أرشيف الندم: حكاية الرجل الذي ورث صمت الساعات

أرشيف الندم: حكاية الرجل الذي ورث صمت الساعات


شنطة وسط البلد

لم يكن الحر هو ما أزعج عمر في ذلك اليوم، رغم أن أغسطس كان يضغط على القاهرة كيد ثقيلة لا ترفع. كان الأمر شيئًا آخر، شيئًا لا يُقاس بدرجات الحرارة. شعور غامض بأن اليوم يتحرك ببطء أكثر مما ينبغي، كأن الزمن نفسه يجرّ قدميه.

جلس في ممر كوداك، في زاويته المعتادة، حيث اعتاد أن يضع ظهره إلى الجدار ويترك العالم يتحرك أمامه. شاشة اللابتوب مفتوحة، أصابعه تتحرك بسرعة محسوبة، لكن ذهنه لم يكن حاضرًا بالكامل. منذ أسابيع وهو يعمل دون توقف تقريبًا، مشاريع متراكمة، عملاء متطلبون، مواعيد نهائية لا ترحم. ومع ذلك، لم يكن التعب هو ما يثقل صدره.

كان الإحساس أقرب إلى فراغ دقيق، لا يُرى، لكنه يُسمع. كأن هناك شيئًا ناقصًا في الخلفية.

رفع عينيه للحظة عن الشاشة. الناس تمر، ضحكات، صوت فناجين، رائحة قهوة داكنة، حوار محتدم عن مباراة الأمس. كل شيء في مكانه. كل شيء طبيعي.

لكن داخله لم يكن كذلك.

منذ أيام، تكررت نفس الفكرة في رأسه:

متى بدأ الوقت يمر أسرع من قدرتي على عيشه؟

لم يكن السؤال دراميًا. لم يكن حتى فلسفيًا. كان عمليًا.

كان يشعر أن أيامه تتشابه، تتراكم، ثم تختفي.

يستيقظ. يعمل. يتصفح. يؤجل مكالمة. يعد نفسه أن يزور أمه قريبًا.

ثم ينام.

وهكذا تمر سنة.

عندما أغلق اللابتوب أخيرًا، شعر بنوع من الارتياح المؤقت. أنهى العمل. أو على الأقل أنهى ما يكفي ليقنع نفسه أنه أنجز شيئًا.

انحنى ليضع الحاسوب في حقيبته.

وهنا رآها.

شنطة جلد سوداء، قديمة، موضوعة أسفل الكرسي المجاور.

لم يكن وجودها غريبًا بحد ذاته. الغريب كان إحساسه بها.

كأنها لم تكن هناك قبل لحظة.

تذكر الرجل الأنيق الذي كان يجلس إلى جواره. بدلة داكنة رغم الحر، ربطة عنق غير ضرورية في أغسطس، ملامح هادئة، صمت ثقيل. لم يتبادلا سوى نظرة عابرة.

مد عمر يده دون تفكير واعٍ. لمس الجلد. كان باردًا.

برد غير منطقي.

نظر حوله. لا أحد يلتفت. لا أحد يبحث عن شيء.

قال لنفسه:

“مش شغلك.”

لكنه لم يسحب يده.

فتح السحّاب.

المفتاح كان أول ما رآه. نحاسي، ثقيل، ليس من النوع الذي يُستخدم لشقة حديثة. أقرب إلى مفاتيح البيوت القديمة، تلك التي تحتاج أن تديرها ببطء.

تحته خريطة مرسومة يدويًا. خطوط غير مستقيمة، أسماء شوارع مكتوبة بخط مائل. الدرب الأحمر.

وصورة.

رفعها ببطء.

رجل يقف أمام بيت قديم. الصورة بالأبيض والأسود. ملامحه…

توقّف.

اقترب بالصورة من وجهه.

لم يكن الشبه بسيطًا.

كان مطابقًا تقريبًا.

نفس الجبهة. نفس انحناءة الحاجب الأيسر. حتى التعبير في العينين، ذلك المزيج بين الحذر والتأمل.

قلب الصورة.

تاريخ.

اليوم نفسه.

لكن قبل مئة عام تقريبًا.

ضحك بخفة عصبية.

“صدفة.”

لكن الكلمة لم تُقنعه.

لماذا يشعر وكأنه يتذكر شيئًا لم يعشه؟

أعاد كل شيء إلى مكانه. أغلق الشنطة.

كان يمكنه أن يتركها.

كان يمكنه أن يعطيها للنادل.

لكنه لم يفعل.

لا يعرف متى قرر أن يذهب إلى الدرب الأحمر. القرار لم يكن لحظة. كان انزلاقًا.

في الطريق، حاول إقناع نفسه أنه فقط فضول. مغامرة صغيرة تكسر رتابة يوم ممل.

لكن في أعماقه، كان يعرف أن الأمر أعمق من ذلك.

كان يبحث عن شيء.

أو ربما كان يهرب من شيء.

عندما وصل، كان المساء قد بدأ يهبط ببطء. الأزقة أضيق مما تخيل. الضوء أقل. الأصوات مختلفة.

أخرج الخريطة. قارن الخطوط بما يراه. انعطف. توقف. عاد خطوة.

ثم وجده.

بيت قديم. باب خشبي متآكل. نافذة مغلقة نصفها مكسور.

وقف أمامه.

شعر بأن صدره يضيق قليلًا.

المفتاح في جيبه أصبح أثقل فجأة.

“دي لحظة غبية جدًا.”

لكنه أخرج المفتاح.

أدخله في القفل.

دار بسهولة.

صوت “تك” خفيف.

الباب انفتح.

لم يكن الظلام مخيفًا. كان هادئًا.

رائحة قديمة. ليست عفنًا. شيء أقرب إلى البخور.

دخل.

أغلق الباب خلفه دون أن ينتبه.

الدرج الخشبي يئن تحت قدميه.

مع كل خطوة، كان يشعر أن الضجيج الذي جاء منه بدأ يبتعد.

كأنه يترك طبقة من العالم وراءه.

في الطابق الثاني، وجد بابًا آخر.

وضع المفتاح.

فتح.

والصوت بدأ قبل أن يرى.

تكتكة.

ثم تكتكات.

ثم طبقات.

دخل.

الغرفة لم تكن فوضى.

كانت منظمة بشكل غريب.

ساعات في كل مكان.

صغيرة. كبيرة. معلقة. موضوعة. قديمة. حديثة نسبيًا.

وكلها تعمل.

الصوت لم يكن مزعجًا.

كان… كثيفًا.

كأنه يمشي داخل مادة غير مرئية.

تقدم خطوة.

وهنا شعر بشيء لم يشعر به من قبل.

ليس خوفًا.

بل انكشافًا.

كأن كل دقيقة عاشها في حياته تُراقب.

جلس الرجل في أقصى الغرفة.

نفس الرجل من المقهى.

لكن وجهه هنا مختلف.

أكثر واقعية.

أقل أناقة.

قال دون أن ينظر إليه:

“اتأخرت.”

تجمّد عمر.

“إيه؟”

رفع الرجل رأسه ببطء.

نظر إليه مباشرة.

لم تكن النظرة ترحيبًا.

كانت تقييمًا.

“كنت فاكر إنك مش هتيجي.”

شعر عمر بالارتباك يتحول إلى غضب دفاعي.

“إنت مين؟ واللي بيحصل ده إيه؟”

الرجل لم يبتسم.

“اسمع.”

وساد الصمت.

وسط التكتكة.

ركز عمر.

شيء غريب حدث.

الصوت بدأ يتغير.

لم يعد مجرد تكرار.

أصبح له إيقاع مختلف من ساعة لأخرى.

بعضها أسرع.

بعضها أبطأ.

بعضها كأنه يتردد.

“كل واحدة من دول مش وقت.”

تقدم عمر خطوة دون وعي.

“أمال إيه؟”

الرجل أشار إلى ساعة صغيرة بزجاج مخدوش.

“دي لحظة حد كان نفسه يرجعها.”

اقترب عمر.

شعر بشيء في معدته.

ذكرى.

مكالمة لم يرد عليها.

صديق ابتعد.

كلمة قاسية قالها لأمه في يوم متعب.

شعر أن الهواء أثقل.

“إحنا مش بنحافظ على الوقت.”

“إحنا بنحافظ على إحساس الناس بالوقت.”

“ولو ساعة وقفت؟”

نظر الرجل إليه نظرة طويلة.

“اللحظة هتفضل حصلت. بس مش هتوجع حد.”

ثم أضاف:

“ومش هتفرّح حد برضه.”

وهنا فقط أدرك عمر أن المسألة ليست عن التاريخ.

بل عن الوزن.

الوزن الذي يجعل الحياة حقيقية.

تقدم أكثر.

نظر إلى الساعات.

لم تعد مجرد أدوات.

بدت كقلوب.

كل واحدة تخفق بطريقتها.

“وليه أنا؟”

ابتسم الرجل ابتسامة متعبة.

“لأنك حاسس إن وقتك بيتسرق منك.”

“ولأنك طول عمرك فاكر إن في حاجة ناقصة.”

اقترب الرجل منه.

مدّ الشنطة نحوه.

“الوردية بتبدأ لما تبطل تسأل إذا كنت مستعد.”

شعر عمر ببرودة في أطرافه.

لم يكن يريد هذا.

لكنه لم يكن يريد العودة كما كان.

نظر إلى الساعة الصغيرة ذات الزجاج المخدوش.

مد يده.

ثم توقف.

لو لمسها…

هل سيخفّ الندم؟

هل سيختفي؟

هل سيصبح أخف… وأقل إنسانية؟

لم يعرف.

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يحاول أن يجد إجابة سريعة.

وقف وسط التكتكة.

واستمع.

لم يلمس الساعة.

لكنه لم يبتعد أيضًا.

وقف للحظات طويلة، يستمع إلى التكتكة وكأنها لا تصدر من الجدران بل من داخله. كان الصوت يتسلل إلى صدره، إلى رأسه، إلى تلك المساحة الغامضة خلف عينيه حيث تختبئ الذكريات التي لا نزورها إلا مصادفة.

قال الرجل بهدوء: “مش لازم تلمسها دلوقتي.”

لم ينظر عمر إليه. كان يشعر أن أي حركة مفاجئة قد تكسر شيئًا غير مرئي.

“كل ساعة هنا بتختار صاحبها قبل ما هو يختارها.”

ارتعشت أصابع عمر قليلًا.

“يعني إيه تختار؟”

رد الرجل: “يعني في لحظة معينة، بتبقى اللحظة دي أثقل من قدرتك على حملها. فتيجي هنا.”

تقدم عمر خطوة أقرب إلى الساعة ذات الزجاج المخدوش. كلما اقترب، شعر بدفء خفيف يحل محل البرودة. كأنها تتعرف عليه.

مد يده أخيرًا.

ولمسها.

في اللحظة التي لامست فيها أصابعه المعدن البارد، انقطع صوتها.

ليس فقط صوتها.

بل كل الأصوات.

اختفت التكتكة فجأة، وسقطت الغرفة في صمت كثيف، ثقيل، كأنه قماش سميك أُلقي فوق العالم.

تجمد الهواء.

لم يعد يسمع أنفاسه.

لم يعد يسمع الرجل.

لم يعد يسمع شيئًا.

ثم حدث شيء أغرب.

شعر بأن قلبه هو الوحيد الذي يصدر صوتًا.

دقات بطيئة.

واضحة.

عالية أكثر مما ينبغي.

نظر حوله.

الساعات كلها توقفت.

عقاربها ثابتة.

عيونها الزجاجية صامتة.

كأنها تنظر إليه.

فقط إليه.

قال صوت الرجل، لكن الصوت بدا بعيدًا، وكأنه يأتي من نهاية نفق طويل:

“إنت كده اخترت.”

حاول عمر أن يرفع يده عن الساعة.

لم يستطع.

لم تكن ملتصقة.

لكنه شعر أن شيئًا يمر من خلالها إليه.

ذكرى.

واضحة هذه المرة.

ليست مشوشة.

ليست عابرة.

يرى نفسه واقفًا أمام أمه.

صوته مرتفع.

وجهها صامت.

العينان ممتلئتان بشيء لم يفهمه وقتها.

لم تكن دموعًا.

كانت خيبة.

عاد إلى الغرفة فجأة، وكأن أحدهم دفعه من داخل المشهد.

انطلقت التكتكة مرة أخرى.

واحدة.

ثم أخرى.

ثم الغرفة كلها عادت تنبض بالصوت.

سحب يده أخيرًا.

تنفس بعمق، كمن كان غارقًا تحت الماء.

نظر إلى الساعة.

زجاجها لم يعد مخدوشًا.

أصبح صافيًا.

صافٍ بشكل مؤلم.

قال الرجل: “هي مش بتمسح اللحظة.”

توقف قليلًا.

“هي بتخليك تشوفها زي ما كانت فعلًا.”

شعر عمر بثقل مختلف هذه المرة.

ليس ثقل الندم.

بل ثقل الفهم.

وهذا كان أثقل.

“ودي بداية الشغل.” قال الرجل.

نظر عمر إليه.

وللمرة الأولى، لم يشعر بالخوف.

شعر بشيء أقرب إلى القبول.

قبول أن الوقت ليس شيئًا يمر.

بل شيء ينظر إلينا أيضًا.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي