لعبة الكراسي الموسيقية: “الخيانة لايف”
الساعة كانت تقرب من العاشرة صباحًا، والهدوء في الشقة كان أثقل من المعتاد. صوت المروحة الخفيف، وصوت الشارع البعيد، هما الشيء الوحيد الذي يملأ الفراغ. “هناء” كانت واقفة قدام المكتبة، ماسكة قطعة قماش قطنية، وبتنفض الغبار ببطء، وكأنها بتؤجل حاجة مش عايزة تواجهها.
من كام شهر، وهي حاسة إن في حاجة غلط. مش موقف واحد واضح، لكن تفاصيل صغيرة: تأخير في الرد، نظرة سريعة للموبايل، باب المكتب اللي بقى بيتقفل دايمًا. حاولت تقنع نفسها إنها بتوهم، لكن الإحساس ماكانش بيروح.
مدت إيدها ناحية ديوان شعر قديم كانت بتحبه، وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتفتكر إنها كانت بتقراه زمان قبل النوم. لكن أول ما مسكته، وقفت.
في حاجة مش مظبوطة.
مش الإحساس… الملمس.
حركت الكتاب سنة بسيطة، وقربت وشها أكتر. العدسة كانت صغيرة جدًا، لدرجة إنها ممكن تتفوت بسهولة، لكنها كانت هناك… واضحة لمن يركز.
فضلت ثواني طويلة باصة عليها من غير حركة. عقلها بيحاول يدي تفسير بسيط: “يمكن دي جزء من جهاز… يمكن حاجة قديمة… يمكن أنا مكبرة الموضوع.”
لكن جسمها كان بيرد بشكل مختلف. قلبها بيدق أسرع، وإيديها بردت.
همست لنفسها بصوت واطي:
“دي كاميرا…”
قعدت على طرف الكرسي، وبصت حواليها كأنها شايفة المكان لأول مرة. نفس الصالة، نفس الأثاث… بس الإحساس اتغير تمامًا.
فكرة واحدة كانت بتتكرر في دماغها:
“مين؟ وليه؟”
لكن الإجابة كانت أقرب مما تحب تعترف.
وقفت تاني، بس المرة دي مش مترددة. بدأت تبص في أماكن مش معتادة: السقف، جنب الأجهزة، عند الفيش. وبعد دقايق، لقت واحدة تانية في المطبخ، مخبية جوه جهاز إنذار.
وساعتها، الشك بقى يقين.
“دي مش صدفة…”
رجعت الصالة، ومسكت التابلت بتاع عصام. حاولت تفتحُه، متوقعة إنها هتحتاج وقت، لكن أول رقم دخلته اشتغل.
اتنهدت:
“زي ما أنت… مابتتغيرش.”
الكاميرات ظهرت قدامها، أربع زوايا بتعرض كل حاجة. لكنها ركزت على حاجة تانية.
مربع خامس، مقفول.
“المكتب”.
ضحكت بسخرية خفيفة:
“طبعًا…”
المكتب اللي عمرها ما دخلته، اللي دايمًا كان ليه مبرر جاهز.
دخلت الغرفة بهدوء. ريحة برفان حريمي كانت واضحة، ومش محتاجة تفسير. وقفت لحظة، بس ما علقتش.
فتحت الدرج، قلبت في الورق، لحد ما لقت العلبة. وعلى الغطا مكتوب:
“البرنس”
المرة دي ضحكت بجد… بس من غير صوت.
“تمام يا برنس… خلينا نلعب.”
ما اندفعتش، وما واجهتش. بالعكس، بدأت تفكر بهدوء. كل خطوة لازم تكون محسوبة.
بالليل، رجع عصام. فتح الباب، ابتسم، وسألها:
“عملتي إيه النهارده؟”
ردت عادي جدًا:
“ولا حاجة… نفس الروتين.”
تصرفاته كانت طبيعية لدرجة مزعجة. نفس النبرة، نفس الأسئلة، كأن مفيش حاجة.
وبعدين قال:
“هدخل المكتب شوية… عندي شغل.”
هزت راسها بس.
وأول ما قفل الباب، فتحت موبايلها.
استنت دقيقة… اتنين…
وبعدين ظهرت الصورة.
“سوزي”.
الاسم لوحده كان كفاية. مش مجرد واحدة غريبة… دي حد قريب.
لكن اللي وجعها مش وجودها… راحتها.
بتضحك، بتتحرك بحرية، كأنها مش غريبة عن المكان.
وقفت هناء ساكتة، بتتفرج، ومفيش دمعة نزلت. الغريب إن الإحساس ماكانش انفجار… كان هدوء تقيل.
خذلان.
بس واضح.
قفلت الموبايل، وحطته جنبها. بصت لقدام شوية، وبعدين قالت:
“خلاص…”
ومن اللحظة دي، كل حاجة بقت واضحة في دماغها.
اختارت يوم الجمعة.
العيلة كلها بتتجمع.
المكان المثالي.
يومها، كانت هادية بشكل غريب. لبست عادي، اتحركت عادي، وكأن مفيش حاجة.
على السفرة، الكل بيتكلم، بيضحك. عصام كان قاعد عادي جدًا، وده كان أكتر حاجة مستفزة.
وبعدين، بدأ.
بنفس الأسلوب اللي توقعته:
“أنا حاسس إننا بقينا مش مناسبين لبعض…”
سيبته يكمل.
ولا قاطعته.
ولا علّقت.
لحد ما خلص.
مسكت الكوباية، شربت شوية مية، وبعدين بصت له.
وقالت بهدوء:
“ممكن… بس قبل أي قرار، في حاجة لازم تتشاف.”
الناس بصت باستغراب.
وهو… ما فهمش.
غير لما الشاشة اشتغلت.
الصمت اللي حصل بعدها، ماكانش محتاج تفسير.
ولا هي احتاجت تتكلم كتير.
كل حاجة كانت قدامهم.
واضحة.
مباشرة.
من غير مبالغة.
وقفت بهدوء، طلعت الأوراق، وحطتها قدامه.
وقالت:
“ده أنسب نهاية.”
ما استنتش رد.
ولا حتى بصت له.
خرجت من البيت.
الهواء برا كان أخف بكتير.
وقفت لحظة جنب العربية، واخدت نفس عميق.
أول مرة من شهور… صدرها مش مضغوط.
ركبت، بصت في المراية.
وشها كان أهدى.
مش أقوى…
بس أوضح.
وده كان كفاية.
مرت ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام فقط… لكنها كانت كافية لتغيير شكل الحياة بالكامل.
الشقة الجديدة لم تكن بعيدة، لكنها كانت مختلفة. هادئة زيادة عن اللازم، خالية من أي أثر قديم. لا صور على الحائط، لا ذكريات على الرفوف، ولا حتى صوت مألوف يكسر الصمت.
“هناء” كانت قاعدة على الكنبة، ماسكة كوب قهوة برد من غير ما تحس. من وقت ما خرجت من البيت القديم، وهي ماشية بخطوات محسوبة، كأنها بتنفذ خطة لسه مستمرة، مش مجرد نهاية حصلت.
الغريب إن مفيش ندم.
ولا حتى حزن بالشكل اللي كانت متوقعاه.
فيه بس فراغ… وهدوء تقيل.
الموبايل رن.
بصت للاسم شوية قبل ما ترد.
“رقم غريب”.
ترددت لحظة، لكن ردت.
— “ألو؟”
الصوت اللي رد كان مألوف… ومش مريح.
— “هناء… أنا سوزي.”
سكتت.
مش لأنها اتفاجئت… لكن لأنها كانت متوقعة المكالمة دي، بس مش عارفة إمتى.
— “عايزة إيه؟”
الصوت في الناحية التانية كان أهدى من الطبيعي:
— “إحنا لازم نتكلم.”
ابتسمت هناء ابتسامة خفيفة، مش فيها سخرية… فيها ملل.
— “لا… إحنا خلصنا.”
— “مش زي ما إنتي فاهمة.”
الجملة دي خلتها تسكت لحظة.
مش لأنها صدقتها… لكن لأنها سمعتها قبل كده كتير.
— “طب زي إيه؟”
سوزي اتأخرت في الرد ثواني، وبعدين قالت:
— “عصام مش لوحده.”
هنا… بس هنا… حصل التغيير.
مش في ملامحها، لكن في تركيزها.
— “قصدك إيه؟”
— “الموضوع أكبر مننا كلنا… وأنا غلطت، بس مش أنا السبب في كل حاجة.”
هناء قامت وقفت، وبدأت تتمشى ببطء في الصالة.
— “اتكلمي على طول.”
الصوت بقى أوطى:
— “الفلوس… اللي قالك إنه بيحولها… مش باسمي.”
سكتت.
المعلومة دي… جديدة.
— “أمال باسم مين؟”
ثانية صمت… وبعدين:
— “شركة.”
— “شركة إيه؟”
— “شركة وهمية… وهو مش لوحده فيها.”
هنا، هناء حسّت بحاجة رجعت تاني.
مش وجع… ولا خوف.
حاجة شبه التركيز اللي كان عندها أول مرة شافت الكاميرا.
— “إنتي عايزة إيه؟”
— “أنا مش عايزة حاجة… أنا بحاول أخرج نفسي من الموضوع.”
ضحكت هناء ضحكة قصيرة:
— “بعد إيه؟”
— “بعد ما فهمت إننا كنا لعبة… مش أكتر.”
الجملة دي فضلت معلقة في الجو شوية.
“لعبة”.
نفس الكلمة اللي كانت بتلف في دماغها من الأول.
لكن المرة دي… معناها مختلف.
— “قابليني.”
قالتها هناء فجأة.
حتى سوزي سكتت لحظة:
— “إنتي متأكدة؟”
— “آه… وأنا اللي أحدد المكان.”
قفلت المكالمة.
وقفت في نص الصالة شوية.
وبعدين قالت لنفسها بصوت مسموع:
“واضح إن اللعبة… لسه ما خلصتش.”
بعد ساعتين، كانت قاعدة في كافيه هادي، اختارت مكان مفتوح، فيه ناس، ومفيش زاوية مستخبية.
سوزي وصلت متأخرة عشر دقايق.
وشها كان مختلف.
مش أنيق زي الأول… ومش واثق.
قعدت قدامها، من غير مقدمات:
— “أنا غلطت.”
هناء ما ردتش.
— “بس أنا مش أكتر واحدة غلطانة.”
— “ده مش موضوعنا.”
— “هو موضوعك… لأن الفلوس دي فيها اسمك.”
الجملة دي وقفت كل حاجة.
— “إزاي؟”
— “الشركة متسجلة باسم حد قريب منك… من غير ما تعرفي.”
هنا، أول مرة، قلبها دق بشكل مختلف.
— “مين؟”
سوزي بصت لها مباشرة:
— “أخوك.”
الصمت اللي حصل بعدها… كان تقيل بجد.
مش صدمة سريعة.
لكن حاجة بتتجمع ببطء.
تفاصيل قديمة بدأت تظهر في دماغها:
مكالمات… تصرفات… فلوس اتحركت… أسئلة ماخدتش بالها منها.
رجعت تبص لسوزي:
— “إنتي متأكدة؟”
— “معايا ورق.”
حطت ملف صغير على الترابيزة.
هناء بصت له… لكن ما فتحتهوش.
مش دلوقتي.
لأنها فجأة فهمت حاجة واحدة بس:
الموضوع عمره ما كان خيانة بسيطة.
كان شبكة.
وأول مرة… حسّت إنها مش بس بتخرج من مشكلة.
هي داخلة على حاجة أكبر.
وقفت، وخدت الملف.
وبصت لسوزي:
— “آخر مرة.”
— “فاهمة.”
خرجت من الكافيه.
الجو كان أهدى من الصبح.
لكن جواها… كان العكس تمامًا.
ركبت العربية، وحطت الملف جنبها.
بصت قدامها شوية…
وبعدين قالت:
“واضح إن لعبة الكراسي… لسه بتتغير.”