بوابة الزمن: مملكة الريح والعرش العظيم
فكرة وكتابة / محاسن عبده
عنوان عام قوي للرواية
حين فتح الذهبُ بابَ الزمن… ورأيتُ مملكةً تُطيع فيها الريحُ أمرَ نبيٍّ وملك
لم أكن أبحث عن معجزة، ولا عن حكاية تُروى في ليالٍ طويلة لتزجية الوقت. كنت فقط أهرب من ضيقٍ لا يُرى،
ضيقٍ يختبئ تحت ضجيج الأيام، ويكبر كلما حاولتُ أن أضع له اسمًا. خرجتُ مساءً بلا هدف واضح، أتمشى في طريق
أعرفه جيدًا، لكنني كنت أشعر كأن الطريق نفسه لا يعرفني. السماء فوقي كانت صافية، والهواء يحمل رائحة ترابٍ
دافئ كأن الأرض تتهيأ لسرٍ كبير، ثم حدث ما لم أستطع أن أهيئ له نفسي.
رأيتُها أولًا كلمعة، ظننتها انعكاسًا لضوءٍ بعيد أو زجاج نافذة. لكن اللمعة لم تكن تهرب من عينيّ؛ كانت تقف
ثابتة كأنها علامة وُضعت لي وحدي. اقتربتُ خطوة، ثم ثانية، حتى صرت أمام بوابة لم تكن موجودة قبل لحظات.
بوابة من ذهبٍ منقوش، ليس ذهبًا فاقعًا يصرخ في الضوء، بل ذهبٌ عتيق كأنه تعرّق من السنين. كانت تعلوها طيور
محفورة بأجنحة ممدودة، كأنها على وشك أن ترفرف وتخرج من الحجر. رفعتُ يدي بتردد، ولمستُ النقش بأطراف أصابعي،
فشعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي كأنني لمستُ نبضًا لا معدنًا.
في لحظة واحدة، لمعت الأحرف على البوابة ثم انفرجت كأن الزمن نفسه يتراجع خطوة ليفسح لي الطريق. لم أسمع صريرًا
ولا صخبًا، بل سمعتُ شيئًا أقرب إلى نفسٍ طويل يخرج من صدر العالم. وقبل أن أفكر إن كنتُ سأدخل أو أهرب، كانت
قدماي قد عبرتا… وكأن قرار الرحيل اتُخذ بدلًا عني.
لم يكن ما رأيته خلف البوابة نارًا ولا بحرًا، ولم تكن أرضًا تشبه خرائط المدارس. كان فضاءً واسعًا تُحس فيه
أن الهواء له حضورٌ ووعي، وأن الريح ليست مجرد هبوبٍ عابر بل جندٌ يتحرك بأمر. رأيتُ قصرًا ممتدًا كأنه مدينة
كاملة، وساحة عظيمة مرصوفة بحجرٍ لامع، وأناسًا مصطفّين في نظامٍ مهيب لا يعكره صياح ولا فوضى. كان هناك إنس
بملابس بسيطة لكن وجوههم تحمل جدية من يعرف مكانه، وهناك جنّ يعملون في صمتٍ غريب، لا تسمع لهم همسًا ولا ضحكًا،
كأنهم خُلِقوا للعمل فقط، يرفعون الحجارة الثقيلة بلا يدٍ ظاهرة، ويحركون ما يعجز عنه بشر.
كنت أقف بينهم كغريبة سقطت من زمن آخر، أحاول أن أفهم: هل أنا أحلم؟ هل خدعتني عيناي؟ لكن كل شيء كان حقيقيًا
أكثر مما أطيق. حتى الضوء كان مختلفًا؛ ليس ضوء شمسٍ فقط، بل ضوء هيبة، كأن المكان يعرف أن فوقه عينًا تُراقب
كل شيء دون أن تظلم أحدًا.
وفي قلب الساحة، ارتفع العرش. لم يكن كرسيًا مزخرفًا كما تصوره الحكايات، بل منصة عظيمة لها ظلٌّ ثقيل يفرض
احترامه على الهواء. وعلى العرش جلس رجل لا يشبه الملوك الذين رأيتهم في صورٍ أو سمعتُ عنهم في الأخبار؛
كان في وجهه وقارٌ يسبق الزينة، وفي نظرته هدوء لا يخلو من حزم. شعرتُ، قبل أن يخبرني أحد، أنني أمام
نبي وملك في آن واحد… سليمان.
الفصل الأول: ظلّ الريح
لم تكن الريح تهبّ في مملكة سليمان عبثًا. كنت أراها تتحرك كأنها كائن حيّ ينتظر الإشارة. تلمس أطراف الأشجار
ثم تسكن فجأة، ترفع طرف عباءة رجلٍ واقف ثم تهدأ كأنها اعتذرت، وتدور حول الساحة دورة واحدة ثم تقف عند حدّ
لا تتجاوزه. بدا الأمر كما لو أن للريح عقلًا وطاعة.
حاولتُ أن أختبئ بين الناس حتى لا يلاحظ أحد غرابتي، لكنني كنت أشعر أن المكان كله يلتفت إليّ. في تلك اللحظة،
رفع سليمان رأسه فجأة، كأن خبرًا جاءه من غير طريق الكلام. ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه نافذ: “ما لي لا أرى الهدهد؟”
لم يكن السؤال عن طائرٍ فقط. كان السؤال عن نظامٍ كامل، عن حلقةٍ غابت من سلسلة لا تقبل الفقد.
رأيتُ الجنود يلتفتون، ورأيتُ من حولي همساتٍ خفيفة، ثم سكونًا يشبه سكون البحر قبل أن يبتلع موجة. كانت
هيبة السؤال أكبر من معناه الظاهر. أحسستُ أن سليمان، رغم ما يملك من سلطان، لا يترك شيئًا للصدفة. الطائر
عنده ليس زينة في السماء، بل عينٌ ورسول ومهمة.
مرت لحظات قصيرة لكنها ثقيلة، ثم جاءت الريح بلمحة غريبة: حفيفٌ سريع من بعيد، ظلٌ صغير يقترب، وارتجافة
خفيفة في الهواء كأن جناحين يشقان المسافة بعجلة. لمحتُ طائرًا يقفز على حافة الساحة ثم يهبط بثبات أمام
العرش. كان الهدهد.
الفصل الثاني: الطائر الذي رأى أكثر
لم يتقدم الهدهد بخوفٍ واضح، لكنني رأيت في عينيه شيئًا يشبه توتر من يعرف أنه يحمل خبرًا أثقل من جناحيه.
كان حوله صمتٌ عجيب، كأن الجميع ينتظر أن يتكلم الطائر كما يتكلم رجل. والأعجب أن ذلك حدث بالفعل. بدأ
الهدهد يروي، بصوتٍ لا أعرف كيف سمعتُه، لكنه وصل إلى قلبي قبل أذني.
قال إنه حلق بعيدًا، أبعد مما يُسمح له عادة، لا هربًا ولا تمردًا، بل بحثًا. كان يشعر أن في الأرض شيئًا
يُفلت من عين المملكة، وأن دوره ليس أن يطير فقط، بل أن يعود بما ينفع. رأى أرضًا تلمع تحت الشمس، ليست
لمعان ذهبٍ في خزائن، بل لمعان حضارة قائمة. رأى قصورًا وطرقات، وعرشًا عظيمًا تحيط به الحراسة والهيبة،
ورأى قومًا يسجدون للشمس من دون الله.
ثم ذكر المرأة. لم يقل “امرأة ضعيفة” ولا “تابعة”، بل قال: “وجدتُ امرأةً تملكهم… وأوتيت من كل شيء، ولها
عرش عظيم.” كانت الجملة تحمل اعترافًا بقوةٍ حقيقية، قوة ليست بالصراخ ولا بالسيف وحده، بل بإدارة الحكم
واتزان القرار. ومع ذلك، كان قلبها — كما أحس الهدهد — يبحث عن شيءٍ لا توفره الشمس مهما أضاءت.
كنت أراقب وجه سليمان وهو يستمع. لم أرَ غضبًا عشوائيًا، ولا اندفاعًا متهورًا، بل تفكيرًا عميقًا كأن
الكلمات تُوزن في ميزان لا يخطئ. فهمتُ وقتها أن القوة عند هذا الملك ليست أن يفعل ما يشاء، بل أن يعرف
متى يفعل ومتى يمتنع.
الفصل الثالث: رسالة بدل حرب
ساد سكونٌ قصير، ثم تحركت يد سليمان بهدوء. لم يطلب سيفًا، ولم يأمر بجيشٍ يزحف. أمسك رقعة وكتب. رأيت
الحبر يسيل بخفة، ورأيت الكلمات تتشكل دون مبالغة: “بسم الله الرحمن الرحيم… ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين.”
كانت رسالة قصيرة، لكنني شعرت أنها أثقل من ألف رمح. رسالة لا تُشبه رسائل الملوك الذين يهددون ليظهروا
قوتهم، ولا تشبه رسائل المتملقين. كانت رسالة تحمل هيبة الحق دون صخب.
لم أفهم كيف خرجت الرسالة من القصر بهذه السرعة، لكنني رأيت الريح تتحرك برفقٍ كأنها تحمل شيئًا غير مرئي،
ورأيت الهدهد يستعد للطيران من جديد. وفي لحظة، اختفى الطائر في السماء، وبقيتُ أنا واقفة أتساءل: هل
يمكن لورقة أن تمنع حربًا؟ هل يمكن لجملة أن تُغيّر مصير أمة؟
الفصل الرابع: الملكة تحت الضوء
كأن الزمن طوى نفسه مرة أخرى، فوجدتني أرى مشهدًا بعيدًا… قاعة واسعة في مملكة أخرى. هناك جلست امرأة على
عرشها بثبات. كانت بلقيس. لم تكن نظرتها متكبرة، بل واعية. حين وصلتها الرسالة، لم تصرخ، ولم تسخر،
ولم تتظاهر أن الأمر لا يعنيها. قرأت الكلمات ببطء، كأنها تتذوق معناها، ثم رفعت رأسها نحو رجالها.
جمعت قومها لمشورة. لم تكن تبحث عن تأييدٍ أعمى، بل عن رأي يوزن بالعقل. قال بعضهم بحماس: “نحن أولو قوة
وأولو بأس شديد.” كانت تعرف قوتهم، وتعرف أنهم قادرون على القتال، لكنها كانت تعرف أيضًا أن القوة دون بصيرة
قد تهدم ما تحميه. كانت تملك شيئًا نادرًا في الملوك: القدرة على التراجع خطوة حين يلزم، دون أن تشعر أن ذلك
يقلل من شأنها.
أرسلت هدية. ليست خوفًا فقط، بل اختبارًا. تريد أن تعرف: هل هذا ملك تُشترى قراراته؟ هل هو من أولئك الذين
يلمع بصرهم حين يرون الذهب؟ حين عادت الهدية مرفوضة، فهمت الرسالة الثانية التي لم تُكتب بالحبر: هذا ملك
لا يريد دنياك… بل يريد هدايتك.
الفصل الخامس: العرش الذي سبقني
عاد الزمن يطوي المسافات، ورأيت بلقيس وهي تقرر الذهاب بنفسها. لم تذهب بذلٍّ ولا باستسلام، بل بذهنٍ مفتوح
يريد أن يرى الحقيقة بعينيه. وعندما وصلت إلى مملكة سليمان، لم تستقبلها الصيحات ولا التهديدات، بل استقبلتها
هيبة نظام لا يعتدي، وقوة لا تحتاج أن تستعرض نفسها.
ثم جاء المشهد الذي جعلني أضع يدي على فمي من الدهشة: عرشها… العرش الذي كان في مملكتها، العرش الذي لا يجرؤ
أحد على الاقتراب منه، كان أمامها. لم يكن الأمر مجرد نقلٍ لمقعدٍ من مكان لآخر، بل كان إعلانًا صامتًا أن
في هذه المملكة قوانين لا تُشبه قوانين البشر. نظرت بلقيس إلى العرش، وترددت على شفتيها جملة كأنها بين
السؤال واليقين: “كأنه هو.”
لم يكن سليمان يستمتع بإذلالها، ولم يكن يسعى لكسرها. كان يفتح لها بابًا لتفهم: إن الذي معه ليس مجرد جيش،
بل تأييد من الله، وأن المعجزة ليست لعبة للتفاخر، بل علامة تهدي القلب إذا كان القلب مستعدًا.
ثم جاء الامتحان الأخير، الصرح الممرّد من قوارير. دخلت بلقيس صرحًا أرضه شفافة تلمع كالماء. ظنته ماءً
فانكشفت عن ساقيها بحركة تلقائية. قال لها سليمان برفقٍ لا يخلو من تعليم: “إنه صرحٌ ممرّد من قوارير.”
في تلك اللحظة انكسرت آخر طبقة من الغرور داخلها. ليست المعجزة في الصرح ولا في العرش… بل في القلب حين
يرى الحق عاريًا من الزينة.
قالتها دون أن تلتفت لعرشها ولا لجنودها ولا لهيبتها القديمة: “ربِّ إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع سليمان لله
رب العالمين.” لم أشعر أنها خسرت، بل شعرت أنها تحررت، كأنها نزعت تاجًا كان يضغط على روحها أكثر مما يزين
رأسها.
الفصل السادس: الريح تتكلم
في تلك الليلة، وأنا أعود ببصري إلى الساحة الأولى، شعرت أن الريح لها صوت. ليس صوتًا يُسمع كالكلام،
بل معنى يصل إلى القلب: لقد حملت الريح عروشًا وطوت مسافات، لكنها لم تحمل شيئًا أثمن من لحظة إيمانٍ صادقة.
القوة إن لم تُهذّب بالحكمة تصير عاصفة عمياء، وسليمان لم يكن عاصفة… كان ميزانًا.
الفصل الأخير: ما بعد العرش
انتهت القصة بلا حرب، بلا دم، بلا مدنٍ تُحرق ولا أمهاتٍ تُفجع. طائرٌ رأى أكثر مما اعتاد الناس أن يروا،
وملكٌ حكيم اختار الرسالة بدل السيف، وملكةٌ عاقلة اختارت الحق حين تبيّن لها، فتغيرت مملكة بكلمة.
لم يكن انتصارًا من نوع الانتصارات التي تُعلّق على الجدران، بل كان انتصارًا داخليًا: أن يعود الإنسان
إلى فطرته حين يجد الطريق.
وقفتُ مرة أخرى أمام بوابة الذهب، لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي لمسها أول مرة. شعرت أن الزمن ليس بابًا
نمر منه لنرى العجائب فقط، بل مرآة نرى فيها أنفسنا: ما الذي نعبده دون أن نشعر؟ ما الذي نُقدسه لأن الناس
قدسوه قبلنا؟ وأي عرشٍ في داخلنا يحتاج أن ينزل قليلًا حتى يصعد القلب؟
لمستُ النقش مرة ثانية، فانغلقت البوابة ببطء، وعاد الطريق الذي أعرفه كما كان… لكنني كنت أعرف أنني أحمل
معي مملكة كاملة: مملكة الريح، ودرس العرش العظيم، وحقيقة أن الحكمة قد تمنع حربًا، وأن الرسالة حين تخرج
من قلبٍ مؤمن قد تغيّر مصير أمة.