🔥 “أختي بعتتلي رسالة: (أنا لغيت كل تقديمك في طب… دلوقتي أنا بس اللي موجودة)”
في الصبح ده، ما كانش فيه أي حاجة مختلفة عن باقي الأيام… نفس الهدوء، نفس الضوء اللي داخل من الشباك، نفس فنجان القهوة اللي دايمًا بسيبه يبرد شوية قبل ما أشربه. بس جوايا كان فيه إحساس غريب… مش قلق واضح، ولا خوف صريح… حاجة كده خفيفة، زي ما تكون مقدمة للي جاي.
بقالي أسابيع بعمل نفس الروتين: أصحى، أفتح اللاب، وأدخل أشوف أخبار التقديم في كليات الطب. الموضوع ما كانش مجرد متابعة عادية… ده كان مستقبلي كله متعلق بالصفحة دي. كل تعب السنين، كل اللي ضحيت بيه، كل مرة قلت “مش مهم” على حاجة بحبها علشان أذاكر… كله كان مستني النتيجة دي.
فتحت أول موقع… وكنت متوقعة أشوف تحديث، أو حتى “قيد المراجعة”. لكن اللي ظهر قدامي كان جملة قصيرة، بس وقعها كان تقيل بشكل مش طبيعي:
“تم سحب الطلب بواسطة المتقدمة.”
استغربت… جدًا. في الأول افتكرت إني ضغطت حاجة غلط، أو يمكن الموقع فيه مشكلة. عملت تحديث. استنيت ثانيتين… تلاتة… نفس الجملة.
دخلت على موقع تاني. بعدها التالت. بعدها كل موقع قدمت فيه.
نفس النتيجة… نفس الجملة… كأنها بتتكرر علشان تتأكد إني فاهمة.
وقتها حسيت بحاجة بتسحب الأرض من تحتي. مش فكرة إن التقديم اتلغى بس… الفكرة إني ما عملتش كده. ما ضغطتش على حاجة. ما فكرتش حتى في الانسحاب.
وقفت فجأة من مكاني، وفضلت ألف في الأوضة من غير هدف. دماغي بتحاول تربط أي احتمال بأي تفسير… بس مفيش حاجة منطقية.
أنا كنت نايمة طول الليل.
إزاي ده حصل؟
بعد شوية… أو يمكن بعد وقت أطول من اللي أنا حاسة بيه، لقيت نفسي قاعدة على أرض الحمام. ما افتكرتش إمتى نقلت من الأوضة لهنا. اللاب كان مفتوح جنبي، الشاشة لسه فيها نفس الجملة. كوباية مية في إيدي… بس ما شربتش منها ولا نقطة.
في اللحظة دي دخلت حنان. واضح إنها كانت بتدور عليا في الشقة كلها.
أول ما شافتني، سكتت لحظة، وبعدين قالت بهدوء غريب:
“عزة… بصيلي.”
صوتها ما كانش عالي، بس كان ثابت… وده اللي خلاني أحاول أرفع عيني. بصتلها، وبعدين بسرعة رجعت بصري للشاشة… كأني لو سبتها، كل حاجة هتبقى حقيقية أكتر.
قلت بصوت واطي:
“أنا ما عملتش كده.”
هي ما حاولتش تقاطعني ولا تقول كلام تهدئة تقليدي. بس مدت إيدها، أخدت الموبايل، وحطته في إيدي وقالت:
“طيب نشوف الأول.”
مسكته بإيد بتترعش… وفتحت الإشعارات. كان فيه رسايل كتير، بس واحدة بس شدتني… يمكن علشان اسمها.
كارما.
أختي.
فتحت الرسالة، وقرأت:
“أنا لغيت كل تقديمك في طب… دلوقتي أنا بس.”
ما حسيتش بصدمة مفاجئة قد ما حسيت بحاجة أهدى… أو يمكن أتقل. زي لما قطعة كبيرة من البازل تقع في مكانها فجأة.
كارما.
مش أول مرة أحس إنها بتغير مني… بس أول مرة توصل للدرجة دي.
افتكرت مواقف كتير عدّت قبل كده… كلامها اللي كان دايمًا فيه حاجة ناقصة، نظراتها وقت ما حد يمدحني، محاولاتها تقلل من أي نجاح ليا… حاجات كنت بعديها، أو أقنع نفسي إنها عادية.
بس اللي حصل ده… ما كانش عادي.
اليوم عدى تقيل. ما حصلش فيه حاجة مهمة… بس كان كله مليان إحساس واحد: إني اتخانت. مش من حد غريب… من أقرب حد ليا.
لحد ما التليفون رن.
رقم مش متسجل.
ترددت شوية… وبعدين رديت:
“ألو؟”
الصوت اللي رد كان هادي جدًا:
“مساء الخير، معايا الآنسة عزة؟ أنا من إدارة القبول.”
وقفت مكاني من غير ما أحس.
كمل:
“لاحظنا نشاط غير طبيعي على حسابك النهارده… فيه محاولة لسحب كل طلبات التقديم.”
بلعت ريقي، وما اتكلمتش.
قال:
“بس بعد مراجعة البيانات… اتأكدنا إنك ما كنتيش المسؤولة عن ده، وتم إلغاء العمليات دي.”
في اللحظة دي، حسيت بحاجة بتتفك جوايا… زي عقدة كانت مربوطة بقوة.
وبعدين قال:
“ومبروك… تم قبولك بمنحة كاملة.”
ما ردتش فورًا. كنت محتاجة ثانيتين… يمكن تلاتة… علشان أستوعب.
الفرحة ما جاتش مرة واحدة… جات تدريجي. زي نور بيزيد حتة حتة.
قبل ما المكالمة تخلص، قال:
“فيه تحقيق جاري بخصوص اللي حصل… وهنوصل للشخص المسؤول.”
قفلت، وبصيت لحنان. المرة دي أنا اللي كنت ببص، وهي اللي سايبة مساحة.
ما احتجناش نتكلم.
بالليل… البيت كان مليان ناس. صوت ضحك، موسيقى خفيفة، وحركة في كل مكان.
كارما كانت في النص… لابسة فستان شيك، وبتتكلم بثقة كأنها صاحبة الإنجاز.
“أخيرًا… تعبي ما راحش على الفاضي.”
الناس حواليها بيهزروا ويباركوا… ومحدش واخد باله من أي حاجة تانية.
أنا كنت واقفة بعيد شوية. مش مستخبية… بس مش في الصورة برضه.
في إيدي منديل، بلفه حوالين صوابعي من غير ما آخد بالي.
كنت مستنية.
مش لحظة انتقام… ولا مشهد درامي… بس اللحظة اللي الحقيقة تظهر فيها لوحدها.
الباب خبط.
الصوت ما كانش عالي… بس شد انتباه الكل.
ماما راحت تفتح.
دخلت ست شكلها رسمي، هادية في حركتها، وما بتبصش كتير حواليها. في إيدها ملف.
قالت:
“مساء الخير… إحنا من الجامعة.”
كارما ابتسمت بسرعة وقالت:
“أكيد جايين عشاني.”
الست بصتلها لحظة… وبعدين قالت ببساطة:
“لا.”
وساعتها بصتلي أنا.
“إحنا جايين نبلغ الآنسة عزة رسميًا بقبولها في منحة دراسية كاملة.”
الصوت اللي طلع من الكاس وهو بيقع على الأرض كان أوضح من أي رد فعل.
الناس سكتت.
كارما ما قالتش حاجة… بس ملامحها اتغيرت بشكل واضح. الثقة اختفت، وحل محلها حاجة تانية… ارتباك؟ صدمة؟ يمكن الاتنين.
الست كملت:
“وفيه تحقيق بخصوص محاولة الدخول على حسابها… والإجراءات القانونية شغالة.”
ما كانش فيه دراما زيادة… ولا صوت عالي… بس المعنى كان واضح لكل اللي واقفين.
الجو كله اتغير.
نفس المكان، نفس الناس… بس الإحساس مختلف تمامًا.
بصيت حواليّا، وبعدين بصيت لنفسي من جوا… لأول مرة من الصبح.
اللي حصل ما رجّعش اليوم… ولا مسح اللي حسيت بيه… بس وضّح حاجة مهمة جدًا.
إن مش كل محاولة كسر… بتنجح.
وإن في لحظات… الحقيقة فيها بتظهر من غير ما حد يدافع عنها.
كارما كانت لسه واقفة مكانها… بس واضح إن اللي كانت فاكرة إنها بنته… وقع في ثانية.
أما أنا… ما حسّتش إني كسبت عليها.
حسّيت بس إني رجعت لنفسي.
وده كان كفاية.
اللحظة اللي الست فيها خلصت كلامها… ما كانتش نهاية، بالعكس… كانت بداية لحاجة تقيلة جدًا. السكوت اللي نزل على المكان ما كانش عادي، كان سكوت مليان أسئلة، نظرات، وحاجات كتير محدش عارف يقولها بصوت عالي.
أنا فضلت واقفة مكاني، حاسة إن رجلي تقيلة… مش من الخوف المرة دي، لكن من ثقل اللي حصل كله. في ثواني، كل حاجة اتكشفت… بس محدش كان مستعد يتعامل مع الحقيقة دي.
بصيت على كارما.
أول مرة أشوفها بالشكل ده… مش قوية، مش واثقة، مش حتى غاضبة. كانت واقفة كأنها مش فاهمة إيه اللي بيحصل، أو يمكن فاهمة… بس مش قادرة تستوعبه.
ماما كانت أول واحدة تتحرك. بصتلها، وبعدين بصتلي… نظرة طويلة، مليانة لخبطة. واضح إنها بتحاول تجمع الصورة كلها في دماغها.
قالت بصوت مهزوز:
“الكلام ده… حقيقي؟”
ما حدش رد فورًا.
الست قالت بهدوء:
“كل التفاصيل موثقة… والتحقيق مستمر.”
الكلمة الأخيرة دي… “تحقيق”… غيرت الجو كله. الموضوع ما بقاش مجرد مشكلة بين أخوات… بقى حاجة أكبر.
كارما أخيرًا اتكلمت:
“أنا… أنا ما قصدتش كده.”
الصوت كان واطي، ومكسور بطريقة غريبة. مش دفاع قوي، ولا إنكار واضح… جملة طالعة من حد اتزنق.
أنا ما رديتش. ما كانش عندي كلام يتقال ساعتها.
مشيت ناحية أوضتي بهدوء، من غير ما أبص ورايا. الأصوات ورايا بدأت تعلى… نقاشات، أسئلة، توتر… بس أنا ما كنتش عايزة أسمع.
قفلت الباب ورايا، وسندت عليه بضهري. أخيرًا… لوحدي.
مش غريبة إن الواحد يتخيل إنه لما الحقيقة تظهر، كل حاجة تتحل. بس اللي حصل كان العكس… الحقيقة كشفت كل حاجة، بس ما صلحتش حاجة.
قعدت على السرير، وبصيت في الفراغ. الفرحة اللي حسيتها الصبح كانت لسه موجودة… بس مش صافية زي الأول. فيها حاجة تقيلة… يمكن علشان مصدر الوجع كان قريب قوي.
بعد شوية، خبط خفيف على الباب.
حنان.
دخلت من غير كلام، وقعدت جنبي. فضلنا ساكتين شوية… لحد ما قالت:
“إنتي كويسة؟”
فكرت أرد بسرعة… أقول “آه”… زي ما بنعمل دايمًا. بس الحقيقة كانت مختلفة.
قلت:
“مش عارفة.”
هزت راسها كأنها متوقعة الإجابة.
قالت:
“طبيعي.”
كلمة بسيطة… بس كانت صادقة.
تاني يوم، البيت كان هادي بشكل غريب. مفيش صوت تلفزيون، مفيش هزار… حتى الحركة كانت قليلة.
كارما ما خرجتش من أوضتها.
وماما… كانت بتتحرك في البيت كأنها بتدور على حاجة ضايعة، ومش لاقياها.
قعدت في الصالة، قدامي ورق المنحة اللي جالي… المفروض أبقى فرحانة، متحمسة، بفكر في اللي جاي. بس دماغي كانت راجعة لورا طول الوقت.
افتكرت كارما وهي صغيرة… لما كنا بنذاكر سوا، لما كنا بنتخانق على حاجات تافهة، ونرجع نضحك بعدها بدقايق. إزاي المسافة كبرت للدرجة دي؟
هل أنا ما خدتش بالي؟ ولا هي اللي كانت بتخبي؟
الأسئلة ما كانش ليها إجابات واضحة.
بعد الظهر، الباب خبط تاني.
المرة دي كان باب أوضتي.
صوت كارما:
“ممكن أدخل؟”
سكت لحظة… وبعدين قلت:
“ادخلي.”
دخلت ببطء… وقفت شوية عند الباب، كأنها مش عارفة تقعد ولا تمشي.
وأخيرًا قالت:
“أنا عارفة إن مفيش كلام هيصلّح اللي حصل.”
بصتلها… وما اتكلمتش.
كملت:
“بس أنا كنت حاسة إني طول عمري في ضلك… مهما عملت، إنتي اللي بتتقدمي.”
الجملة دي… سمعتها قبل كده، بس بشكل غير مباشر. المرة دي كانت واضحة.
قالت:
“غلطت… وغلط كبير. وأنا مستعدة أتحمل نتيجته.”
كان ممكن أصرخ، ألوم، أطلع كل اللي جوايا… بس الغريب إني ما حسّتش بده.
قلت بهدوء:
“أنا مش محتاجة اعتراف… أنا كنت محتاجة ثقة.”
سكتت.
يمكن دي كانت أول مرة تفهم الفرق.
ما طولتش القعدة… خرجت بهدوء زي ما دخلت.
والموضوع ما انتهيش عند كده… التحقيق كمل، والجامعة كانت واضحة في موقفها. الإجراءات أخدت وقت، لكن النتيجة كانت حتمية.
كارما اتحاسبت… مش بس قانونيًا، لكن اجتماعيًا كمان. الناس اللي كانت حواليها اختفوا بسرعة، وكأنهم ما كانوش موجودين من الأول.
وأنا… بدأت أجهز لمرحلة جديدة.
أول يوم ليا في الكلية كان مختلف عن أي يوم قبل كده. مش بس علشان المكان جديد… لكن علشان أنا نفسي كنت مختلفة.
دخلت وأنا شايلة كل اللي حصل… مش كعبء، لكن كحاجة فهمتني نفسي أكتر.
عرفت إن النجاح مش بس وصول… النجاح كمان في إنك تفضل واقف، حتى لما أقرب الناس يحاولوا يوقعوك.
وبالرغم من كل حاجة… ما كرهتش كارما.
بس برضه… ما رجعتش زي الأول.
في حاجات… لما بتتكسر، ممكن تتصلّح… بس عمرها ما بترجع بنفس الشكل.
ويمكن ده مش دايمًا وحش.