لقيت علبة دواء حماتي في أوضة بنتي… والسر اللي وراها قلب حياتي كلها

لقيت علبة دواء حماتي في أوضة بنتي… والسر اللي وراها قلب حياتي كلها


أنا طول عمري مش من الناس اللي بتفترض الوحش بسرعة، ولا اللي بتكبر المواضيع. بالعكس، كنت دايمًا بقول إن البيت عشان يستمر لازم فيه ثقة، وإن أي شك زيادة عن اللزوم ممكن يهده من غير ما نحس. يمكن عشان كده، لما كل حاجة بدأت تحصل، كنت آخر واحدة ممكن تصدق إن فيه خطر فعلاً قريب مني بالشكل ده.

حماتي “هنية” جات تعيش معانا فترة بعد ما عملت عملية في ركبتها. كانت محتاجة حد يساعدها، وده بالنسبة لي كان شيء طبيعي جدًا. حتى ما فكرتش مرتين قبل ما أقول لها البيت بيتك. بالعكس، كنت شايفة إن وجودها ممكن يخفف عني شوية، خصوصًا مع بنتي ليلى اللي عندها أربع سنين وطاقة تكفي بيت كامل مش طفل واحد.

في الأول، كل حاجة كانت ماشية بشكل مريح. هنية كانت بتتعامل مع ليلى بحنان ظاهر، تقعد معها بالساعات، تضفر لها شعرها، تحكي لها قصص قبل النوم، وأوقات كتير كانت تاخدها مني وتقول لي: “ادخلي ارتاحي شوية، أنا معاها”. وكنت بصدق… وبشكرها كمان.

بس مع الوقت، حصلت تغييرات صغيرة جدًا… صغيرة لدرجة إنك ممكن ما تاخدش بالك منها أصلاً. ليلى بقت أهدى. مش الهدوء الطبيعي… لا، هدوء زيادة عن اللزوم. بقت تنام بسرعة، ومبقاش عندها نفس الحماس اللي كانت بتجري بيه في البيت طول اليوم.

في الأول، كنت بفسر ده بأي حاجة. الجو حر… اللعب كتير… يمكن تعبت. وكل مرة كنت ألاحظ حاجة، كنت بسرعة ألاقي لها مبرر وأعدي.

حتى صوت علبة الدواء بتاعة حماتي، اللي كانت بتتقفل كل يوم بالليل في نفس المعاد، عمره ما شد انتباهي. كان جزء من الروتين… حاجة عادية جدًا وسط يوم طويل.

لحد اللحظة اللي كل حاجة بعدها ما بقتش عادية.

كنت في المطبخ بقطع بصل، ودموعي نازلة من ريحته، وفجأة حسيت بإيدين صغيرة بتشدني. بصيت لقيت ليلى واقفة، وشها فيه حاجة غريبة… تردد وخوف مع بعض.

قالت لي بهدوء غريب: “ماما… هو ينفع مبطلش آخد الحبوب اللي تيتة بتديهالي؟”

الكلمة وقعت عليا كأنها تقيلة. حسيت إن في حاجة غلط، بس عقلي كان لسه مش مستوعب. نزلت لمستواها وسألتها بهدوء مصطنع: “إيه الحبوب دي يا حبيبتي؟”

جريت وجابت علبة برتقالية، كانت ماسكاها بإيدينها الاتنين، كأنها مش مرتاحة لها. أول ما شفت الاسم اللي عليها… قلبي اتقبض.

العلبة مش بتاعتها… وده كان واضح جدًا.

سألتها: “بتاخديها إزاي؟”

قالت: “واحدة قبل النوم… تيتة قالت لي ده سر بينا.”

في اللحظة دي، كل حاجة جوايا اتلخبطت. مش بس خوف على بنتي… كان فيه إحساس إن في حاجة اتعملت من ورايا… في بيتي… وأنا مش شايفة.

خدت القرار بسرعة، كلمت الدكتور، وخدتها وروحنا فورًا. الطريق كان طويل رغم إنه قصير، لأنها طول الوقت كانت بتعيط، فاكرة إنها عملت حاجة غلط، وأنا بحاول أطمنها وأنا نفسي مش فاهمة إحنا رايحين على إيه.

لما الدكتور شاف العلبة، ملامحه اتغيرت. مكنش محتاج وقت يفكر. قال بهدوء واضح فيه قلق: “الدواء ده مش مناسب لطفلة خالص”.

بدأ يكشف عليها، يسألني عن نومها، حركتها، تركيزها… ومع كل سؤال، كنت بحس إن الصورة بتتكشف قدامي… ببطء مؤلم.

ولما سأل ليلى: “الحبوب دي بتخليكي إيه؟”

ردت ببساطة: “شاطرة”.

بس بعدها، قالت جملة خلت كل حاجة تبقى أوضح… وأوجع.

“عشان بابا يحب يقعد في البيت.”

في اللحظة دي، حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد دواء. الموضوع بقى فكرة… نية… حاجة اتبنت جوا حد لفترة.

الدكتور اتصرف بسرعة، والموقف كله اتطور بشكل أنا ما كنتش متخيلاه. اتبلغت الجهات المختصة، وبدأت الإجراءات.

ولما جوزي حسين وصل، كان واضح عليه إنه مصدوم. رد فعله كان طبيعي… مفيهوش تمثيل. بس كلامه كشف حاجة مهمة.

قال إنه اشتكى قبل كده من صعوبة نوم ليلى، وإنها شقية. كلام عادي جدًا، أي أب ممكن يقوله… بس اتحول في دماغ تانية لحل غريب.

مع الوقت، الحقيقة بدأت تظهر أكتر. إن ده مش تصرف عشوائي… وإن فيه تاريخ مشابه.

في المستشفى، وأنا قاعدة جنب ليلى، قالت لي وهي خايفة: “أنا خايفة أنام… عشان الحباية”.

وقتها فهمت إن الأثر مش بس جسدي… الأثر وصل لجواها.

بعد كده، الشرطة لقت دفتر صغير فيه ملاحظات يومية… تفاصيل عن نومها وهدوءها. حاجة كانت شكلها بسيط، لكنها في الحقيقة كانت مقلقة جدًا.

وفي النهاية، كل حاجة اتحطت قدام القانون، واتاخد القرار.

بس اللي حصل بعدها كان أصعب من أي حكم.

رجعنا البيت، وكل حاجة بقت مختلفة. نفس المكان… بس الإحساس مش هو. بقيت أراجع كل حاجة، كل موقف، كل تفصيلة.

ليلى كانت محتاجة وقت ترجع لطبيعتها. وأنا كمان.

وحسين حاول يصلّح، وبدأ يواجه حاجات يمكن كان بيهرب منها قبل كده.

ومع الأيام، الأمور بدأت تتحسن… واحدة واحدة. ليلى رجعت تضحك، وتجري، وتعمل دوشة في البيت زي زمان.

والدوشة دي… بقت بالنسبة لي حاجة مريحة.

مش لأنها سهلة… لكن لأنها طبيعية.

واتعلمت إن الإحساس اللي جوانا مش دايمًا لازم نسكته. أوقات بيكون هو الحاجة الوحيدة اللي بتنبهنا إن في حاجة مش مظبوطة.

ومن يومها، بقيت أسمع له أكتر.

افتكرت إن كل حاجة هتهدى بعد الحكم… وإن بمجرد ما باب المحكمة اتقفل، هنقدر نرجع نعيش بشكل طبيعي. بس الحقيقة إن اللي حصل ما كانش موقف وعدّى… كان حاجة سابت أثرها في كل تفصيلة في حياتنا.

أول ليلة بعد ما رجعنا من المستشفى، ليلى ما رضيتش تنام لوحدها. فضلت ماسكة في إيدي وكأنها لو سابتني لحظة ممكن يحصل لها حاجة. حتى لما عينيها كانت بتقفل من التعب، كانت بتفتحها فجأة وتسألني: “ماما… أنا مش هاخد الحباية تاني صح؟”

كنت كل مرة أجاوبها وأنا بحاول أبان واثقة: “لأ يا حبيبتي… خلاص مفيش حاجة من دي تاني.”
بس جوايا… أنا نفسي ما كنتش مصدقة إن الموضوع خلص.

بقيت أصحى في نص الليل على أقل صوت، أروح أبص عليها، أتأكد إنها بتتنفس بشكل طبيعي. أوقات كنت بفضل واقفة جنب سريرها دقايق طويلة، بس علشان أطمن إن كل حاجة تمام. الإحساس بالأمان اللي كان عندي قبل كده… اختفى.

حتى البيت نفسه بقى مختلف. نفس الأوض، نفس الحيطان، بس الإحساس مش هو. أوضة الضيوف تحديدًا، اللي كانت قاعدة فيها حماتي، بقيت أتجنب أدخلها. الباب كان مقفول أغلب الوقت، وكأنه شايل ذكرى أنا مش قادرة أواجهها.

حسين هو كمان اتغير. بقى هادي زيادة، مش بيتكلم كتير زي الأول. أوقات كنت بلاقيه قاعد لوحده في البلكونة، باصص في الفراغ، كأنه بيحاول يفهم إزاي الأمور وصلت لكده.

في مرة، سألته: “إنت كويس؟”
بص لي وقال: “أنا مش عارف أكون إيه دلوقتي… أب؟ ولا ابن؟ ولا حد فشل في الاتنين.”

الكلام وجعني، بس ما كانش عندي رد. لأن الحقيقة إننا الاتنين كنا بنحاول نفهم نفسنا من جديد.

بدأنا نروح مع ليلى جلسات مع أخصائية نفسية. في الأول، كانت رافضة تتكلم. تقعد ساكتة، أو تمسك لعبتها وتبص في الأرض. بس مع الوقت، بدأت تفتح شوية شوية.

في جلسة من الجلسات، قالت جملة خلتني ما أنامش يومها:

“أنا كنت فاكرة إني لما أبقى هادية قوي… الناس هتحبني أكتر.”

وقتها حسيت بثقل الكلمة. مش بس على اللي حصل… لكن على الفكرة اللي اتزرعت جواها.

الأخصائية قالت لنا إن أهم حاجة دلوقتي إننا نرجع نربط عندها فكرة إن حبنا لها مش مرتبط بسلوكها، ولا بهدوئها، ولا بأي حاجة… حب ثابت.

ومن يومها، بدأنا نغير حاجات كتير. بقينا نسيبها تعبّر، حتى لو كانت مزعجة أوقات. بقينا نسمع لها أكتر، ونشرح لها أكتر.

وفي نفس الوقت، حسين بدأ هو كمان جلسات لوحده. يمكن لأول مرة في حياته، قعد يحكي عن طفولته… عن أخوه… وعن حاجات كان بيحاول ينساها.

في يوم، رجع من الجلسة وقال لي: “أنا طول عمري كنت فاكر إن الهدوء في البيت حاجة كويسة… بس واضح إني كنت فاهم غلط.”

بصيت له وما علّقتش، بس كنت فاهمة هو يقصد إيه.

بعد فترة، اضطرينا ندخل أوضة الضيوف تاني. مش عشان حاجة… بس عشان الحياة بتمشي. فتحت الباب وأنا مترددة، كأن المكان لسه فيه أثر من اللي حصل.

كل حاجة كانت متشالة، فاضية… بس الإحساس كان موجود. حسيت إني لازم أغيّرها بالكامل. غيرنا ترتيب الأوضة، لونها، حتى الستارة. كنت عايزة أمسح أي ذكرى منها.

ومع الوقت، بدأت الأوضة تبقى عادية تاني… مجرد أوضة.

أما ليلى، فبقت أحسن بكتير. رجعت تضحك من قلبها، وتجري في البيت، وتغني بصوت عالي. وأول مرة سمعتها بتزعق على لعبتها، ضحكت بدل ما أضايق.

يمكن عشان فهمت إن الصوت ده… دليل إنها بخير.

في يوم، كانت بتجري ووقعت، وقعدت تعيط. جريت عليها، حضنتها، وهي وسط العياط قالت لي:
“أنا شاطرة؟”

ساعتها، مسكت وشها بإيدي وقلت لها:
“إنتي حلوة كده زي ما إنتي… شاطرة، ومش شاطرة… بتضحكي، وبتعيطي… كله حلو.”

بصت لي شوية، وبعدين حضنتني وسكتت.

يمكن الجملة كانت بسيطة… بس بالنسبة لي، كانت بداية حاجة جديدة.

دلوقتي، الحياة رجعت تمشي، بس بشكل مختلف. بقينا أهدى… بس مش الهدوء اللي يخوّف. هدوء فيه وعي.

واتعلمت إن الأمان مش بس إن مفيش خطر… الأمان إنك تبقى شايف كويس، وسامع كويس، وما تتجاهلش إحساسك حتى لو ملوش تفسير واضح.

والأهم… إننا ما نربطش قيمة اللي قدامنا بأي صورة مثالية إحنا رسمناها في دماغنا.

لأن أوقات، أبسط حاجة… زي ضحكة طفل بصوت عالي… بتبقى أهم من أي هدوء في الدنيا.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي