الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل… الرقم نفسه غريب، مش عارف ليه، بس حسّيته تقيل أول ما شوفته. كنت صاحي، بس مش بإرادتي… النوع ده من الصحو اللي بييجي من غير سبب واضح، كأن جسمك قرر يفوق قبل عقلك، وكأن في حاجة بتشدك من جواك تقولك: “اصحى… في حاجة غلط”.
الغرفة كانت هادية جدًا، هدوء مزعج… مفيش صوت غير مروحة بتلف ببطء، وصوت خفيف جدًا من الشارع بعيد. كنت باصص في السقف، مش بفكر في حاجة محددة، بس حاسس إن في فكرة كبيرة واقفة على باب دماغي ومش راضية تدخل.
وفجأة… الموبايل نور.
مش إشعار عادي… النور كان مفاجئ، قوي شوية، كأنه قطع حالة السكون اللي أنا فيها. عيني اتحركت له فورًا، من غير تفكير. مدّيت إيدي، بس قبل ما أمسكه، حسّيت بحاجة غريبة… تردد. كأن جزء مني مش عايز يشوف.
مسكته في الآخر… وبصيت.
رسالة واتساب.
الاسم…
“سليم”.
في اللحظة دي تحديدًا، قلبي ما دقش أسرع… لا، هو عمل حاجة أغرب… كأنه وقف نص ثانية، وبعدين كمل. الإحساس ده أنا عارفه كويس… إحساس الصدمة اللي جسمك بيحاول يفهمها قبل ما يرد عليها.
سليم مات من 6 شهور.
مش “اختفى”، مش “سافر”، لا… مات. حادثة واضحة، جنازة، عزاء، دموع… كل حاجة حقيقية زيادة عن اللزوم. أنا كنت واقف جنب أهله، شايف النعش وهو بيتقفل، سامع صوت التراب وهو بينزل… التفاصيل دي مش بتتنسى.
فإزاي اسمه قدامي دلوقتي؟
فتحت الرسالة… ببطء، مش خوف بس… رفض. جزء مني كان عايز يفضل شايف الإشعار من غير ما يعرف محتواه.
لكن فتحت.
“أنا عارف إنك مش هتصدق… بس أنا محتاجك. تعالى المكان اللي كنا بنروحه زمان… حالًا.”
قريت الرسالة مرة… واتنين… وتلاتة.
مفيش غلطة… مفيش هزار واضح… نفس أسلوبه، نفس طريقته. حتى كلمة “حالًا”… دي كان بيستخدمها لما يبقى متوتر.
بصيت على آخر ظهور.
“الآن”.
ضحكت ضحكة قصيرة… مش هزار، ضحكة توتر. قلت لنفسي: أكيد حد بيلعب… أكيد في تفسير. بس المشكلة إن مفيش تفسير مقنع.
اتصلت.
الرنة اشتغلت… طبيعية جدًا. الصوت نفسه اللي حافظه.
بس محدش رد.
قفلت… وبصيت حواليّا. الغرفة نفسها بقت مختلفة، نفس المكان، بس الإحساس اتغير… كأن في حاجة دخلت مع الرسالة دي.
لبست بسرعة، من غير ما أخد قرار واضح. القرار اتاخد لوحده… زي إنك تمشي ورا صوت في الضلمة، رغم إنك عارف إنه ممكن يكون غلط.
وأنا نازل، الصوت جوايا كان واضح: “ما تروحش”.
بس رجلي كانت بتنزل السلم.
الشارع كان فاضي بشكل مش مريح… مش فاضي عادي، لا، فاضي كأنه مستني حاجة. الهوا كان تقيل، مش برد بس… فيه إحساس ضغط، كأن الجو نفسه مش مرتاح.
وصلت القهوة القديمة.
المكان اللي كنا بنقعد فيه بالساعات… نضحك، نتخانق، نحكي عن حاجات ملهاش معنى. الوقوف قدامه دلوقتي كان غريب… كأنك بتزور ذكرى، مش مكان.
دفعت الباب.
الصوت طلع أوطى من المتوقع… بس أوضح. دخلت.
كل حاجة في مكانها… بس مفيش روح. الكراسي، التراب، الطاولات… كلهم ساكتين، كأنهم شهود على حاجة حصلت ومحدش قالها.
خطوتين لجوه…
وبعدين الصوت.
كرسي بيتحرك.
ببطء… مقصود.
“كنت عارف إنك هتيجي.”
الصوت دخل في صدري قبل ما يدخل ودني.
لفّيت…
وساعتها، كل حاجة وقفت فعلًا.
سليم.
قاعد.
مش شبهه… لا، هو هو. نفس التفاصيل، نفس القعدة، حتى إيده على الطاولة بنفس الطريقة. بس عيونه… كانت مختلفة. مش مخيفة بشكل مباشر… بس هادية زيادة عن الطبيعي، هدوء مش مريح.
“إنت… إزاي؟”
الكلمة خرجت مني مكسورة.
ابتسم… ابتسامة خفيفة، وقال:
“المفروض إني ماكونش هنا.”
قعدت قدامه، وأنا حاسس إني بحلم… بس التفاصيل حقيقية زيادة عن الحلم.
قال:
“أنا ما موتش زي ما انتوا فاكرين.”
وساعتها… قلبي بدأ يدق.
مش خوف بس… إدراك.
“الحادثة كانت مدبرة.”
سألته:
“مين؟”
بصلي… وقال:
“حد قريب منك.”
الكلمة دي وجعت أكتر من أي حاجة.
كمل:
“هو اللي بلغ عن مكاننا… وهو اللي كان مستني اللحظة.”
سكت شوية… وبعدين قال:
“وأنا… ما متش. أنا اتاخدت.”
“اتاخدت؟”
هز راسه:
“في ناس… مش المفروض تعرف بوجودهم. بيجربوا… على البشر.”
المكان كله حسّيته بيضيق.
“أنا هنا ليه؟”
قال:
“مش هنا بجد… دي فرصة. فرصة واحدة.”
قرب… وقال بهدوء:
“الدور عليك.”
ساعتها… سمعت الخطوات.
تقيلة… ثابتة… قريبة.
بص ناحية الباب:
“جُم.”
“أعمل إيه؟!”
بصلي نظرة أخيرة… نظرة فيها حاجة غريبة… مش خوف، مش حزن… كأنها اعتراف إنه خلاص مش قادر يساعد أكتر.
“اهرب… ومتثقش في حد.”
واختفى.
مش فجأة بس… لا، كأنه ما كانش موجود من البداية.
الباب اتفتح.
3 رجالة دخلوا.
لبس أسود… ملامح مش واضحة.
واحد قال:
“واضح إن الرسالة وصلت.”
التاني:
“هتيجي معانا… زي صاحبك.”
في اللحظة دي… فهمت كل حاجة.
سليم كان بيقول الحقيقة.
ويمكن… لسه عايش.
بس السؤال… اللي فضل ثابت في دماغي، وأنا واقف قدامهم:
هل أنا لسه عندي اختيار؟
ولا أنا بالفعل…
بدأت نفس الرحلة…
اللي خلّت سليم يبعت الرسالة؟
أنا ما اتحركتش.
مش لأني مش عايز… بس لأني ببساطة ما قدرتش.
رجلي كانت تقيلة بشكل غريب، كأن الأرض مسكاها، وكأن جسمي قرر في اللحظة دي إنه يخرج من المعادلة ويسيبني أواجه لوحدي. عيني كانت عليهم… التلاتة اللي دخلوا، واقفين بهدوء مريب، كأنهم واثقين إني مش ههرب.
الغريب إنهم ما استغلوش اللحظة.
لا جريوا عليّ… ولا حتى قربوا بسرعة.
واحد فيهم اتحرك خطوة واحدة بس… ببطء محسوب، وقال:
“تعالى… خلّصنا وقتنا هنا.”
صوته كان عادي جدًا… وده كان أسوأ حاجة فيه.
الحاجات اللي بتبقى مرعبة بجد… هي اللي بتتقال بهدوء.
بلعت ريقي، وحاولت أتكلم، صوتي طلع متكسر:
“إنتوا مين؟”
مافيش رد.
التاني قال:
“مش مهم تعرف دلوقتي.”
بصيت ناحية الباب… المسافة مش بعيدة. خطوتين… تلاتة بالكتير. عقلي بدأ يحسب بسرعة، بس قلبي كان بيقول حاجة تانية: “لو جريت… مش هتلحق”.
بس ساعتها افتكرت حاجة.
كلام سليم.
“اهرب.”
مش “حاول”.
مش “استنى”.
اهرب.
وفي لحظة… جسمي رجعلي.
اتحركت.
مشيت الأول… خطوة واحدة… وبعدين جريت.
صوت رجلي على الأرض كان عالي، أسرع من تفكيري، أسرع من خوفي. وصلت للباب، دفعته، وخرجت على الشارع… والهوا خبط في وشي كأنه بيصحيني.
جريت.
من غير اتجاه واضح… من غير خطة… بس بعيد.
كنت سامعهم ورايا؟ مش عارف. ما بصّتش.
اللي بيبص وراه… بيتأخر.
فضلت أجري لحد ما نفسي اتقطع… لحد ما وقفت فجأة، وأنا ماسك صدري، بحاول أتنفس.
بصيت حواليّا.
الشارع فاضي.
مفيش حد.
مفيش صوت.
كأنهم… اختفوا.
الإحساس ده كان غريب… مش راحة، بالعكس… كان أسوأ. لأن الاختفاء معناه إنهم مش مستعجلين.
وإنهم عارفين أنا فين.
طلعت الموبايل بإيد بترتعش.
بصيت على الواتساب.
المحادثة مع “سليم” لسه مفتوحة.
كتبت بسرعة:
“إنت فين؟!”
الرسالة اتبعت.
والعلامة بقت زرقا.
هو شافها.
ثواني…
وجالي رد.
“متقفش في الشارع.”
بصيت حواليّا بسرعة… قلبي رجع يدق.
كتبت:
“أروح فين؟!”
الرد جه فورًا:
“مكان زحمة… بس متقعدش كتير.”
جريت تاني… المرة دي وأنا بفكر. أقرب مكان فيه ناس؟ كشك، محطة، أي حاجة فيها نور.
لقيت محل صغير مفتوح في أول الشارع الجانبي. دخلت، وأنا بحاول أبان طبيعي.
الراجل اللي واقف بصلي باستغراب:
“خير؟”
قلت بسرعة:
“مياه.”
كان لازم أعمل أي حاجة… أي تصرف طبيعي.
وأنا واقف… حسّيت بحاجة.
مش شايفها… بس حاسس بيها.
إن في حد واقف برا.
بيراقب.
بصيت في الزجاج… انعكاس خفيف.
وش مش واضح… واقف بعيد.
ما بيتحركش.
الموبايل اهتز في إيدي.
رسالة جديدة.
“هما شايفينك.”
حسيت ببرودة نزلت في ضهري.
كتبت بسرعة:
“إنت شايفني إزاي؟!”
الرد اتأخر شوية… وبعدين وصل:
“أنا مش بعيد.”
رفعت عيني فجأة… وبصيت في الشارع.
وفي لحظة…
لمحت حاجة.
مش واضحة… بس مألوفة.
حد واقف على الناصية…
وباصص ناحيتي.
القعدة… الوقفة… الإحساس…
سليم.
بس…
المرة دي…
ما كانش لوحده.
كان واقف جنب واحد من اللي لابسين أسود.
والاتنين…
بيبصوا عليّ.