حين وقف آدم… وسقط كل شيء

حين وقف آدم… وسقط كل شيء


حين وقف آدم… وسقط كل شيء

اسمي أحمد… ولو حد سألني قبل اللي حصل ده كله عن حياتي، كنت هقول له إنها حياة عادية جدًا، فيها شوية تعب، شوية رضا، شوية خوف على المستقبل… لكن في المجمل، حياة مستقرة. كنت فاكر إن أكبر مصيبة ممكن تحصل لي حصلت بالفعل من ست سنين… يوم الحادثة اللي غيرت حياة ابني للأبد. يومها، العربية اتقلبت بينا على الطريق، وأنا خرجت منها بخدوش، وأمه ياسمين بكدمات بسيطة، لكن آدم… ابني الوحيد… خرج منها بحاجة تانية خالص. خرج منها وهو مش قادر يقف على رجليه.

ست سنين كاملة… وأنا شايف ابني بيكبر قدامي، لكن وهو مربوط بكرسي متحرك. ست سنين من دكاترة، تحاليل، أدوية، جلسات علاج طبيعي، أمل بيطلع وينزل… وكل مرة كنا بنتمسك بأي كلمة “ممكن” يقولها دكتور، ونرجع بعدها للواقع اللي بيقول “صعب”. ومع الوقت، بدأنا نتأقلم… أو على الأقل نحاول. أنا كنت بحاول أكون قوي، وياسمين كانت دايمًا بتسبقني بخطوة… تهتم، تتابع، تضحي، تقعد بالساعات جنب آدم، وكأنها عايشة بس عشانه. كنت بشوفها بطلة… أم مثالية… واحدة ضحت بحياتها كلها عشان ابنها.

يمكن عشان كده… عمري ما شكيت.

اليوم اللي كل حاجة فيه اتغيرت… بدأ عادي جدًا. ياسمين كانت بتجهز شنطتها، بتضحك، وبتتكلم مع صحابها في التليفون. قالت إنها هتسافر الساحل تلات أيام، “تفصل شوية” زي ما قالت. بصراحة، أنا ما اعترضتش… بالعكس، كنت شايف إنها تستحق الراحة. كانت شايلة فوق طاقتها سنين، ويمكن فعلاً محتاجة تبعد شوية.

وقفت على باب الفيلا، باست آدم على جبينه، وقالت له بحنية:
— خلي بالك من نفسك يا حبيبي.
وبصتلي بنفس الابتسامة الهادية اللي كنت بحبها:
— حاولوا تعيشوا من غيري شوية.

ركبت عربيتها ومشيت… وأنا واقف في المطبخ بعد شوية، ماسك فنجان القهوة، وببص من الشباك على نور عربيتها وهو بيبعد في الشارع. كان في هدوء غريب في البيت… هدوء مش مريح. التلفزيون شغال بصوت واطي في الصالة، لكن غير كده… مفيش حاجة.

وفجأة… سمعت صوت كرسي بيتحرك.

لفّيت بسرعة… ووقتها بس حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

آدم… ابني… كان واقف.

واقف على رجليه… جنب الرخامة.

ما كانش واقف بثقة… كان ماسك نفسه بالعافية، إيده بتترعش وهو ماسك طرف الرخامة، ووشه مشدود من المجهود، لكن عينيه… عينيه كانت ثابتة في عيني بشكل غريب… كأنه مستنيني أفهم.

فنجان القهوة وقع من إيدي واتكسر… بس أنا ما سمعتش صوته.

— آدم؟!

قربت منه وأنا قلبي بيخبط بعنف… خايف يقع، خايف يكون ده حلم، خايف يكون أي حاجة… لكنه فجأة مد إيده ومسك إيدي بقوة.

وقال بهدوء… هدوء يخوف أكتر من أي صريخ:
— يا بابا… متصرخش… ومتحصلش بحد… بس اسمعني كويس.

كنت لسه بحاول أستوعب… إزاي؟! إزاي ابني اللي بقاله ست سنين مش قادر يقف… واقف قدامي دلوقتي؟!

لكن اللي قاله بعد كده… هو اللي خلاني أنسى السؤال ده تمامًا.

— لازم نمشي من البيت ده حالاً.

بصيت له بعدم فهم:
— إيه؟!

— مفيش وقت يا بابا… بالله عليك ثق فيا… هي مشيت… ودي فرصتنا.

وقف لحظة… وكأنه بيختار كلماته:
— هي…

ما قالش “ماما”.

وقتها بس… قلبي انقبض.

— آدم… أمك عملت حاجة؟

بص على الكاميرا اللي في الطرقة… اللي ياسمين ركبتها من سنة بحجة الأمان… وقرب مني أكتر:
— هي كذبت عليك سنين.

حسيت حلقي نشف:
— الكلام ده مش منطقي…

رد بسرعة:
— هيبقى منطقي لما تشوف اللي مخبياه في الجراج.

الكلمة دي كانت كفاية.

خدت المفاتيح… وساعدته يمشي، خطوة ورا خطوة، لحد الجراج. كنت حاسس إن كل ثانية بتعدي بتقربنا من حاجة مرعبة، بس في نفس الوقت… كنت عارف إن اللي بيحصل ده أكبر من مجرد “صدفة”.

قعدته في الكرسي جنب السواق… ولسه بدور العربية…

وفجأة…

سمعنا باب البيت الخلفي بيتفتح بعنف.

وصوت ياسمين…

باسمي.

رجعت بسرعة بالعربية… وقلبي وقع.

— امشي! — صرخ آدم — يا بابا امشي حالاً!

بصيت… وشفتها جاية من ناحية الجنينة… حافية… شعرها سايب… وعينيها…

عينيها ما كانتش عيون حد خايف على بيته…

كانت عيون حد بيجري ورا فريسة.

— أحمد! وقف العربية!

في لحظة… كنت ممكن أوقف.

كنت ممكن أرجع… أواجه… أفهم…

لكن بصيت لآدم.

كان بيترعش بطريقة عمري ما شفتها قبل كده.

وساعتها… اخترت أصدقه.

دوست بنزين… والعربية انطلقت.

الشارع كان فاضي… وصوت الكاوتش بيصرخ على الأسفلت، وآدم بيهمس:
— متبصش وراك… كمل بس…

صرخت فيه:
— فهمني! إيه اللي بيحصل؟!

بصلي… ودموعه نزلت:
— هي كانت بتحطلي حاجة في الأكل يا بابا… حاجة بتخليني مش قادر أحرك رجلي… اكتشفت ده لما بطلت آخد الدوا من شهر… وبدأت أحس برجلي بترجع.

الدنيا لفت بيا.

— يعني إيه؟!

— هي مش عايزاني أمشي… كانت عايزاني أفضل عاجز… عشان تفضل هي البطلة… وعشان…

وقف فجأة… وبص على التابلوه:
— افتح الدرج.

فتحته… لقيت جهاز صغير.

— ده كانت بتراقب بيه كل حاجة.

رميته من الشباك… وأنا حاسس إني بترمي وهم عشت فيه سنين.

وفجأة… نور قوي ضرب في المراية.

عربية سودا… ورايا.

قريبة جدًا.

ولما ركزت…

شفتها.

ياسمين.

قاعدة جنب السواق…

وبتبتسم.

ابتسامة باردة… خالية من أي مشاعر.

ورفعت إيدها…

وعملت إشارة “باي”.

العربية خبطت فينا من ورا.

— بابا! — صرخ آدم — مش هتسيبنا!

في اللحظة دي… ما كنتش بس بهرب.

كنت بحاول أفهم…

إزاي الست اللي عشت معاها سنين…

طلعت شخص تاني خالص.

كسرت الدريكسيون ودخلت طريق ترابي…

واختفيت.

وقفت العربية… وطفيت النور… وكتمنا نفسنا.

عدّت من قدامنا…

وبعدين اختفت.

آدم مسك إيدي…

— لازم نروح لعمي محمود.

فتح الفلاشة…

والفيديو اشتغل.

وياسمين…

كانت واقفة…

بتدي فلوس…

لشخص.

والشخص ده…

خلاني أتجمد.

لأنه…

كان أقرب لينا مما تخيلت.

الصورة كانت مهزوزة شوية في الأول… صوت الكاميرا خافت، والإضاءة ضعيفة، لكن مع أول ثواني من الفيديو، كل حاجة بدأت تبان بوضوح مرعب. ياسمين واقفة قدام شخص… مش غريب، ولا بعيد، ولا حتى واحد من الناس اللي ممكن تقول عليه “صدفة”. لا… كان حد إحنا عارفينه كويس، حد عمره ما جه في بالي إنه ممكن يكون جزء من كابوس زي ده.

إيدي شدت على الدريكسيون… لدرجة إن مفاصلي وجعتني. الصوت خرج من بوقي بالعافية:
— لا… مستحيل.

آدم بصلي، وعينيه مليانة خوف مش طبيعي، وقال بهدوء مكسور:
— أنا كنت عارف إنك مش هتصدق… عشان كده استنيت لما تشوف بنفسك.

رجعت بصيت على الشاشة… وقلبي كان بيترجف جوايا. الشخص اللي كان واقف قدام ياسمين… وبيستلم منها فلوس… كان أخويا.

محمود.

الاسم وقع جوايا زي حجر تقيل. أخويا الكبير… اللي كنت شايفه سند، اللي كنت بثق فيه أكتر من نفسي أوقات… اللي كنت ناوي أروح له دلوقتي عشان “ينقذنا”. فجأة، كل حاجة اتشقلبت. كل فكرة أمان كنت متمسك بيها… انهارت.

— لا… — همست وأنا حاسس إني بتخنق — أكيد في حاجة غلط… أكيد في تفسير.

لكن الفيديو ما كانش سايب مجال لأي تفسير.

ياسمين كانت بتتكلم بصوت واضح:
— خليك مركز… أنا مش عايزة أي غلطة. الولد بدأ يشك… ولازم يتحط تحت السيطرة قبل ما الموضوع يكبر.

ومحمود… رد بهدوء:
— ما تقلقيش… أنا متابع كل حاجة. والأدوية شغالة كويس.

وقتها بس… حسيت إن قلبي اتكسر بجد.

مش بس مراتي… لا… أخويا كمان.

بصيت لآدم… كان باصص قدامه، عينيه ثابتة، كأنه سبقني في الوجع ده بسنين.

— كنت عايز أقولك يا بابا… بس كنت خايف… خايف تصدقهم أنا… أو ما تصدقنيش أنا.

الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية. ابني… كان عايش في رعب… ومش قادر يثق حتى فيا.

حطيت إيدي على كتفه:
— أنا معاك… مهما حصل.

سكت شوية… وبعدين قلت:
— يبقى مفيش محمود.

هز راسه:
— مفيش حد غيرنا.

الطريق قدامنا كان ضلمة… حرفيًا ومعنويًا. ما كانش عندنا خطة، ولا مكان نروح له، ولا حتى فكرة إحنا داخلين على إيه. بس كان عندنا حاجة واحدة بس… الحقيقة.

وفجأة… موبايل آدم رن.

بص للشاشة… ووشه شحب.

— هي.

مد إيدي بالموبايل ليّا… كان فيه رسالة واحدة بس:

“أنا عارفة إنك شوفت… بس لسه متعرفش كل حاجة.”

حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.

— تقصد إيه؟!

آدم همس:
— في حاجة أكبر يا بابا… أنا سمعتها بتتكلم عنها قبل كده… حاجة اسمها “الملف”.

— ملف إيه؟!

— معرفش… بس كانت بتقول إن ده أهم حاجة… وإن لو حد عرف عنه… كل حاجة هتنهار.

سكتنا… لكن الصمت المرة دي ما كانش خوف… كان استعداد.

أدرت العربية تاني… وبدأت أمشي.

مش عارف رايح فين… بس عارف إن الرجوع بقى مستحيل.

لأن الحقيقة اللي اكتشفناها…

كانت لسه البداية.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان