مكالمة واحدة قلبت كل شيء
مكالمه واحدة بس… في وقت عادي جدًا من يوم عادي جدًا، كانت كفيلة إنها تغيّر كل حاجة. الساعة كانت حوالي 3 العصر، وأنا قاعدة في الشغل، نفس المكتب اللي بقعد عليه كل يوم، نفس الشاشة المفتوحة قدامي، ونفس المهام اللي بعملها بشكل شبه تلقائي من كتر ما اتكررت. الجو كان هادي، مفيش حاجة مميزة، حتى صوت التكييف بقى جزء من الخلفية اللي مش باخد بالي منها.
كنت بكتب شوية شغل على اللابتوب، وفي نفس الوقت عقلي سرحان في حاجات بسيطة… هعمل إيه على العشا؟ هل عندي وقت أعدي أجيب حاجة قبل ما أروح؟ وإيثان عنده تمرين كورة كمان شوية، يا ترى هيلحق ولا هتأخر عليه زي الأسبوع اللي فات؟ أفكار عادية جدًا، من النوع اللي بيعدي من غير ما يسيب أثر.
الموبايل رن. بصيت عليه بسرعة من غير اهتمام كبير… لكن أول ما شفت الاسم، قلبي دق أسرع شوية. رقم المدرسة.
ما كانش في داعي للقلق وقتها، بالعكس، دماغي راح فورًا لسيناريوهات بسيطة جدًا. يمكن نسي اللانش بوكس، يمكن حصلت خناقة صغيرة، يمكن المدرس عايز يبلغني بحاجة. رديت بسرعة، وبصوت طبيعي: “ألو؟”
الصوت اللي رد عليا كان فيه حاجة مش مريحة. توتر واضح، محاولة للهدوء بس مش ناجحة. قال: “مدام كارتر؟”
“أيوه، أنا.”
“ابنك وقع في حصة الجيم… والإسعاف جاية في الطريق. لازم تيجي المستشفى فورًا.”
في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت. مش بالتدريج… لأ، مرة واحدة. حسيت كأن في حاجة ضربتني جوه صدري. قمت من مكاني بسرعة لدرجة إن الكرسي اتحرك وخبط في الحيطة ورايا، والصوت كان عالي، بس أنا ما ركزتش فيه.
“يعني إيه وقع؟! هو كويس؟ واعي؟ حصل إيه؟!”
الإجابات كانت قصيرة ومقلقة: “مش عارفين بالتحديد… بس حالته مش مطمئنة. ياريت تيجي بسرعة.”
قفلت المكالمة، أو يمكن هي اللي اتقفلت… مش فاكرة. كل حاجة بعد الجملة دي بقت سريعة ومشوشة. أخدت شنطتي، خرجت، نزلت، وكل ده وأنا مش حاسة بنفسي.
لقيت نفسي في العربية، ماسكة الدركسيون بإيد مش ثابتة. الطريق اللي بروحه كل يوم، فجأة بقى غريب. كنت شايفة الإشارات والعربيات، لكن كأني مش مستوعباهم. كنت بسوق، لكن عقلي كان في مكان تاني تمامًا.
كل شوية أمسك الموبايل وأعيد الاتصال. يمكن حد يرد ويقولي إنه كويس، يمكن حصل سوء فهم، يمكن الحالة مش بالخطورة دي. لكن مفيش حاجة اتغيرت. نفس الردود، نفس القلق.
لقيت نفسي بقول بصوت واطي: “يا رب… يا رب خليه كويس… يا رب.” الجملة كانت بتتكرر لوحدها، من غير ترتيب، من غير تفكير.
وصلت المستشفى وأنا حرفيًا بنهج. مش عارفة جريت قد إيه ولا إزاي دخلت، بس أول ما وصلت الاستقبال سألت عليه باسمه، وصوتي كان بيطلع بالعافية.
دخلوني عليه بسرعة… ولما شوفته، قلبي وقع.
كان نايم على السرير، ساكن بطريقة مش مريحة. وشه لونه متغير، شاحب بشكل واضح، وحرارته باينة من غير ما ألمسه. الهدوء اللي عليه كان تقيل… مش ده الهدوء الطبيعي، ده هدوء يخوف.
ده مش إيثان اللي خرج من البيت الصبح بيجري وهو بيضحك، وبيقولي “متتأخريش عليا”.
قربت منه، خطوة خطوة، كأني خايفة أقرب أكتر. مسكت إيده… كانت دافية، لكن الإحساس كان غريب. فتح عينه بصعوبة، وبصلي، وقال بصوت ضعيف: “ماما…”
الكلمة دي كسرتني. كل حاجة كنت بحاول أتماسك بيها وقعت في اللحظة دي. قلت له وأنا قريبة منه: “أنا هنا يا حبيبي… أنا جنبك.” كنت بحاول أبقى ثابتة علشانه، حتى لو أنا من جوا مش ثابتة خالص.
بعد دقائق، الدكتور طلب يتكلم معايا بره. خرجت وأنا مش عايزة أسيبه، بس مضطرة. وقف قدامي، وكان واضح إنه بيحاول يختار كلامه.
قال: “ابنك عنده التهاب في الزائدة… لكنها انفجرت قبل ما تتلحق. العدوى بدأت تنتشر، وفيه مؤشرات لتسمم في الدم. لازم ندخله عمليات فورًا.”
سمعت الكلمات، لكن استيعابها كان تقيل. “انفجرت… عدوى… تسمم…” الكلمات فضلت تتكرر في دماغي.
سألته وأنا مستنية أي حاجة تطمني: “هيبقى كويس؟”
بصلي وقال: “هنعمل اللي علينا… لكن أول 48 ساعة حرجة.”
حرجة. الكلمة دي كفاية لوحدها.
وقتها، حسيت إن كل حاجة حوالي بقت بعيدة. الأصوات، الناس، المكان… كله اختفى، وما بقاش في غير سرير عليه ابني، وكلام الدكتور اللي لسه بيرن في ودني.
جابولي أوراق أمضي عليها. وافقت على العملية، على الإجراءات، على المخاطر… على حاجات أنا حتى مش فاهمة تفاصيلها. كنت بمضي وأنا مركزة على فكرة واحدة بس: لازم يعيش.
لما جه وقت دخوله العمليات، مشيت جنبه لحد الباب. كنت حاسة إن كل خطوة هي آخر فرصة أشوفه فيها بالشكل ده.
وقفنا عند الباب، والممرض قال إني لازم أقف هنا. بصلي… النظرة دي مش هتخرج من دماغي. كان فيها خوف، سؤال، وتعلق.
قال: “ماما… هو أنا هموت؟”
السؤال ده كان صعب لدرجة إني ما لقيتش رد جاهز. ما كنتش بطلة، ولا قوية، ولا عارفة أتصرف صح. كنت بس أم خايفة.
قربت منه، وقلت له بهدوء قد ما أقدر: “لا يا حبيبي… إنت هترجعلي… وأنا مستنياك.”
يمكن كنت بطمّنه… ويمكن كنت بطمّن نفسي.
دخل، والباب اتقفل. الصوت كان بسيط، لكنه بالنسبالي كان تقيل جدًا.
قعدت على كرسي في الممر. ناس بتعدي، أصوات أجهزة، كلام… لكن أنا كنت في عالم لوحدي. الوقت بقى بطيء بشكل غريب، وكل دقيقة كأنها أطول من اللي قبلها.
بدأت أفتكر تفاصيل صغيرة… ضحكته الصبح، صوته وهو بيناديني، طريقته وهو بيجري. حاجات كنت باعتبرها عادية جدًا، وفجأة بقت أهم حاجة في الدنيا.
الانتظار كان أصعب من أي حاجة. مفيش خبر، مفيش صوت، مفيش أي مؤشر. بس دعاء، وخوف، وأمل بسيط متمسكة بيه.
مش عارفة الوقت عدى إزاي. ساعات؟ يمكن. أيام؟ ممكن. الإحساس بالوقت اختفى تمامًا.
كل اللي كنت مستنياه إن الباب يفتح… وإن حد يطلع يقول جملة واحدة تطمني.
وفي وسط كل ده، فهمت حاجة ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده… إن الحياة ممكن تتغير بالكامل في لحظة. مش بالتدريج، مش بقرار، لكن بكلمة واحدة، بمكالمة واحدة.
ومن اللحظة دي… فعلًا، كل حاجة اتغيرت.
الباب لسه مقفول… وأنا مكاني متغيرش. نفس الكرسي، نفس الممر، نفس الإحساس التقيل اللي قاعد على صدري ومش راضي يتحرك. حاولت أبص في الساعة يمكن ألاقي وقت يعدّي… لكن العقارب كانت بتمشي ببطء غريب، كأنها بتتعمّد تعاندني.
مرة واحدة، باب العمليات اتحرك شوية… قلبي وقف. قمت بسرعة لدرجة إني ما حسّتش بنفسي، وبصيت ناحية الباب كأني مستنية حد يناديني باسمي. خرج ممرض، عدى من جنبي بسرعة من غير ما يبصلي، وكأن الأمل اللي اتفتح في ثانية اتقفل تاني أسرع.
رجعت قعدت، وحطيت إيدي على وشي. لأول مرة من ساعة ما دخل المستشفى، دموعي نزلت من غير ما أحاول أوقفها. مش بصوت عالي، ولا بانهيار… بس دموع تقيلة، طالعة من جوه وجع مش عارفة أوصفه.
عدت لحظات، وبعدها الباب اتفتح تاني… بس المرة دي الدكتور هو اللي خرج. مشي ناحيتي، ووشه هادي، بس فيه جدية. وقفت قدامه، قلبي بيدق بسرعة، مستنية كلمة واحدة.
قال بهدوء: “العملية تمت… الحمد لله عدّت على خير.”
ما سمعتش باقي الجملة. الكلمة دي بس كانت كفاية. حسيت إن رجلي ضعفت، وكأني كنت شايلة جبل واتشال فجأة. أول نفس أخده من وقت المكالمة… كان تقيل، لكنه أهدى شوية.
بس رغم كده… كنت عارفة إن الحكاية لسه مخلصتش.