حين صار البيت سجنًا.. حكاية أم واجهت جحيم ابنتها في اللحظة الأخيرة

حين صار البيت سجنًا.. حكاية أم واجهت جحيم ابنتها في اللحظة الأخيرة


حين صار البيت سجنًا.. حكاية أم واجهت جحيم ابنتها في اللحظة الأخيرة

في اللحظة دي بالذات، وأنا واقفة في مطبخ بنتي، والموبايل مرفوع في إيدي، وعيني ثابتة في عين “رامي” من غير ما أرمش، حسّيت إن الزمن وقف. لا صوت الضيوف اللي في الصالة كان باين، ولا رنة المعالق، ولا ضحك “الحاجة فوزية” المتصنع، ولا حتى شهقات “هبة” الخافتة اللي كانت بتطلع من صدرها كأنها بتطلع عمرها كله مرة واحدة. كل حاجة اتجمدت فجأة، وبقى في لحظة واحدة بس معلقة بينا كلنا، لحظة يا إما هتفتح باب النجاة، يا إما هتقفل على بنتي العمر كله جوه حفرة اسمها جواز. “رامي” كان واقف عند الباب عريض بكتافه، عامل فيها راجل البيت اللي ماسك زمام الأمور، لكن وشه كان باهت بصورة خلتني أعرف إنه أول مرة يحس إن اللي بيعمله ممكن يبان قدام الناس، أول مرة يفهم إن الست اللي قدامه، اللي كان فاكرها مجرد أم طيبة تخاف على سمعة بنتها وتسكت، مستعدة تقلب الدنيا فوق دماغه لو ما فتحش السكة. “فوزية” من ناحيتها كانت بتتنقل بنظراتها بيني وبين الموبايل وبين “هبة”، وحقدها باين في ملامحها، لكن ورا الحقد كان في خوف واضح، خوف من انكشاف طال عمره وهو مستخبي تحت ستار الأدب والنظام والتربية والأصول. أنا ماكنتش برفع الموبايل بس، أنا كنت برفع في وشهم الحقيقة اللي قضوا شهور يدفنوها جوه جدران البيت ده، وكنت شايفة بوضوح إنهم أول مرة يحسوا إن اللعبة خرجت من إيديهم.

بصيت لهبة، وللحظة واحدة بس نسيت “رامي” ونسيت أمه ونسيت الضيوف ونسيت كل الدنيا، وماشفتش غير بنتي. بنتي اللي كانت زمان تدخل عليا البيت وهي ضاحكة من قلبها، بنتي اللي كانت طول عمرها عنيدة وصريحة، اللي كانت لما تقتنع بحاجة ماحدش يعرف يثنيها، بنتي اللي كانت بتقول لي وهي صغيرة “أنا عمري ما هسمح لحد يكسّرني”، لقيتها واقفة قدامي دلوقتي مهزوزة، بطنها كبيرة من الحمل، ووشها شاحب، وإيديها بترتعش، ونظرتها فيها ذل عمره ما كان فيها. في اللحظة دي فهمت إن كسر الست ما بيجيش مرة واحدة، ما بيبقاش خبطة واحدة ولا كلمة واحدة ولا يوم واحد، ده بييجي نقطة نقطة، نظرة فوقها نظرة، إهانة فوقها إهانة، تخويف ورا تخويف، لحد ما اللي كانت واقفة على رجلها زي الجبل، تلاقي نفسها بتعتذر وهي مجروحة، وبتدافع عن اللي بيؤذيها أكتر ما بتدافع عن نفسها. وعلشان كده، ما سمحتش لقلبي يلين قدام دموعها ولا قدام رجفتها، لأن الرحمة في اللحظة دي كانت هتبقى خيانة. قلت بصوت ثابت وأنا لسّه رافعة الموبايل: “يا هبة، بصيلي. القرار دلوقتي في إيدك. يا إما تفضلي هنا وتموتي بالبطيء، يا إما تمشي معايا حالًا. أنا مش هاسيبك هنا ولو على جثتي.”

السكوت اللي جه بعد الجملة دي كان أثقل من الرصاص. “رامي” حاول يستعيد تماسكه وقال بصوت مخنوق من الغيظ: “إنتي بتكبري الموضوع ليه؟ دي مشاكل عائلية عادية، وكل البيوت فيها شد وجذب.” ضحكت ضحكة مرة وأنا باصة له، لأن أسهل حاجة عند الراجل الجبان إنه يسمي الظلم “شد وجذب”، ويسمي الإهانة “طبع”، ويسمي الضرب “عصبية”، ويسمي الذل “خلافات أسرية”. قلت له من بين سناني: “لا يا رامي، اللي بيحصل هنا مش شد وجذب، اللي بيحصل هنا جريمة، وأنت شريك فيها بسكوتك. الراجل مش بس اللي يمد إيده، الراجل كمان اللي يشوف أمه بتضرب مراته الحامل ويسكت، واللي يسمع بكاها بالليل ويقلب على الناحية التانية وينام، واللي يسيبها تتبهدل قدام الناس علشان يبان هو ابن أمه البار. إنت ماحميتهاش، وإنت عارف كويس إنها كانت بتتضرب وتتذل، ويمكن ده أوسخ من الضرب نفسه.” وشه اتشد، وحاول يقاطعني، لكني ما ادتلوش فرصة، لأن الكلام اللي اتراكم جوايا شهور وأنا مش واخدة بالي كان لازم يطلع كله مرة واحدة، لازم يعرف إن فيه حساب، حتى لو جه متأخر.

“الحاجة فوزية” كانت أهدى من ابنها في الظاهر، لكنها أخبث، وقوة أمثالها عمرها ما بتطلع في الصريخ الأول، دي بتطلع في السم اللي يخرج نقطة نقطة. قربت مني شوية وقالت بصوت واطي متعالي: “خدي بنتك لو عاوزاها، بس هتطلع من هنا من غير عيالها. العيال دول ولاد ابني، ومكانهم هنا.” أول ما قالت الجملة دي حسّيت “هبة” بتكاد تقع من طولها، كأن حد حط سكينة على رقبتها، وفهمت فورًا إن ده كان السلاح اللي مكممين بيه نفسها من شهور. مش خوف من الضرب، ولا من كلام الناس، ولا حتى من الطلاق، لكن خوف الأم من إنها تفقد ولادها. ساعتها لفيت ناحية “هبة” بسرعة وقلت لها وأنا بقرب منها لدرجة إنها بقت تسمع نفسي: “بصيلي كويس، مافيش أم بتسيب عيالها، ومحدش يقدر ياخدهم منك بالطريقة دي. اللي بيهددوكي بيه هو اللي مخليكي ساكتة، وده بالظبط اللي لازم نكسره النهارده. الخوف هو الباب اللي دخلوا منه لجواكي، ولو فضل مفتوح هيفضلوا يخشوا منه طول العمر.” كانت بتبص لي بعينين مليانين شك، مش فيا أنا، لكن في فكرة النجاة نفسها، كأنها مش مصدقة إن فيه حياة برا البيت ده، وإن فيه نهار ممكن يطلع بعد اللي عاشته.

وفي عز التوتر ده، بدأ صوت الضيوف يقرب من المطبخ. واضح إنهم حسوا إن فيه حاجة، وإن الضحك في الصالة بقى فيه ارتباك، والناس بطبيعتها بتحب تشم ريحة الكسر حتى لو ادّعت الأدب. أول اتنين دخلوا عند الباب، واحدة من قرايبهم وراجل كبير غالبًا قريب “فوزية”، وكانت نظراتهم بين الفضول والصدمة. “فوزية” حاولت تستعيد المسرح بسرعة وقالت بصوت عالي فيه تصنع: “مفيش يا جماعة، بس سوء تفاهم بسيط، أم هبة متوترة شوية عشان بنتها قربت تولد.” لكن قبل ما تكمل، حصل اللي غير المشهد كله. “هبة” اللي كانت واقفة زي الطيف، فجأة حطت إيدها على بطنها واتنت من الوجع، وشها اصفرّ مرة واحدة، ومسكت في طرف الرخامة كأن رجليها مش شايلينها. جريت عليها وقلبي وقع، وسألتها: “مالك؟” قالت بصوت متقطع: “بطني… بطني بتشد جامد يا ماما.” في ثانية، اتقلبت كل المعركة لكارثة أكبر، لأن خوفي بقى مش بس على عمر بنتي وروحها، لكن على الجنين اللي شايل وجعها معاه في بطنها.

الغريب إن في أشد اللحظات اللي كنت متخيلة إن “رامي” فيها يفوق، لقيته ارتبك، لكنه ماجاش يجري عليها كزوج خايف على مراته، لأ، بص الأول لأمه، كأنه بيستنى منها الإذن يحس. وده كان كفاية عندي علشان أفهم إن الجذر أعمق مما تخيلت. “فوزية” قالت بسرعة: “أكيد من التوتر اللي عملتيه، شوفتي؟ كنتي جاية تهدي البيت، قلبتيه نكد.” ساعتها حسيت إني لو فضلت دقيقة واحدة أجادلهم ممكن تضيع فيها بنتي، فوقفت قدام “رامي” وقلت له بصوت قاطع: “هات العربية حالًا، وإلا هطلب إسعاف والشرطة مع بعض، وساعتها محدش فيكم هيلحق يداري حاجة.” يمكن أول مرة في حياته يسمع النبرة دي من واحدة ست في وشه، لأنه من غير كلام لف وجرى ناحية الصالة، وأنا سندت “هبة” وبعدين لقيتها بتبكي من غير صوت، البنت اللي كانت لسه من ثواني بتخاف تقول كلمة، بقت دلوقتي خايفة تولد هنا، خايفة طفلها يشوف النور في بيت كله سواد.

في العربية، قعدت أنا جنب “هبة” و”رامي” بيسوق، و”فوزية” أصرت تيجي ورا، لكني رفضت رفضًا قاطعًا. قلت لها عند باب الشقة: “إنتي بالذات لأ.” كان نفسي أقولها كلام أكتر، أفضحها قدام الضيوف، لكن كان الوقت بقى لنجاة بنتي مش للانتقام. الطريق للمستشفى كان طويل رغم إنه قصير، لأن الدقايق وقت الخوف بيبقى لها طعم الموت. “هبة” كانت كل شوية تمسك إيدي جامد، وأنا أقول لها: “أنا معاكي، ما تخافيش”، لكن الحقيقة إن أنا نفسي كنت بخاف، بخاف يكون اللي اتكسر جواها كسر وصل للجنين، بخاف يكون السكوت الطويل خلّى الوجع أعمق من اللي باين. “رامي” طول السكة ساكت، ساكت لدرجة خلتني أعرف إنه بيحسب في دماغه شكل الفضيحة، مش شكل المصيبة. مرة واحدة قال من غير ما يبص وراه: “أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده.” الجملة دي استفزتني بشكل خلاني أجاوبه فورًا: “إنت كنت عارف، بس كنت بتختار ماتشوفش. وفي فرق كبير بين اللي مش عارف، واللي عارف وبيهرب من المعرفة علشان مايتحاسبش.”

وصلنا المستشفى، والدكاترة دخلوا “هبة” بسرعة، وقعدت أنا بره الاستقبال حاسة إن قلبي بيتسحب من مكاني، ورغم إن “رامي” كان واقف قريب، حسيت بيني وبينه بحر كامل. بقى غريب، مش ابني اللي جبته من بطني، لكن راجل تاه مني وأنا مش واخدة بالي. قعدت أراجع سنين تربيته، وأسأل نفسي السؤال اللي بيوجع كل أم لما تشوف ابنها ظالم: أنا غلطت فين؟ هل دلعته أكتر من اللازم؟ هل سكتّ له عن حاجات صغيرة وهو صغير فكبرت جواه؟ هل كنت طول عمري بعلمه إن الست تستحمل والراجل له حق؟ افتكرت لحظات كتير كنت بعديها بحجة إنه ولد، وإن الولاد بتغلط، وإن الجواز بيعلم، وإن أمه هتعرف تعدله بعدين، واكتشفت إن “بعدين” ساعات بييجي متأخر جدًا، بعد ما تكون ست دفعت تمن الغلط من صحتها وكرامتها وعمرها.

بعد ساعة تقريبًا، خرجت الدكتورة وقالت إن “هبة” تعرضت لإجهاد شديد وضغط نفسي عنيف، وإنهم قدروا يسيطروا على التقلصات، لكن لازم راحة تامة وهدوء، ولازم تبعد عن أي توتر في الأيام الجاية لأن حالتها ما تستحملش. وأنا بسمع كلامها حسيت إنه مش تشخيص طبي بس، ده حكم نهائي على البيت اللي كانت راجعة له كل ليلة. البيت ده مش بيت راحة، ده بيت مرض. “رامي” حاول يقرب من الدكتورة ويسأل شوية أسئلة شكلها مسؤولية متأخرة، لكن الدكتورة نفسها قالت له بحدة خفيفة: “الحامل في الشهر الثامن لازم تتعامل برفق شديد، خصوصًا لو عليها ضغوط نفسية بالشكل ده.” شفت عينه اتهزت، لأول مرة حد من بره يقول له اللي كنت بقوله أنا وبنتي بين الحيطان ومحدش سامع.

لما سمحوا لي أدخل لها، لقيتها نايمة على السرير الأبيض، أهدى من الأول لكن وشها عليه أثر تعب سنين، مش يوم واحد. قربت منها وبوست راسها، ففتحت عينيها وبصتلي بنظرة صغيرة مكسورة، وقالت: “أنا آسفة يا ماما.” الجملة وجعتني أكتر من أي حاجة. إزاي الضحية هي اللي بتعتذر؟ قعدت جنبها وقلت لها: “إنتي عمرك ما تعتذري عن وجع مش بتاعك. اللي لازم يعتذر هو كل واحد خلاكي توصلي للحالة دي.” وساعتها، يمكن لأول مرة من شهور أو سنين، “هبة” بدأت تحكي من غير ما تداري، من غير ما تقول أنا كويسة، من غير ما تلملم الخراب بجملة صغيرة. حكتلي عن الأيام اللي كانت بتصحى فيها على صوت “فوزية” وهي بتكسر عليها النوم بالأوامر، وعن المرات اللي كانت بتتاكل فيها واقفة لأنها لازم تخلص طلبات البيت، وعن الليالي اللي كان جسمها بيوجعها فيها من الحمل وهي تسمع “استحملي، الستات كلها بتستحمل”، وعن الخبطات اللي اتقال عليها حوادث، وعن الإهانات اللي اتقال عليها تربية، وعن “رامي” اللي كان كل ما تشكي له يقول لها: “كبر دماغك، أمي كده، عديها.” كل “عديها” كانت بتاخد من روحها حتة، لحد ما بقت شبه شبح عايش علشان يخدم غيره.

خرجت من عندها وأنا أخدت قراري النهائي. مافيش رجوع للبيت ده. مهما حصل. لقيت “رامي” واقف بره ومش عارف يبدأ منين، فقال بنبرة مهزوزة: “أنا ممكن أصلح كل حاجة.” بصيت له طويل، وبعدين قلت: “إصلاح إيه؟ البيت اللي يتبني على خوف ما يتصلحش بكلمتين. بنتي مش هترجع معاك. وهتخرج من هنا على بيتي. ولما تكونوا عاوزين تتكلموا، الكلام هيبقى قدام قانون، وقدام ناس، وقدام شهود، مش بين أربع حيطان تتحول فيها الست لفريسة.” حاول يعترض، حاول يقول “الناس هتقول”، “العيال”، “السمعة”، لكني وقفته بإشارة من إيدي وقلت له: “الناس ما كانتش موجودة وإنت سايبها تتذل، والسمعة ما كانتش شاغلاك وإنت بتصرخ فيها قدام الضيوف، والعيال أولى بيهم أم سليمة مش أم بتتفتت. خلاص. الليلة دي خلصت مرحلة كاملة.”

بعد يومين خرجت “هبة” من المستشفى على بيتي، وكانت أول مرة أشوفها بعيدة عن بيت جوزها من غير خوف “فوزية” في ضهرها. صحيح لسه مكسورة، ولسه بتصحى مفزوعة بالليل، ولسه كل رنة تليفون بتخضها، لكنها على الأقل بقت في مكان آمن. وأنا من ناحيتي ما سكتش. رحت لمحامية، وحكيت كل اللي حصل، وصورت الزرقان، وخدت تقرير المستشفى، واحتفظت بكل رسالة وكل مكالمة وكل دليل يثبت إن اللي جرى ماكانش “خناقة عائلية” زي ما هم عاوزين يسموه، لكنه أذى متكرر ومتعمد. “رامي” في الأول حاول يلين، بعت ناس تتوسط، وبعت كلام فيه اعتذار ناقص، لكن أول ما لقى الباب ما اتفتحش، ظهر وشه الحقيقي، وابتدى يهدد وياخد نفس أسلوب أمه. وهنا عرفت إني كنت صح لما خرجت بنتي من عنده قبل ما يحوّل خوفه لعنف أكبر.

الأيام اللي بعدها كانت ثقيلة، لأن النجاة نفسها مش سهلة. اللي يفتكر إن الست أول ما تخرج من بيت مؤذي ترتاح فورًا، ما يعرفش حاجة عن الوجع. “هبة” كانت كل شوية تلوم نفسها، تسألني: “يمكن كنت استحملت شوية كمان”، “يمكن أنا السبب”، “يمكن كنت بعصبهم”، والجمل دي كانت بتقطع قلبي لأن ده بالضبط أثر التعنيف الحقيقي، إنه يقنعك إنك شريك في الجريمة اللي حصلت ضدك. كنت أقعد معاها بالساعات أفكك لها الوهم اللي عاشته، أقول لها إن الصبر على الظلم مش فضيلة، وإن الحفاظ على البيت مايبقاش بدفن روحها جوه، وإن الأولاد ما يستفيدوش من بيت شكله كامل وحقيقته خراب، وإن الست لما تنقذ نفسها، هي في الحقيقة بتنقذ ولادها كمان من إنهم يكبروا وهم فاكرين إن الإهانة حاجة عادية.

وقبل ميعاد ولادتها بأيام قليلة، حصلت المفاجأة اللي أكدت لي إن ربنا أحيانًا بيكشف الحق في وقته. واحدة من قرايب “رامي” اللي كانت حاضرة يوم الضيوف، كلمتني وقالت إنها ماقدرتش تسكت بعد اللي شافته، وإن “فوزية” طول عمرها معروفة بقسوتها وإن فيه ناس كتير كانت بتشوف وتعدي، لكنها لما شافت الزرقان في إيد “هبة” واتعاملهم البارد مع الموضوع، فهمت إن السكوت بقى مشاركة. شهادتها ما كانتش بس ورقة في قضية، كانت صفعة لسنين من التواطؤ الاجتماعي اللي بيخلي البيوت المؤذية تعيش لأن الناس بتقول: “مالناش دعوة”. الحقيقة إن كل واحد شاف ظلم وسكت، حط طوبة في سجن الضحية.

ويوم الولادة، وأنا واقفة قدام أوضة العمليات، كنت فاكرة كل لحظة عدت بينا. من أول رعشة إيد “هبة” وهي شايلة صينية العصير، لحد سرير المستشفى، لحد الورق اللي بنجهزه، لحد الليلة اللي نامت فيها في أوضتها القديمة عندي وبكت كأنها طفلة تاهت ولقت طريقها أخيرًا. ولما خرج الدكتور وقال إن ربنا رزقها ببنت سليمة جميلة، حسّيت إن الكون كله بيبتدي من جديد. دخلت عليها، وكانت مرهقة لكن وشها لأول مرة من شهور فيه هدوء، وبصت للبيبي الصغيرة وقالتلي بصوت مبحوح: “مش هخليها تعيش اللي أنا عشته.” الجملة دي كانت نهاية مرحلة وبداية عمر. حضنتها وقلت: “ولا إنتي كمان هتعيشيه تاني.”

بعدها بشهور، ماكانش الطريق سهل، لكن كان واضح. “هبة” بدأت تقف على رجلها واحدة واحدة، رجعت تفتكر نفسها، تاخد بالها من شكلها، من أكلها، من نفسيتها، من ولادها، من حقها في الهدوء. ما بقتش الست اللي تمشي على أطراف صوابعها خوفًا من صوت حد، ولا اللي تعتذر عن إنها موجوعة. كانت لسه بتطيب، لكن الطيب ده كان حقيقي، مش التظاهر القديم بالقوة. وأنا كنت كل ما أبص لها أحمد ربنا إنه اداني الجرأة في اللحظة المناسبة، وإن بنتي قدرت تخطي عتبة الباب اللي كانت خايفة منه. فهمت يومها إن أعظم إنقاذ مش إنك تكسبي معركة بالصوت العالي، لكن إنك تفتحي قدام اللي بتحبيه باب النجاة وقت ما يكون ناسي أصلًا إن فيه باب.

أما “رامي”، فالحقيقة إن سقوطه ماكانش في خروج “هبة” من بيته وبس، سقوطه الحقيقي كان في اللحظة اللي اختار فيها يبقى متفرج. لأنه مهما حاول يلوم أمه أو الظروف أو العصبية أو ضغط الشغل، عمره ما هيهرب من الحقيقة: إنه سلّم مراته للخوف، وباع رجولته في أول لحظة احتاجت منه موقف. والراجل اللي يسيب الست اللي شايلة اسمه وولاده تتكسر، ما يخسرهاش هي بس، ده يخسر احترامه لنفسه قبل أي حاجة. يمكن الناس تشوفه بعد كده عادي، ويمكن يكمل حياته، لكن في حاجات لما تنكسر جوه الإنسان ما بترجعش، وكرامته كرجل كانت أول حاجة انكسرت يوم وقف عند الباب يمنع واحدة مكسورة من النجاة بدل ما يفتح لها الطريق.

أما أنا، فعمري ما هنسى الليلة دي، ولا هنسى إن الشر أحيانًا ما بيبقاش شكله مخيف من أول نظرة، أحيانًا بيبقى لابس عباية النظام والتقاليد والحرص على البيت، وبيتكلم باسم الخوف على السمعة، لكنه في جوهره بيبقى نفس القبح: قهر، وتحكم، وسحق لروح حد أضعف أو أطيب أو محاصر. وعشان كده، لو في حاجة اتعلمتها من كل اللي جرى، فهي إن البيت اللي مافيهوش رحمة ما يستحقش اسم بيت، وإن الست لما تقول “أنا تعبانة” لازم نصدقها قبل ما توصل لمرحلة إنها تنسى شكلها في المراية، وإن الأم أحيانًا لازم تقف ضد ابنها نفسه لو اكتشفت إنه بقى مصدر أذى مش سند. لأن الحب الحقيقي مش مجاملة، والأمومة الحقيقية مش دفاع أعمى، لكن شجاعة إنك تقولي للغلط: لأ، حتى لو كان لابس ملامح ابنك.

وهكذا، ماكانش السؤال في الآخر: هل هبة قدرت تخرج من الباب؟ السؤال الحقيقي كان: هل قدرت ترجع لنفسها بعد ما خرجت؟ والإجابة، بعد وجع طويل، كانت نعم. خرجت من باب بيت ظالم، لكنها في الحقيقة خرجت من خوف عمر كامل، وابتدت تتعلم تمشي من جديد، مش كضحية نجت بالعافية، لكن كامرأة فهمت أخيرًا إن كرامتها مش رفاهية، وإن نجاتها حق، وإن البنت اللي اتربت يومًا على إنها قوية، لسه عايشة جواها، مهما حاولوا يدفنوها. ويمكن ده هو الانتصار الحقيقي، مش الفضيحة، ولا التهديد، ولا الرعب اللي بان على وشوشهم، لكن إن الست اللي كانوا فاكرينها اتكسرت، قامت، وشالت عيالها، وعدّت الباب، ومبصتش وراها تاني.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان