آخر رسالة من رقم ميت… لما أبوها الميت بعت لها رسالة وأنقذها من حاجة كانت جوه بيتها

آخر رسالة من رقم ميت… لما أبوها الميت بعت لها رسالة وأنقذها من حاجة كانت جوه بيتها


كانت الساعة داخلة على اتنين وربع بعد منتصف الليل، والوقت ده بالذات دايمًا بيبقى له إحساس غريب… إحساس إن الدنيا كلها نايمة، وإنك لوحدك تمامًا حتى لو في ناس حواليك. مريم كانت ممددة على سريرها، لا نايمة ولا صاحية، بتتقلّب من جنب لجنب، وعينيها مفتوحة نص فتحة كأنها مستنية حاجة مش عارفة هي إيه.

الجو كان ساكن بشكل غير مريح، السكون اللي يخليك تلاحظ تفاصيل عمرك ما كنت بتاخد بالك منها… صوت تنفسك، احتكاك الملاية، وحتى دقات قلبك اللي كانت باينة أوضح من اللازم. فجأة، وسط الهدوء ده، شاشة موبايلها نورت على الكومودينو جنبها.

النور كان بسيط، لكنه كسر الصمت بطريقة خلتها تركز فورًا. مدت إيدها ببطء، مش من الكسل قد ما هو إحساس داخلي خفيف إن في حاجة مش طبيعية. أول ما مسكت الموبايل وفتحت الإشعار، حصلت لحظة صمت جواها… لحظة قصيرة، لكنها كفيلة توقف التفكير كله.

رسالة واتساب… من رقم غريب.

لكن الرقم ما كانش هو المشكلة.

الصورة كانت.

الصورة كانت لوالدها.

عينيها ثبتت على الشاشة، كأنها مش مستوعبة اللي شايفاه. حاولت تقنع نفسها إنها ممكن تكون صورة شبهه، أو صورة قديمة حد بيستخدمها، لكن كل تفصيلة فيها كانت مألوفة بشكل مؤلم… نفس النظرة، نفس الابتسامة الهادية، نفس القميص اللي كانت دايمًا تقوله إنه لايق عليه.

المشكلة إن الصورة دي ما كانتش المفروض تظهر تاني.

لأن أبوها… مات من ست شهور.

ست شهور وهي بتحاول تتعايش مع الفكرة، تقنع نفسها إن الغياب ده طبيعي، وإن كل الناس بتمر بده، وإن الحياة لازم تكمل. كانت بتنجح أوقات، وتفشل أوقات تانية. لكن في اللحظة دي، كل اللي بنته جواها وقع مرة واحدة.

فتحت الرسالة.

“اقفلي النور… واعملي نفسك نايمة.”

قرأت الجملة أكتر من مرة، كأنها مستنية معناها يتغير. ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة مش نابعة من اقتناع، بل من محاولة سريعة للهروب من الخوف. همست لنفسها: “أكيد حد بيهزر… هزار سخيف بس.”

لكن الإحساس اللي في صدرها ما راحش.

وقبل ما تلحق تستوعب أكتر، وصلت رسالة تانية:

“في حد في الشقة عندك.”

الضحكة اختفت فورًا، وكأنها ما حصلتش. جسمها شد، وعينيها اتحركت ببطء حوالين الأوضة. كل حاجة كانت في مكانها… بس في حاجة ناقصة.

الصوت.

مفيش صوت تكييف… رغم إنها كانت سيباه شغال. مفيش صوت من الشارع. حتى الكلاب اللي تحت، اللي عمرها ما بتسكت، كانت ساكتة تمامًا.

السكون بقى تقيل.

مسكت الموبايل بإيدين مش ثابتين وكتبت بسرعة:
“مين؟ انت مين؟!”

الرد ما تأخرش.

“مش مهم أنا مين… المهم إنك تسمعي الكلام.”

قلبها بدأ يدق بشكل أسرع، مش بس من الخوف، لكن من إحساس إنها دخلت في حاجة أكبر منها. كانت عايزة تقفل كل ده، تنهيه، بس إحساسها بالخطر كان بيكبر بدل ما يقل.

“امشي على أطراف صوابعك… واقفلي باب أوضتك بهدوء.”

وقفت لحظة مكانها، عقلها بيحاول يلحق الأحداث، بس جسدها سبقها. نزلت رجلها من على السرير بحذر، وكأن الأرض ممكن تفضحها لو دست بقوة. كل خطوة كانت محسوبة، وكل حركة كانت أبطأ من اللي قبلها.

وصلت للباب، مسكت المقبض، ولفته ببطء شديد لحد ما الباب اتقفل من غير صوت تقريبًا. ساعتها بس حسّت قد إيه إيديها كانت بتترعش.

الموبايل اهتز تاني.

“افتحي الكاميرا الأمامية… من غير فلاش… ووجهيها ناحية الباب.”

بلعت ريقها، وترددت لحظة، بس الخوف كان أقوى من أي اعتراض. نفذت اللي اتقال لها، ورفعت الموبايل بإيد غير مستقرة.

بصّت في الشاشة.

مفيش حاجة.

ثواني عدت…

وفجأة، مقبض الباب اتحرك.

الحركة كانت بطيئة… لكن واضحة جدًا.

شهقت بسرعة، وحطت إيدها على بُقها تكتم الصوت. عينيها دمعت من الرعب، وهي مش قادرة تبعد نظرها عن المشهد.

رسالة وصلت:
“شايفة؟”

كتبت وهي شبه فاقدة السيطرة:
“انت مين؟! ازاي عارف؟!”

الرد كان مختصر لدرجة مرعبة:

“أنا شايفك.”

الإحساس دي كان كفاية يخليها تحس إنها مكشوفة تمامًا، كأن في عين بتراقبها من مكان مش شايفاه. بعدها فورًا:

“تحت السرير… بسرعة.”

ما سألتش، ما فكرتش… نزلت على الأرض بسرعة، وزحفت تحت السرير. المساحة كانت ضيقة، والنور خافت، وكل حاجة باينة بشكل مختلف… أوضح وأخطر في نفس الوقت.

وبعدين سمعت الصوت.

خطوات.

تقيلة… بتيجي ناحيتها.

كل خطوة كانت بتقرب، وكل نبضة في قلبها كانت أعلى من اللي قبلها.

وبعدين…

الباب اتفتح.

من مكانها، شافت رجلين راجل واقف جوه الأوضة. واقف بثبات، كأنه بيدوّر، أو مستني حركة صغيرة تكشفها.

الموبايل اهتز في إيديها:
“ما تتحركيش.”

وهي أصلًا ما كانتش قادرة.

الراجل اتحرك خطوتين، وقف، سكت… الصمت كان تقيل بشكل يخنق. الوقت بقى بطيء جدًا، لدرجة إنها فقدت الإحساس بيه.

وفجأة… الراجل لف وخرج.

الباب اتقفل تاني.

فضلت مكانها، مش قادرة تتحرك، كأن جسمها نسي إزاي يتحرك أصلاً.

“لسه ما تطلعيش.”

عدت دقايق طويلة جدًا، لحد ما رسالة جديدة ظهرت:

“دلوقتي اخرجي… واطلعي برا الشقة فورًا.”

طلعت ببطء من تحت السرير، وقفت بصعوبة، وفتحت الباب بحذر. الشقة كانت فاضية… لكن باب الشقة الرئيسي كان مفتوح.

مفتوح على الآخر.

جريت من غير ما تبص وراها، نزلت السلم بسرعة، نفسها مقطوع، وعينيها مليانة دموع. أول ما وصلت الشارع، وقفت تحاول تاخد نفسها، وبعدين اتصلت بالشرطة.

بعد وقت مش طويل، رجعت معاهم الشقة.

بدأوا يفتشوا كل حاجة… وكل حاجة كانت طبيعية بشكل مريب. مفيش أي دليل على وجود حد.

لحد ما ضابط سألها:
“انتي كنتي فين؟”

أشارت على أوضتها.

دخلوا… وبصوا تحت السرير.

وفي اللحظة دي…

صرخت.

كان في موبايل قديم… عليه طبقة تراب… ومفتوح.

الضابط مسكه وسأل:
“ده بتاع مين؟”

بصّت كويس… واستوعبت.

وقعت.

ده كان موبايل أبوها.

نفس الموبايل اللي اتدفن بيه.

الشاشة كانت مفتوحة على آخر رسالة:

“لو قريتي الرسالة دي… يبقى أنا لحقتك.”

في اللحظة دي، الخوف ما كانش هو الإحساس الوحيد… كان في حاجة تانية، أهدى، أعمق… إحساس غريب إن في حد كان موجود علشانها.

حتى لو مش مفهوم إزاي…

بس واضح ليه.

مريم ما نامتش الليلة دي.

رغم إنها كانت في بيت خالتها، وسط ناس، وسط صوت تلفزيون شغال ونور مالي المكان، لكن جواها كان في حاجة لسه مظلمة ومقفولة… حاجة ما اتهدتش حتى وهي بعيدة عن الشقة. كانت قاعدة على الكنبة، ضامة رجليها لصدرها، وعينيها ثابتة على الموبايل اللي في إيدها، كأنها مستنية حاجة تحصل.

عدى ساعات، ولا رسالة جديدة وصلت.

وده كان المفروض يطمنها.

بس اللي حصل كان العكس.

السكوت كان مرعب أكتر.

كل شوية تفتح واتساب، تبص على نفس المحادثة… نفس الصورة… نفس آخر جملة:

“لو قريتي الرسالة دي… يبقى أنا لحقتك.”

الكلمة دي بالتحديد كانت واقفة في دماغها… “لحقتك”.

يعني إيه؟

لحقتها من إيه؟

السؤال كان بيكبر، والإجابات مش موجودة.

في لحظة، خالتها نادتها من المطبخ، تسألها لو عايزة تاكل حاجة. مريم ردت عليها بصوت عادي، أو على الأقل حاولت تخليه عادي. كانت مش عايزة حد يحس إنها مش كويسة، أو إن في حاجة أكبر من اللي اتقال.

بس الحقيقة… إنها ما كانتش قادرة تفسر.

ولا حتى لنفسها.

مع أول ضوء للفجر، الإحساس الغريب بدأ يخف شوية، زي أي خوف بيهدى مع النور. أقنعت نفسها إن اللي حصل ممكن يكون له تفسير… يمكن حد اخترق الموبايل، يمكن حد كان بيراقبها، يمكن…

بس رغم كل المحاولات دي، في حاجة واحدة كانت رافضة تتفسر.

موبايل أبوها.

اللي المفروض اتدفن.

رجعت الشقة تاني تاني يوم، بعد ما الشرطة خلصت كل الإجراءات. حاولت تدخل وهي متماسكة، بس أول ما فتحت الباب، نفس الإحساس رجع لها… الإحساس إن المكان مش زي ما كان.

مش لأن في حاجة اتغيرت…

لكن لأنها هي اللي اتغيرت.

مشت جوه الشقة ببطء، عينيها بتلف في كل زاوية، كأنها بتتأكد إن مفيش حد مستخبي. كل حاجة كانت في مكانها… عادية… بشكل يضايق.

دخلت أوضتها.

وقفت عند الباب لحظة… وبعدين بصّت تحت السرير.

فاضي.

مفيش موبايل.

اتنهدت ببطء، مش عارفة ترتاح ولا تقلق أكتر.

“أخدوه مع الأدلة… طبيعي.”

قالتها لنفسها، كأنها بتحاول تقفل الموضوع.

عدى اليوم ببطء شديد، وكل حاجة كانت ماشية عادي… زيادة عن اللزوم. الليل بدأ يدخل تاني، ومعاه نفس الإحساس القديم. حاولت تنام بدري، كأنها بتهرب من الوقت نفسه.

لكن النوم ما جاش بسهولة.

قعدت على السرير، النور مقفول، والموبايل في إيدها.

2:16.

بصّت في الساعة… وقلبها شد.

2:17.

الشاشة نورت.

نفس الرقم.

نفس الصورة.

نفس الإحساس اللي بيرجع أقوى.

الرسالة كانت قصيرة:

“ما رجعتيش لوحدك.”

جسمها كله اتجمد.

رفعت عينيها ببطء… وبصّت حواليها.

الأوضة كانت زي ما هي.

بس قلبها كان بيقول غير كده.

كتبت بإيد بتترعش:
“يعني إيه؟!”

الرد جه بعد ثواني:

“في حاجة دخلت معاكي.”

المرة دي، الخوف كان مختلف.

مش خوف من حد برّه…

لكن من حاجة قريبة جدًا.

جوا نفس المكان.

الموبايل اهتز تاني:

“بصي في المراية.”

لفّت راسها ببطء ناحية المراية اللي قدام الدولاب.

وشها كان شاحب… عينيها مرهقة…

بس ده مش اللي خلاها تتجمد.

في حاجة وراها.

مش واضحة.

ظل… أو حركة… أو يمكن مجرد إحساس.

لكن كان في حاجة.

لفّت بسرعة…

مفيش حد.

رجعت تبص في المراية تاني…

الشيء اختفى.

نفسها بدأ يعلى، وصدرها بقى تقيل.

الرسالة وصلت:

“هي مش بتبان غير لما تبصي لنفسك.”

دموعها نزلت من غير صوت.

“أعمل إيه؟!”

كتبتها بسرعة.

الرد كان أطول شوية المرة دي:

“اقفلي النور كله… واقعدي في الضلمة… وما تبصيش في المراية تاني.”

نفذت فورًا، كأنها مفيش خيار تاني. النور اتقفل، والأوضة غرقت في ضلمة تقيلة.

قعدت على السرير، حاسة بكل صوت حواليها… كل نفس… كل حركة صغيرة.

ثواني…

وبعدين…

صوت خفيف.

مش جاي من برّه.

جاي من جوه الأوضة.

حاجة بتتحرك.

ببطء.

الموبايل اهتز:

“ما تبصيش.”

غمضت عينيها، رغم إنها أصلاً في ضلمة.

الصوت قرّب.

قريب جدًا.

لدرجة إنها حست إنه وراها مباشرة.

نَفَس بارد لمَس رقبتها.

شهقت، بس ما فتحتش عينيها.

إيديها مسكت الموبايل بقوة.

الرسالة الأخيرة وصلت:

“أنا هنا… ما تخافيش.”

والصوت… اختفى.

الدنيا رجعت ساكتة.

بس المرة دي…

مريم ما كانتش لوحدها.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي