اللمة المسمومة
من اللحظة الأولى التي خطت فيها نورا قدمها داخل بيت عائلة كريم، شعرت بشيء لم تستطع تفسيره بالكلمات. لم يكن خوفًا واضحًا، ولا توتر عروس جديدة تدخل بيتًا غريبًا، بل إحساس أعمق… كأن الجدران نفسها تراقبها. البيت كان ضخمًا أكثر مما توقعت، سقوف عالية، ستائر ثقيلة لا يدخل منها الضوء إلا خيطًا باهتًا، ورائحة قديمة لا تشبه بيوت الناس، رائحة خليط بين بخور عتيق وخشب رطب احتفظ بأسرار سنوات طويلة.
الجميع استقبلها بحفاوة مبالغ فيها. طنط زوزو كانت أول من احتضنها، امرأة ممتلئة بوجه دائم الابتسام، لكن ابتسامتها لم تصل أبدًا إلى عينيها. كانت تهز قدمها بلا توقف وكأن جسدها لا يعرف السكون، وتوزع نظراتها بين الحضور بسرعة غريبة، ثم جلست على رأس السفرة تغرف الأرز وهي تقول بصوت حنون أكثر مما ينبغي: “نورتي يا نورا يا حبيبتي… والله القصر كان ناقصه ضحكتك.”
ضحك الجميع، بينما شعرت نورا أن الكلمات لم تكن مجرد ترحيب، بل إعلان دخول رسمي إلى عالم لا تفهم قواعده بعد. جلست بجوار كريم، زوجها الذي بدا هادئًا بشكل غير طبيعي. كان يأكل دون أن يرفع رأسه، بحركات متكررة ميكانيكية، كأن وجوده جسدي فقط بينما عقله في مكان آخر.
حاولت نورا كسر الصمت فسألت عن تاريخ البيت، لكن السؤال مرّ دون إجابة واضحة. عفاف، أخت كريم الكبرى، اكتفت بابتسامة جانبية وهي تكسر قطعة محشي بين أصابعها ببطء وقالت: “الهدوء هنا مش أي حد يستحمله… بس اللي يتعود عليه، عمره ما يعرف يعيش بره.”
الكلمات علقت في صدر نورا طوال العشاء. كانت تشعر أن الجميع يعرف شيئًا عنها قبل أن تعرفه هي عن نفسها. حتى حين ضحكوا، بدا الضحك متفقًا عليه مسبقًا، وكأنهم يؤدون مشهدًا محفوظًا.
وقبل انتهاء السهرة، أعلنت زوزو فجأة أن الشاي سيكون عند “ستو” في الدور الثالث عند منتصف الليل. ساد صمت قصير، ثم أومأ الجميع بالموافقة دون نقاش، وكأن الأمر طقس لا يجوز الاعتراض عليه.
الدور الثالث كان مغلقًا دائمًا. طوال الأيام السابقة لم ترَ أحدًا يصعد إليه. السلم المؤدي له أضيق، والإضاءة فيه ضعيفة، وكل درجة كانت تصدر صوتًا مكتومًا تحت قدميها. كلما اقتربت من الأعلى، شعرت أن الهواء أصبح أثقل، كأنها تصعد داخل صدر كائن حي.
حين دخلت الصالة الكبيرة، وجدت العائلة كلها جالسة في دائرة شبه مكتملة تحت ضوء أصفر خافت. في المنتصف جلست “ستو” على كرسي هزاز، جسدها ملفوف ببطانية صوف رغم حرارة الصيف. وجهها بالكاد ظاهر خلف التجاعيد، وعيناها نصف مغلقتين كأنها نائمة… أو تنتظر.
اقتربت زوزو من نورا وهمست في أذنها: “خدي العصير من إيد ستو… دي علامة الرضا. اللي يشربه يبقى مننا.”
ترددت نورا لحظة. بحثت بعينيها عن كريم، فوجدته واقفًا بعيدًا يراقب المشهد بصمت. لم يبتسم، لم يشجعها، فقط نظر إليها بنظرة لم تفهمها… خليط بين القلق والترقب.
مدّت ستو يدها ببطء وقدمت الكأس. كان العصير داكن اللون، ورائحته غريبة، تشبه المسك لكن بطعم مرّ يخدش الحلق. ما إن ابتلعت الرشفة الأولى حتى شعرت بثقل يسري في أطرافها، وكأن الأرض تبتعد عنها تدريجيًا.
الأصوات بدأت تتداخل. الحوائط بدت أقرب مما كانت. الضوء يتمدد وينكمش. حاولت الوقوف لكن جسدها لم يستجب. ومع انزلاقها نحو الغياب، سمعت صوت زوزو يتغير تمامًا، خالٍ من الحنان:
“تفتكروا دي هتستحمل؟”
ردت عفاف ببرود: “قلبها لسه نضيف… البيت محتاج النوع ده.”
فتحت نورا عينيها بصعوبة، لتجدهم واقفين حولها في دائرة. المفاجأة لم تكن في وجوههم الجامدة، بل في ستو التي وقفت على قدميها بثبات كامل، دون أي أثر للضعف الذي ادعته. البطانية سقطت، وللحظة شعرت نورا أن ظل قدميها لا يشبه ظل إنسان.
اقترب كريم أخيرًا، جلس بجوارها وقال بصوت هادئ مرعب: “إحنا مش بنأذي حد… إحنا بس بنحافظ على البيت. كل بيت ليه تمن يعيش بيه… وبيتنا بيعيش على خوف اللي يدخله.”
أخرجت زوزو وعفاف سكاكين فضية صغيرة، لكنها لم تُوجه نحو نورا. بدأتا بغرسها في المرتبة التي ترقد عليها. مع كل غرزة، شعرت نورا بأن شيئًا غير مرئي يُسحب منها… ذكرياتها، دفء طفولتها، إحساسها بالأمان. الجدران أصدرت صوتًا خافتًا يشبه تنفسًا بطيئًا.
البيت كان حيًا… وهذا الإدراك كان أكثر رعبًا من أي شيء آخر.
لم تصرخ نورا. لم تستطع. شعرت فقط بأن خوفها يتحول إلى فراغ، والفراغ إلى هدوء بارد لا يشبهها.
وعندما أشرقت الشمس في اليوم التالي، كانت جالسة على السفرة نفسها. نفس الأطباق، نفس الوجوه… لكن شيئًا تغير. وجهها شاحب، وعيناها خاليتان من الدهشة.
دخلت مروة، قريبة العائلة القادمة من السفر، تجر حقيبتها وتضحك بتوتر العابر الجديد. رفعت نورا رأسها ببطء، وابتسمت ابتسامة صفراء مألوفة.
وقفت، اقتربت منها بنفس الخطوات التي كانت زوزو تمشيها ليلة أمس، وقالت بصوت دافئ محفوظ:
“نورتي يا مروة يا حبيبتي… والله البيت كان ناقصه ضحكتك.”
ثم مدت يدها بكأس العصير.
في تلك اللحظة فقط، اكتمل الفهم. نورا لم تنجُ… لكنها لم تعد ضحية أيضًا. البيت أخذ خوفها… وأعطاها مكانًا داخله.
والدائرة استمرت، كما استمرت قبلها بسنوات طويلة، وكما ستستمر بعد كل عروس جديدة تدخل الباب وهي تظن أنها بدأت حياة… بينما الحقيقة أنها كانت فقط تبدأ دورها في اللمة المسمومة.
لم تكن المشكلة إن نورا استيقظت الصبح وهي حاسة إنها اتغيرت… المشكلة إن التغيير كان هادي جدًا، من النوع اللي يخليك تشك في نفسك: يمكن ده تعب؟ يمكن ليلة طويلة؟ يمكن توتر عروس جديدة؟ لكن أول ما بصّت في المراية، عرفت إن اللي حصل مش إرهاق ولا قلة نوم. عينها كانت نفسها… بس مش بتبص بنفس الطريقة. فيه برود خفيف في النظرة، زي طبقة زجاج رقيقة اتحطت بين قلبها وبين الدنيا.
نزلت المطبخ على صوت الملاعق، فشافت زوزو واقفة بتغرف الشاي، وعفاف بتقطع جبنة قديمة على طبق، والكل بيتكلم في حاجات عادية جدًا: أسعار، زيارات، أخبار قرايب… كأن الليلة اللي فاتت كانت حلم مشترك واتفقوا ينكروه. الغريب إن نورا نفسها كانت بتشاركهم الضحك… ضحكة قصيرة، محسوبة، زي ضحكة حد اتعلمها مش حسّها. حاولت تفتكر آخر لحظة قبل ما تغيب عن الوعي، فتلاقي دماغها بتزوّغ، كأن فيه باب اتقفل على ذكريات معينة بقفل ملوش مفتاح.
دخل كريم أخيرًا. كان لابس قميصه الأبيض ومرتب شعره، وكأنه راجع من شغل مش من ليلة اتقلب فيها شكل الحياة. قعد جنبها من غير ما يسألها إذا كانت كويسة، من غير ما يعتذر، ولا حتى يبص في عينها. بس وهو بيحط السكر في الشاي، همس لها همسة سريعة جدًا: “متفتيش ورا اللي مايتفتش وراه… عشان اللي بيدوّر كتير، البيت بيعرف يدوّره هو كمان.”
الهمسة كانت ناعمة… لكن معناها كان حاد زي السكينة.
قبل ما ترد عليه، سمعت صوت شنطة بتتسحب في الرواق. مروة… الضيفة الجديدة. كانت لسه داخلة البيت من دقايق، ولسه وشها فيه ملامح السفر، وعيونها بتلمع بفضول الناس اللي فاكرة إن زيارة عيلة جوز قريبتها حاجة لطيفة وواجب اجتماعي وخلاص. نورا قامت تلقائيًا، كأن جسمها بيتحرك لوحده، وابتسامتها طلعت بنفس اللون الأصفر اللي كانت بتكرهه في زوزو.
قربت من مروة وقالت الجملة اللي بقت محفوظة في لسانها: “نورتي يا مروة يا حبيبتي… والله البيت كان ناقصه ضحكتك.”
الكلمة طلعت دافية، متقنة… لكن جواها كان في حاجة بتتفرج على نفسها وهي بتقولها، زي واحدة اتحبست وبتشوف جسمها وهو بيمثل عنها.
مروة ضحكت وقالت: “إيه ده؟ أنا كده دخلت القصر ولا إيه؟ ده البيت كبير أوي!”
هنا زوزو دخلت بسرعة وهي شايلة صينية عصير، وقالت: “ده بيتكم يا بنتي… وبعدين إحنا عندنا شوية عادات كده كده… لازم الضيفة تشرب العصير بتاع ستو، علامة الرضا.”
مروة ماخدتش الموضوع بجد. مسكت الكوباية بهزار: “ده عصير إيه؟ مانجا؟”
عفاف ضحكت ضحكة مكتومة، نفس الضحكة اللي كانت بتضحكها لما تبقى عارفة حاجة محدش غيرها عارفها.
نورا كانت واقفة، بتبص على إيد مروة وهي بتقرب الكوباية من شفايفها، وفي قلبها حاجة بتصرخ: “لا… ماتشربيش.” بس الصرخة دي كانت ضعيفة، مكتومة، زي صرخة في أوضة مقفولة. وفوق الصرخة دي كان في صوت تاني أكبر وأهدى بيقول: “ده لازم يحصل… ده ترتيب البيت.”
ولما مروة شربت، نورا حسّت إن جدار جديد اتبنى جواها، جدار ثابت يقفل على آخر جزء إنساني كان بيحاول يرفض.
الليلة دخلت بسرعة غريبة. كأن النهار اتبلع. الساعة قربت على 12. وطلعوا الدور التالت تاني… بس المرة دي نورا هي اللي مشيت قدامهم. كانت بتحاول تقنع نفسها إنها بتعمل ده عشان تراقب، عشان تفهم، عشان تمنع. لكنها وهي بتطلع السلم، كانت حاسة إن البيت بيرحب بيها، وإن الخطوات بقت أخف، وإن الهوا اللي كان خانقها المرة اللي فاتت… بقى مألوف، شبه حضن بارد.
في الصالة الكبيرة، ستو كانت قاعدة على كرسيها الهزاز. نفس التجاعيد، نفس السكون، نفس البطانية. لكن نورا المرة دي لاحظت تفاصيل مكنتش شايفاها: حركة الكرسي كانت متناسقة مع صوت خفيف في الحيطان… زي نبض بعيد. وكان فيه خط رفيع على الأرض، رسمة شبه دائرة مطموسة، كأنها اتكررت كتير لحد ما البلاط اتآكل تحتها.
مروة بدأت تضحك بصوت واطي: “هي ستو نايمة؟”
زوزو رفعت صباعها: “شش… ستو بتسمع حتى وهي ساكتة.”
الكلمة دي عملت قشعريرة في ضهر مروة، وخلتها تسكت فجأة.
نورا قربت من ستو من غير ما حد يطلب. ولأول مرة، حسّت إن ستو بتشم ريحتها… مش بعيونها، لأ، بحاسة تانية. كأن العجوز بتقرأ اللي جواها. فجأة ستو فتحت عينها، عين واحدة بس، وحدقت في نورا. وفي اللحظة دي، نورا شافت في العين دي حاجة مش بشرية: سواد عميق، وفيه لمعة زي معدن قديم.
ستو قالت بصوت متقطع كأنه خارج من خشب: “رجعتي…”
نورا بلعت ريقها: “أنا… أنا هنا.”
ستو هزت راسها: “مش انتي… اللي جواكي.”
مروة كانت بتتلفت، مش فاهمة. كريم وقف بعيد كالعادة، لكن عينيه كانت بتتابع نورا، كأنه بيستنى منها خطوة معينة.
عفاف مدت إيدها لزوزو، وزوزو طلعت السكاكين الفضية الصغيرة. نورا اتجمدت. قلبها حاول يرجع يدق بقوة. لكن البيت كان أسرع. الحيطان أصدرت نفس النفس العميق اللي سمعته الليلة اللي فاتت. والنور الأصفر خفت أكتر، وبقى فيه ظل بيتحرك على السقف مع إن مفيش أي حاجة بتتحرك.
مروة حاولت تقوم: “أنا مش مرتاحة… أنا هنزل.”
زوزو ابتسمت ابتسامة صفرا: “الموضوع بسيط… بس دقيقة واحدة… دي عادة.”
مروة رجعت تقعد غصب عنها، كأن رجليها اتربطوا. حاولت تصرخ، لكن صوتها طلع خافت، مخنوق.
هنا، لأول مرة، نورا فهمت إن العصير مش بس بينوّم… العصير بيحطّف إرادة اللي يشربه، يخليه حاضر بجسمه وغايب بقراره. وده كان سر اللمة… إن الضحية تشوف كل حاجة، وتسمع كل حاجة، بس ما تقدرش تمنع.
ستو وقفت مرة واحدة. البطانية وقعت. ومروة شهقت… لأنها شافت اللي نورا شافته قبل كده: الرجلين… اللي مش رجلين. مش بشكل صادم فجّ، لكن كفاية يخليك تحس إنك بتبص على شيء متنكر طول عمره في جلد بشر.
ستو قربت من مروة، ووشها بقى قريب جدًا منها. مروة كانت بتعيط بصمت. ستو شمّت خوفها حرفيًا، وكأن الدموع ريحة. وبعدين قالت: “البيت جعان.”
زوزو ردت بلهفة: “موجود يا ستو… موجود.”
عفاف قالت: “دي ضحكتها حلوة… والخوف فيها صافي.”
نورا صرخت جواها تاني، بس الصرخة اتكسرت. لأنها في نفس اللحظة… حسّت بحاجة تانية بتطلع منها، حاجة بتتمدد جوه صدرها كأنها بتتعلم تتغذى زيهم. شعور مريض… لكنه حقيقي: جزء منها كان بيحس بالراحة لما مروة بتنهار.
اتخضت من نفسها. حاولت تبص لكريم تستنجد. كريم بص لها نظرة سريعة جدًا وقال بعينيه: “إحنا اتورطنا من زمان… اللي يخرج يتكسر.”
زوزو وعفاف بدأوا يغرسوا السكاكين الفضية في المرتبة تاني… لكن المرة دي، نورا لاحظت إن المرتبة مش مرتبة. القماش كان بيتحرك تحت السكينة، كأنه جلد. وكل غرزة كانت بتطلع صوت خفيف… صوت رضا.
مروة بدأت تفقد وعيها. لكن قبل ما تغيب، بصّت لنورا بعيون مستغيثة، وقالت بكلمة متقطعة: “إنتي… هتسيبيني؟”
نورا حاولت ترد: “لا.”
لكن اللي طلع من فمها كان: “هدي نفسك… دي علامة الرضا.”
اتسعت عين مروة رعبًا. الكلمة طلعت من نورا وكأنها مش بتاعتها. وهنا فهمت نورا الحقيقة الأقسى: البيت مش بس بياخد خوف الغريب… البيت بيحوّل اللي اتاخد منه الخوف إلى وسيط. واحد يساعده يجيب خوف جديد.
بعد دقائق… الهدوء رجع. ستو رجعت تقعد على كرسيها الهزاز، وكأنها عجوزة تانية. زوزو عدلت شعرها، وعفاف مسحت إيديها بمنديل أبيض كأنها خلصت أكلة. كريم فضل واقف في مكانه، وعيونه بتلمع بوجع مكتوم.
أما نورا… كانت واقفة في النص، حاسة إن البيت بقى عارف اسمها الحقيقي. مش نورا… لأ… حاجة تانية اتسمّت جوّاها الليلة دي.
الصبح، مروة كانت على السفرة بتفطر. وشها شاحب، وعينيها مطفية… نفس الطفّي اللي حصل لنورا.
نورا بصّت لها، وحسّت بدمعة بتحاول تطلع… لكن دمعتها ماطلعتش. كأن الدموع اتحولت لحجر.
زوزو قالت بمرح مصطنع: “بُصوا بقى… عقبال ما نفرح بيكي يا مروة… البيت بيحب اللي بيستحمل.”
مروة ابتسمت ابتسامة صفرا… وبصّت لنورا، ثم قالت نفس الجملة بالظبط، كأنها بترفّعها لرتبة جديدة:
“البيت كان ناقصه ضحكتك.”
وفي اللحظة دي، نورا فهمت إن الموضوع مش ليلة واحدة ولا ضحية واحدة. الموضوع سلسلة. وكل حلقة فيها بتتقفل بابتسامة صفرا على سفرة فطار، وبضيفة جديدة داخلة تقول: “إيه ده… البيت كبير أوي!”
والبيت من جواه… يتنفس.
لكن الجزء الأخطر… إن نورا بدأت تسمع صوتًا في الحيطان وهي لوحدها. صوت مش زي تنفس البيت وقت الطقوس. صوت أقرب لهمس… بيقول اسمها.
وفي نفس الليلة، وهي داخلة أوضتها، لقت على الكومود ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط قديم:
“اللي اختارك كريم… مش صدفة. البيت اختارك قبله.”
قلبها دق لأول مرة بقوة من يومين.
يعني إيه البيت اختارها؟
يعني كريم… مجرد وسيط؟
ولا كريم نفسه… ضحية قديمة اتحولت لبواب؟
حاولت تروح لكريم تسأله، لكن لما فتحت باب أوضته… لقت المفاجأة اللي خلت دمها يبرد:
كريم كان واقف قدام المراية… وبيحاول يقلع خاتم جوازه… والخاتم كان ماسك في صباعه كأنه جزء من جلده. كل ما يشده، يطلع صوت خفيف زي صرير حديد على عظم.
ولما شافها في المراية، ما اتخضش. بالعكس… ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
“الخاتم ده… مش خاتم. ده قفل. والبيت… مفتاحه عند ستو.”
نورا رجعت خطوة لورا.
قالت بصوت متحشرج: “يعني… إحنا محبوسين؟”
كريم رد بهدوء قاتل: “إحنا مش محبوسين بس… إحنا جزء من البيت. والبيت لما يجوع… بيطلب مننا نطعمه.”
في الليلة دي، نورا ماعرفتش تنام. سمعت الهمس أكتر. وشافت في الحلم باب في آخر ممر طويل في الدور التالت… باب عمرها ما شافته مفتوح.
وفي الحلم، ستو واقفة قدامه وبتقول:
“لما تعرفي سر الباب… هتعرفي ليه انتي اتاخدتي بسرعة… وليه اللي قبلك ماتت.”
صحيت نورا وهي بتترعش.
لأول مرة بجد… حسّت إنها لازم تختار:
يا إما تفضل واحدة منهم وتكمّل الدائرة…
يا إما تدور على سر الباب وتقلب اللعبة… حتى لو كان الثمن إن البيت يفتكرها “خاينة”… والبيوت الخاينة ما بتسامحش.
ومن هنا… بدأت الحكاية الحقيقية.