في قرار واحد لم تشارك فيه.

جاء يوم الزفاف سريعًا كأنه لم يمر بوقت، ووجدت نفسها ترتدي فستانًا أبيض يراه الجميع جميلًا، بينما كانت تشعر أنه أثقل من جبل فوق كتفيها. أخذتها سيارة كبيرة إلى السرايا، وحين وصلت، لم تجد استقبالًا ولا وجوهًا مبتسمة، فقط صمت ثقيل وخدم يتحركون في هدوء.

دخلت الغرفة وجلست على حافة السرير، تنظر حولها في شرود. كانت تشعر أنها ليست عروسًا تدخل بيت زوجها، بل إنسانة تدخل مكانًا مجهولًا لا تعرف ماذا ينتظرها فيه. وضعت رأسها على الوسادة أخيرًا، وغلبها النوم من شدة الإرهاق والخوف.

حين دخل عز الرجال لاحقًا، لم يجد ما كان يتوقعه. لم يجد دموعًا ولا خوفًا، بل وجد فتاة نائمة بهدوء وكأنها في بيتها. وقف يتأملها طويلًا، وشعر لأول مرة بشيء غريب… شيء يشبه الارتباك.

استيقظت صبا عندما شعرت بحركته، وجلست بهدوء تنظر إليه بثبات لم يعهده. لم تخفض عينيها، ولم ترتجف، بل قالت بنبرة هادئة: “أهلًا يا عريس.” كانت جملة بسيطة، لكنها حملت تحديًا واضحًا.

في تلك اللحظة، أدرك عز الرجال أن هذه الفتاة ليست كغيرها. لم يكن في عينيها خوف، بل شيء أقوى بكثير… شيء يشبه الكبرياء.

ومن تلك الليلة، بدأت علاقة لم تكن مثل أي علاقة أخرى. لم تكن قصة حب تقليدية، ولا صراعًا بسيطًا، بل كانت مواجهة بين شخصين مختلفين تمامًا: رجل اعتاد السيطرة، وامرأة رفضت أن تكون مجرد رقم في حياته.

مرت الأيام، وصبا لم تحاول الهروب، لكنها لم تخضع أيضًا. كانت تتصرف بثبات وهدوء، تدير شؤون السرايا، وتتعامل مع الجميع بحزم واحترام، حتى بدأ عز الرجال يلاحظ أن وجودها غيّر أشياء كثيرة حوله.

لم يعد يشعر بذلك الفراغ الذي كان يملأ حياته رغم كل ما يملكه. بدأ يرى في صبا مرآة تكشف له وجهًا لم يكن يريد الاعتراف به… وجه رجل عاش طويلًا يظن أن القوة في السيطرة، بينما اكتشف أن القوة الحقيقية في الاحترام.

وفي إحدى الليالي، جلس أمامها أخيرًا وقال بصوت هادئ: “يمكن كنت غلطان طول عمري… يمكن كنت فاكر إن الهيبة هي اللي تخلي الناس تحترمني، لكن الظاهر إن الاحترام حاجة تانية خالص.”

نظرت إليه صبا وقالت بهدوء: “الهيبة بتخلي الناس تخاف منك… لكن الاحترام هو اللي يخليهم يقفوا جنبك.” كانت كلمات بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تغير الكثير في داخله.

منذ تلك اللحظة، بدأ عز الرجال يتغير ببطء. لم يكن التغيير سهلًا، لكنه كان حقيقيًا. ومع مرور الوقت، لم تعد صبا مجرد زوجة فرضها القدر، بل أصبحت شريكة حياة حقيقية.

وهكذا، تحولت قصة بدأت بالقهر والخوف إلى رحلة طويلة من المواجهة والنضج. لم تنتصر صبا بالصراخ ولا بالهروب، بل انتصرت بثباتها وكرامتها، وأثبتت أن أقوى سلاح يمكن أن تملكه امرأة هو احترامها لنفسها.

أما عز الرجال، فقد تعلم الدرس الأهم في حياته: أن القوة ليست في أن يخضع لك الناس، بل في أن يختاروا الوقوف إلى جانبك بإرادتهم.

لم يكن التغيير الذي بدأ في حياة عز الرجال سريعًا أو سهلًا كما تخيل البعض. فالسنوات الطويلة التي عاشها وهو يعتقد أن القوة في السيطرة لم تكن لتختفي في يوم واحد. لكن صبا لم تكن تنتظر منه أن يتحول فجأة إلى شخص آخر، كانت فقط تراقبه بصمت، تلاحظ كل محاولة صغيرة منه للتصرف بطريقة مختلفة، وكأنها كانت تعطيه فرصة ليعيد اكتشاف نفسه خطوة خطوة.

في تلك الأيام، بدأت البلدة تلاحظ الفرق قبل أن يلاحظه هو نفسه. لم يعد صوت الغضب يخرج من السرايا كما كان من قبل، ولم يعد الناس يخشون المرور أمام بوابتها. بل على العكس، صاروا يرون الخدم يدخلون ويخرجون حاملين الطعام للفقراء، ويرون عز الرجال نفسه يجلس أحيانًا في المندرة يستمع لشكاوى الناس بدل أن يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد.

أما صبا، فقد أصبحت محور هذا التغيير كله دون أن تسعى لذلك. كانت تتحرك في السرايا بثقة هادئة، لا تتعالى على أحد ولا تسمح لأحد بالتقليل منها. كانت تتحدث مع الخدم وكأنهم أهلها، وتستقبل نساء البلدة بابتسامة صادقة، حتى صار اسمها يُذكر في المجالس بوصفها امرأة قوية أعادت للسرايا روحها بعد سنوات من الصمت والخوف.

لكن أكثر ما كان يثير دهشة الناس هو العلاقة بينها وبين عز الرجال. لم تكن علاقة تقليدية، لم يكن فيها استسلام ولا سيطرة، بل كانت أشبه بحوار دائم غير معلن، حوار بين شخصين يحاول كل منهما أن يفهم الآخر دون أن يفقد نفسه.

وفي إحدى الأمسيات، جلس عز الرجال وحده في المندرة بعد يوم طويل من حل نزاع بين عائلتين في البلدة. كان التعب واضحًا على وجهه، لكن داخله كان يشعر بشيء لم يعتد عليه من قبل… شعور بالرضا. دخلت صبا بهدوء وجلست أمامه دون أن تتكلم، وكأنها تعرف أنه يحتاج إلى الصمت أكثر من الكلام.

قال بعد لحظة طويلة وهو ينظر إلى الأرض: “عمري ما تخيلت إني ممكن أرجع البيت حاسس إني عملت حاجة صح… كنت دايمًا برجع وأنا حاسس إن كل اللي عملته مجرد فرض سيطرة وخلاص.”

نظرت إليه صبا وقالت بهدوء: “يمكن لأنك المرة دي مش كنت بتحاول تكسب… كنت بتحاول تصلّح.”

رفع رأسه نحوها، وكانت في عينيه نظرة امتنان لم يستطع التعبير عنها بالكلمات. لم يقل شيئًا، لكنه أدرك أن هذه المرأة لم تغيّر حياته فقط، بل أعادت تعريف معنى القوة لديه.

ومع مرور الوقت، بدأت العلاقة بينهما تتحول إلى شيء أعمق. لم يعد الصمت بينهما ثقيلًا كما كان في البداية، بل صار مريحًا. وأصبح الحديث بينهما أكثر صدقًا، خاليًا من الحذر الذي كان يملأ الأيام الأولى.

في إحدى الليالي، وقف عز الرجال في شرفة السرايا يتأمل البلدة الهادئة تحت ضوء القمر. اقتربت صبا ووقفت بجانبه، وظلا صامتين لبرهة قبل أن يقول فجأة: “عارفة يا صبا… أنا أول مرة أحس إني عايز المستقبل، مش مجرد أعيش اليوم وخلاص.”

ابتسمت بخفة وقالت: “المستقبل بييجي لما الواحد يحس إنه مش لوحده فيه.”

كانت تلك الجملة بسيطة، لكنها لامست شيئًا عميقًا داخله. أدرك حينها أن وجود صبا لم يكن مجرد صدفة فرضها القدر، بل كان بداية جديدة له، فرصة ليصبح شخصًا أفضل مما كان عليه.

ومع ذلك، لم تكن الطريق خالية من التحديات. فالتغيير الحقيقي لا يحدث دون مقاومة، وكانت هناك دائمًا أصوات في البلدة لا تصدق ما يحدث، وتنتظر اللحظة التي يعود فيها عز الرجال إلى طبيعته القديمة.

لكن الأيام كانت تثبت العكس. فكل موقف جديد كان يظهر جانبًا مختلفًا منه، جانبًا لم يكن يعرفه حتى هو نفسه من قبل. ومع كل خطوة، كانت صبا تزداد اقتناعًا بأن ما فعلته لم يكن مجرد دفاع عن نفسها، بل كان بداية لتحول أكبر مما توقعت.

وفي تلك اللحظة، بينما كانا يقفان معًا ينظران إلى البلدة النائمة، أدرك كلاهما أن ما بينهما لم يعد مجرد زواج فرضته الظروف، بل أصبح شراكة حقيقية… شراكة قامت على الاحترام قبل أي شيء آخر.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان