سرّ الساعة الثانية بعد منتصف الليل

سرّ الساعة الثانية بعد منتصف الليل


سرّ الساعة الثانية بعد منتصف الليل

نادية ما كانتش بتحتاج منبّه عشان تصحى. جسمها كان بيصحّيها قبل أي صوت، قبل أي فكرة، كأن الساعة اتنين بعد نص الليل بقت جزء من تكوينها. مش حلم، ومش فزع، ولا حتى قلق واضح. مجرد إحساس تقيل بيشدها من النوم شدّة خفيفة، زي حد بيقولها قومي من غير كلام.

كانت تحاول كل مرة تقنع نفسها إنها بتبالغ. تقول: “يا بنتي يمكن بيقوم يشرب مياه”، أو “يمكن ضغط شغل”، أو “يمكن أرق”. بس الأعذار دي كانت بتذوب أول ما تشوف الأرقام الحمرا في المنبّه: ٢:٠٠ صباحًا. نفس الرقم، كل ليلة، من شهور. الوجع الحقيقي مش في إنه بيقوم… الوجع في الانتظام. في الدقة اللي تخلي الموضوع شبه ميعاد متفق عليه.

في اللحظة دي دايمًا كانت بتحس بالسرير بيتحرّك. حركة محسوبة، تقيلة في أولها وبعدين خفيفة، كأن ماجد بيشيل نفسه من جنبها بالمللي، خايف يسيب أثر. الملاية تتسحب، الخشب يزيق زي ما يكون بيشتكي، وبعدين تكة الباب… تكة قصيرة هادية، أكتر هدوء من اللازم. كأن الباب نفسه بيتقفل على سرّ مش مسموح لها تقرب منه.

كانت تفضل باصة للسقف، تسمع. تستنى أي صوت يفسّر. فتح درج، صوت كوباية، حنفية. بس الغريب إن المطبخ كان ساكت. سكوت غريب، سكوت كأنه مستخبي جواه حاجة. وأحيانًا كانت تحس إن السكوت ده مش فراغ… ده زحمة حاجات ما بتتسمعش.

السؤال كان بيكبر جواها: إيه اللي ممكن يخلي واحد يسيب سريره وزوجته في نفس اللحظة كل ليلة؟ وليه لازم يتسحب كأنه بيهرب؟ وليه لما ترجع تسأله الصبح يحوّلها هي لمذنبة؟

يوم ما قررت تسأله، كانت ناوية تعملها بهدوء. مش مواجهة. مش اتهام. كانت فاكرة إن الهدوء بيحميها. وقفت في المطبخ الصبح، القهوة بتغلي، ريحة البن مالية المكان، وقالت بابتسامة محسوبة:

“هو إنت بتقوم كل يوم بالليل… بتروح فين يا ماجد؟”

ماجد ما رفعش عينه من الموبايل. لا اتفاجئ ولا اتلخبط. رد بسرعة زيادة عن اللزوم:

“يمكن لو كنتِ مهتمة بنفسك شوية، مكنتش هحتاج أقوم من الأوضة.”

الكلام نزل تقيل. مش علشان هو جارح بس، لكن علشان كان جاهز. كأنه متحضّر قبلها. وكأنه حافظ الجملة دي مخصوص عشان يسد بيها أي باب هتفتحه. سألت وهي حاسة إن صوتها مش طالع منها:

“يعني إيه؟”

ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة حد شايف نفسه كسب الجولة:

“يعني بدل ما تراقبيني، شوفي إنتِ ناقصك إيه.”

نادية سكتت. مش ضعف، لكن لأنها اتعلمت إن أي دمعة بتطلع قدامه بتتحول لسلاح ضدها. كانت فاهمة إن في ناس بتستمتع إنها تشوفك بتتكسر، وبعدين يطلعوا هم “الضحايا” قدام الناس.

تاني يوم كان قاعد يفطر عادي، بيهزر، بيضحك، كأن الليلة اللي فاتت ما حصلتش. كانت شايفاه، بس مش حاسّة بيه. النظرة اللي كانت بتشوف فيها ماجد زمان اتغيرت؛ بقى فيه مسافة بينها وبينه حتى وهما قاعدين قدام بعض على نفس السفرة.

في يوم تاني، باب الشقة اتفتح من غير خبط. راندا، أختها الكبيرة، دخلت وهي شايلة كيس مخبوزات سخنة. ريحة الزبدة ملّت المكان. الأمان المفروض، بس نادية حسّت بحاجة مش مظبوطة. مش عارفة ليه… بس كأن الزيارة دي مش عادية.

في ثانية واحدة، عين راندا جات في عين ماجد. نظرة سريعة جدًا. لو كانت نادية غمضت عينها، كانت هتفوتها. بس ما فاتتش. النظرة كانت خفيفة، بس فيها حاجة شبه الاتفاق، شبه الرسالة اللي بتتقال من غير صوت.

راندا قربت منها وهمست:

“لسه بيقوم بالليل؟”

ردت نادية:

“أيوه… كل يوم.”

راندا مسكت إيدها بحنية زيادة عن اللزوم:

“بلاش تضغطي عليه. الرجالة بتحس إنها محاصرة بسرعة.”

ماجد قاطعهم:

“ممكن بلاش تتكلموا عني كأني مش موجود؟”

ضحكت راندا:

“اهدى يا ماجد، أنا بحاول أساعد.”

في اللحظة دي موبايل راندا نور. خطفته بسرعة ولفت ضهرها. بعدها بثواني موبايل ماجد رن، فتحه، وكتب باسوورد نادية ما تعرفوش. تفاصيل صغيرة، بس بتجمع بعضها تعمل صورة كبيرة… صورة نادية كانت بتقاوم إنها تشوفها.

سألته بهدوء مصطنع:

“غيرت الباسورد؟”

رد:

“شغل. حاجات مش هتفهميها.”

وهي ماشية، راندا سابت وراها ريحة برفيوم. ريحة غريبة، بس مألوفة. نادية افتكرت إنها شمّتها قريب. افتكرت إن الريحة دي كانت في هدوم ماجد مرة… بس كانت بتكذب نفسها وتقول: “أكيد أنا بتخيل”.

بالليل، لقت موبايل ماجد على السرير مفتوح. قالت لنفسها بلاش. بس إيدها اتحركت. أول محادثة فوق… حرف واحد بس: ر.

قلبها دق بعنف. حاولت تفتح. الموبايل طلب رمز تاني. سابت الموبايل كأنه نار. لما خرج ماجد من الحمام، قالت:

“مين ر؟”

وقف ثانية، وبعدين قال:

“شغل. إنتِ بقيتي أوفر.”

كلمة واحدة كانت كفاية تمسح بيها إحساسها كله. “أوفر”… يعني هي اللي مكبرة الموضوع. هي اللي متخيلة. هي اللي عندها مشكلة. الجملة دي كانت بتكسرها أكتر من أي شتيمة.

بعد كام يوم، قابلت راندا في كافيه. نفس الكلام. نفس النبرة. نفس البرود:

“بطلي تدوري. الرجالة مش بتحب كده.”

ساعتها نادية حسّت إن في حاجة متربطة. مش صدفة. لأن نفس الجملة كانت بتطلع من نفس المصدرين… كأنهم متدربين عليها.

ليلة تانية، الساعة اتنين. ماجد قام. نادية استنت ثانيتين وقامت وراه. حافية. قلبها بيخبط في ودانها. شريط نور طالع من تحت باب المطبخ. وفي اللحظة دي حسّت إن رجليها تقيلة… مش علشان التعب، علشان الخوف من اللي هتشوفه.

سمعت صوته. صوت مش ليها:

“مش هقدر أطول… هي نايمة.”

وصوت تاني… صوت عارفاه:

“وحشتني.”

راندا.

نادية حسّت الدنيا بتلف. رجعت أوضتها. ماجد دخل بعدها بدقايق، حاول يقنعها إنها بتتخيل. قال إن الأصوات بتتشابه، وإن الضغط بيخلي الواحد يسمع اللي عايز يسمعه. بس الحقيقة كانت وضحت، حتى لو حاول يطفي النور.

تاني يوم، راحت لشريكه في الشغل. الراجل كان متردد، بس في الآخر قالها الحقيقة: فيه قروض باسمها، وفيه توقيعات مش بتاعتها، وفيه فلوس اتحركت من غير ما تعرف. نادية ساعتها ما صرختش… بس حسّت إن قلبها بيقع منها على الأرض.

رجعت البيت، وبدل ما تعيط، بدأت تفتش. مش تفتيش غضب… تفتيش واحدة عايزة تمسك خيط يطلعها من الضلمة. فتحت الأدراج، قلبت الورق، بصت ورا الأجهزة. ورا المحمصة في المطبخ لقت موبايل تاني مستخبي. فتحته بتاريخ ميلادها… اتفتح. كأنه كان مستنيها.

لقيت تسجيلات صوتية. ماجد بيتكلم مع راندا بضحك. “خليها تبان مهزوزة، خليها تشك في نفسها.” تسجيل تاني: “لو عرفت موضوع الفلوس، محدش هيصدقها.” جملة ورا جملة، كأنها بتتفرج على خريطة لخديعة مرسومة من زمان.

في الليلة الأخيرة، الساعة اتنين، كانت قاعدة في المطبخ والنور منوّر. مكنتش مستخبية ولا نايمة. كانت مستنياهم وهي متحضرة، كل حاجة قدامها: الموبايل التاني، التسجيلات، وكشوف الحسابات اللي فهمتها واحدة واحدة. ماجد دخل واتصدم. وبعده بدقايق راندا دخلت بالمفتاح، بثقة اللي فاكرة إن البيت بيتها.

نادية قالت بهدوء:

“النهارده الحقيقة مش هتستخبى.”

راندا حاولت تضحك وتستهين. ماجد حاول ينكر. بس لما التسجيل اشتغل، الصوت مالي المطبخ: “خليها تبان مجنونة.” ساعتها الوجوه اتغيرت. الخوف طلع على السطح، لأن الكذب لما يتحاصر بيبان ضعيف.

بعد شهور، البيت بقى هادي. نضيف. الشبابيك مفتوحة. نادية غيرت حيطان كانت شايلة ذكريات تقيلة، وغيرت تفاصيل صغيرة كانت بتوجعها كل ما تشوفها. أحيانًا بتصحي الساعة اتنين، بس المرة دي بتقوم تشرب مياه، وتبص لنفسها وتفتكر إنها ما كانتش مريضة… هي كانت بس محبوسة في ضلمة مش بتاعتها.

ودلوقتي، لما الليل ييجي، بتنوّر النور، وتختار نفسها.

قبل النهاية بكام يوم، نادية ما كانتش نايمة بجد. كانت بتقفل عينيها بس، تسمع البيت، تحفظ أنفاسه، وتعرف أماكن الصمت فيه. الحيطان اللي كانت فاكرة إنها أمان طلعت شهود، والمطبخ اللي كان مكان عادي بقى مسرح، والساعة اتنين ما بقتش لغز، بقت علامة. كانت ماشية في البيت وهي حاسة إن كل خطوة ليها وزن، وإن أي حركة زيادة ممكن تكسّر حاجة لسه واقفة بالعافية. الخوف ما اختفاش، لكنه اتغيّر… بقى هادي، متماسك، خوف واحد قرر يواجه بدل ما يهرب.

الدروس المستفادة:

الدروس اللي نادية خرجت بيها ما كانتش شعارات ولا حكم محفوظة، كانت خلاصة وجع طويل. أولها إن الشك مش دايمًا مرض، أحيانًا بيكون إنذار. الإحساس اللي بييجي من غير دليل واضح مش لازم يتكذب، لأن الجسم أصدق من الكلمات اللي بتتقال عشان تهدّي الخوف. واتعلمت إن اللي بيشككك في عقلك طول الوقت مش دايمًا بيحبك، وإن التلاعب النفسي أخطر من الخيانة، لأنه بيسرق ثقتك في نفسك قبل ما يسرق أي حاجة تانية.

وفهمت إن القريب مش دايمًا أمان، وإن الدم وحده مش ضمانة للنوايا، وإن الصمت الطويل مش حل، وإن تجاهل الحقيقة ما بيحميش البيوت، لكنه بيهدمها ببطء. وأخيرًا استوعبت إن الحب الحقيقي ما يحتاجش خطط في نص الليل، ولا أعذار جاهزة، وإن اختيار النفس مش أنانية… ده بداية حياة سليمة.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان