لعنة قصر الصمت – أسبوع الفناء

لعنة قصر الصمت – أسبوع الفناء


لعنة قصر الصمت – أسبوع الفناء

لم يكن مازن يؤمن بالخرافات، لكنه كان يؤمن بشيء واحد فقط: أن الجمهور يحب أن يُخاف قليلًا. منذ سنوات وهو يعمل في مجال التحقيقات الخاصة بالقصص الغامضة، لا بوصفه مؤمنًا بما وراء الطبيعة، بل باعتباره صحفيًا يعرف كيف يحول الأسطورة إلى مادة مثيرة. في تلك الليلة، كان يجلس في مكتبه الصغير، أوراق مبعثرة حوله، شاشة الكمبيوتر مضيئة على أرشيف قديم، ويده تعبث بسيجارة نسيها تشتعل حتى أحرقت أطراف أصابعه. عينه كانت حمراء من السهر، وصوته خرج مبحوحًا وهو ينادي على سلمى التي كانت ترتب معدات التصوير في الغرفة المجاورة. قال لها بنبرة امتزج فيها التعب بالحماس: “سلمى… أعتقد أني وجدت الكنز.”

دخلت عليه بسرعة، تعرف تلك النبرة جيدًا. كل سبق صحفي كبير بدأ بجملة مشابهة. اقتربت من الشاشة، فوجدت صورة لقصر قديم، بواجهة حجرية مهيبة، نوافذه عالية كأنها تحدق في الأفق، وتحيط به حديقة مهجورة تغطيها الأعشاب. أسفل الصورة خبر يعود لعام 1920 يتحدث عن مالكه الأول، رجل فرنسي هارب من أوروبا، قيل إنه كان مولعًا بالعلوم الغامضة، وبنى القصر ليكون ملاذًا خاصًا بعيدًا عن أعين الناس. ابتسم مازن ابتسامة واسعة وقال: “التاريخ يقول إن أي شخص يسكن القصر يختفي بعد مئة وثمانية وستين ساعة بالضبط. أسبوع كامل، لا أكثر ولا أقل.”

رفعت سلمى حاجبيها بدهشة ممزوجة بالفضول. لم تكن ساذجة لتصدق بسهولة، لكنها أيضًا لم تكن ممن يرفضون المغامرة. سألته: “هل هناك دليل؟” هز رأسه قائلاً: “لا جثث، لا آثار اقتحام، لا شيء يدل على جريمة. فقط اختفاء تام. البيت يبتلع سكانه.” كان يعرف أن الجملة الأخيرة درامية، لكنه تعمد قولها بتلك الطريقة. التفت إليها فجأة وقال: “نتنقل للقصر ونبث أسبوعًا كاملًا على الهواء. لا مونتاج، لا خدع. الحقيقة كما هي.”

في اليوم الأول، وصلا إلى القصر مع معدات التصوير، وإضاءة محمولة، وأجهزة بث مباشر. كان الجو ساكنًا بطريقة تثير القلق. الهواء يحمل رائحة بخور قديم اختلط بغبار السنين. حين فتحا الباب الثقيل، أصدر صريرًا كأنه تنهد طويل. كانت الأرضية مغطاة بطبقة رقيقة من التراب، والسقف مرتفع تتدلى منه ثريا عتيقة. بدأت سلمى تصوير مدخل القصر، بينما وقف مازن يشرح للمشاهدين تاريخ المكان. حاول أن يبدو هادئًا، ونجح في ذلك، لكن داخله كان يتساءل إن كان هناك شيء فعلاً لا يُرى.

مر اليوم الأول بلا أحداث تُذكر، باستثناء إحساس غير مريح بأن القصر يراقبهما. في اليوم الثاني، بدأت سلمى تشعر بأن اللوحات المعلقة على الجدران تغير موضع نظراتها كلما تحركت في الممر. لم تقل شيئًا في البداية، حتى لا تمنح مخيلتها فرصة للتمدد، لكنها لاحظت أن ملامح الوجوه في الصور تبدو أكثر وضوحًا في الليل، كأنها تخرج قليلًا من الإطار.

في اليوم الرابع، انقطع التيار الكهربائي فجأة رغم أنهم كانوا يعتمدون على مولد صغير. أضاء مازن كشاف الكاميرا، فتبدت ظلال داكنة تتحرك بسرعة على درجات السلم. لم تكن أشكالًا محددة، بل ومضات عابرة. ثم سمعا صوت بيانو ينبعث من الطابق السفلي. نغمة كلاسيكية هادئة، تتكرر بإيقاع منتظم. نزل الاثنان بحذر، فوجدوا البيانو القديم مفتوحًا، مفاتيحه تتحرك ببطء وكأن أصابع غير مرئية تعزف عليه. الكراسي في الصالة كانت مصطفة بانتظام كما لو أن جمهورًا يستعد لحفل لم يبدأ بعد.

تزايد التوتر في اليوم السادس. مازن، الذي كان دائمًا الأكثر ثباتًا، بدأ يتصرف بطريقة غريبة. كان يلتفت فجأة خلفه ويتحدث بصوت خافت، يسأل سلمى إن كانت ترى “الرجل” الذي يقف قرب النافذة. لم تكن ترى أحدًا. كانت تشعر بالخوف يتسلل إليها، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها. حين قررا المغادرة قبل اكتمال الأسبوع، اكتشفا أن الأبواب التي دخلا منها لم تعد موجودة. الجدران بدت متصلة بلا فتحات. النوافذ تحولت إلى كتل معتمة لا يمكن فتحها.

مع اقتراب منتصف الليلة السابعة، جلسا في وسط الصالة، الكاميرا أمامهما تبث كل شيء. كان العرق يتصبب من جبين مازن، وصوته يرتجف وهو يخاطب المشاهدين قائلاً إنهما محبوسان ولا يعرفان كيف سيخرجان. فجأة بدأت الجدران تفرز مادة داكنة تنساب ببطء كأنها عرق ثقيل. المرآة الكبيرة في نهاية الصالة أخذت يخرج منها ضباب خفيف، ثم تكاثف ليشكل صورتين واضحتين… صورتين لمازن وسلمى، لكن بملابس أنيقة، ووجوه خالية من الخوف.

اقتربت النسخة الأخرى من مازن، وابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بصوت يشبه صوته تمامًا: “انتظرنا طويلًا. نحتاج فقط إلى أجساد جديدة لنخرج.” شعرت سلمى بيد باردة تمسك بذراعها، ورأت نسختها الأخرى تنظر إليها بعينين لا تحملان روحًا. في لحظة خاطفة، انجذبا نحو المرآة كما لو أن سطحها أصبح سائلًا.

عند تمام منتصف الليل، عاد القصر إلى سكونه. انفتحت الأبواب كما كانت. في الصباح، رآهما الجيران يغادران القصر، يضحكان ويتحدثان عن نجاح الحلقة. لكن في إحدى الغرف المعتمة داخل القصر، عُلقت صورتان جديدتان على الجدار… وجهان مألوفان خلف زجاج صامت.

كان ياسين مخرجًا معروفًا بقدرته على تحويل القصص الواقعية إلى أفلام تهز المشاهدين. لم يكن يبحث عن الإثارة الرخيصة، بل كان يغوص في تفاصيل النفس البشرية، في تلك المنطقة الرمادية التي تسبق الانفجار. في ليلة شتوية باردة، جلس في مكتبه يكتب سيناريو فيلم جديد يحمل عنوان “دموع العائلة”. كان القلم يتحرك بسرعة، كأنه يسبق أفكاره.

كتب مشهدًا عن أم تقف في المطبخ، تتأمل السكين في يدها، ثم تنزلق يدها فجأة لتسقط أرضًا بعد حادث مأساوي. لم يكن يقصد الصدمة بقدر ما أراد التعبير عن هشاشة اللحظة. بعد ساعة، سمع صرخة من المطبخ. هرع ليجد أمه على الأرض، وقد تعرضت لإصابة خطيرة نتيجة سقوط عرضي. الشرطة سجلت الحادث باعتباره قضاءً وقدرًا، لكن قلب ياسين بدأ يخفق بشك ثقيل.

حاول إقناع نفسه بأن ما حدث مجرد مصادفة. لكنه عاد إلى مكتبه وواصل الكتابة، كأن قوة خفية تدفعه للاستمرار. كتب مشهدًا آخر عن حادث سيارة يصيب الأخ الأصغر قرب البيت. لم يمض وقت طويل حتى تلقى اتصالًا يفيد بتعرض شقيقه لحادث مشابه تمامًا لما وصفه.

بدأ الخوف يتسلل إلى عقله. أغلق على نفسه المكتب بإحكام، وأقسم أنه سينهي الأمر بكتابة نهاية يسيطر فيها على الأحداث. كتب أن المخرج سيواجه الظل الذي يحرك المأساة ويضع حدًا له. حين أنهى السطر الأخير، رفع عينيه فرأى انعكاسه في مرآة طويلة أمامه. للحظة، خُيل إليه أن الانعكاس يتحرك ببطء مختلف عن حركته.

اقترب من المرآة، وقلبه ينبض بقوة. كانت ملامحه شاحبة، وعيناه مرهقتين. فجأة شعر ببرودة تسري في الغرفة، وسمع ضحكة خافتة خلفه. التفت بسرعة، فلم يجد أحدًا. عاد بنظره إلى المرآة، فشاهد نفسه صغيرًا، طفلًا يمسك دفترًا ويرسم خطوطًا عشوائية. كان الطفل يبتسم ابتسامة غامضة، ثم كتب في الدفتر عبارة لم يسمعها، لكنه رآها تنعكس على الزجاج.

تراجع ياسين خطوة إلى الوراء، وأدرك أن الخطر لم يكن في ما يكتبه، بل في ما يسكن داخله. أحس أن خوفه هو الذي يمنح الكلمات قوة. أسقط القلم على الأرض، وأغلق الدفتر ببطء. قرر أن يتوقف، أن يختار قصة مختلفة، أن يكتب عن النجاة بدل الفقد. في تلك اللحظة، هدأت الغرفة، واختفى الظل.

لم يكن متأكدًا مما حدث فعلًا، هل كان ضغطًا نفسيًا، أم وهماً صنعه عقله المرهق. لكنه تعلم درسًا لن ينساه: أحيانًا، أكثر ما يخيفنا ليس ما يحدث حولنا، بل ما نسمح له أن ينمو في داخلنا. ومنذ تلك الليلة، صار ياسين يكتب بحذر، مدركًا أن الكلمة قد تكون بذرة… وأن الخيال حين يُترك بلا ضابط، قد يتحول إلى مرآة تعكس أعمق مخاوفنا.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان