حين عاد طارق من السفر فوجد زوجته في السطوح

حين عاد طارق من السفر فوجد زوجته في السطوح


حين عاد طارق من السفر

اسمي طارق… شاب مصري يمكن ناس كتير تقول عني إن دمي حامي زيادة عن اللزوم. أنا من النوع اللي ما يعرفش يسكت على الغلط، حتى لو الغلط ده جاي من أقرب الناس لقلبي. طول عمري كده، يمكن ده عيب، ويمكن ده اللي أنقذ حياتي في اللحظة اللي هحكيها دلوقتي. اتجوزت سلمى بعد قصة حب بسيطة لكن صادقة، بنت طيبة وأصيلة، تربت في بيت محترم، وكانت من النوع اللي قلبه أوسع من الدنيا. بعد الجواز بشهرين بس جاتلي فرصة شغل في الخليج، فرصة كانت ممكن تغير حياتنا كلها. المرتب كبير بالنسبة لشاب لسه في بداية حياته، وأنا كنت حاسس إني لو ضيعتها هافضل ندمان طول عمري. يوم ما كلمت سلمى عن السفر كانت عينيها فيها دمعة صغيرة لكنها ابتسمت وقالتلي: “سافر يا طارق… إحنا بنبني مستقبلنا.”

سافرت وأنا حاططها أمانة في رقبة أمي وإخواتي البنات. قلت لنفسي دول أهلي، عمرهم ما ممكن يظلموها. كنت ببعت كل شهر الفلوس باسم أمي عشان تصرف على سلمى وتكمل فرش الشقة اللي كنت شاريها قبل الجواز. كنت متخيل إن البيت بيمتلئ حب وإن مراتي عايشة زي الهانم فعلاً زي ما أمي كانت بتقوللي في كل مكالمة. كل مرة كنت أكلم أمي كانت تطمني نفس الجملة تقريبًا: “اطمن يا ابني… مراتك في عنينا، دي قاعدة ملكة ومش شايلة حاجة.” ولما كنت بكلم سلمى كانت دايمًا بتقولي: “أنا كويسة يا حبيبي… ركز في شغلك.” لكن صوتها… كان فيه حاجة مخنوقة، حاجة ماكنتش مفهومة. كنت ساعات أحس إن في حاجة غلط، بس كنت أرجع وأقول لنفسي: يمكن وحشة، يمكن الحمل تعبها، يمكن البعد تقيل علينا الاتنين.

مرت الشهور وأنا شغال ليل نهار. كنت بحوش كل جنيه عشان أرجع أعمل مفاجأة كبيرة لسلمى. كنت بحلم باليوم اللي هرجع فيه فجأة وألاقيها فاتحة الباب قدامي وهي بتضحك. كنت أتخيل حضنها وأنا شايلها من على الأرض وأقولها إن تعب الغربة كله انتهى. لكن اللي حصل ماكانش في خيالي ولا في كوابيسي حتى. قبل ما أرجع بأسبوع قلبي اتقبض فجأة. حاولت أكلم سلمى تليفونها مقفول. قلت يمكن الشبكة وحشة. حاولت تاني وتالت… نفس النتيجة. اليوم اللي بعده برضه التليفون مقفول. هنا القلق بدأ يكبر جوايا زي كرة نار. حاولت أكلم أمي قالتلي إن سلمى عند جارتنا ونسيت تشحن التليفون. الرد كان بسيط… لكن قلبي ما صدقوش.

في الليلة دي حجزت تذكرة من غير ما أقول لحد. قررت أنزل مصر فجأة وأعمل المفاجأة اللي كنت بحلم بيها. وصلت القاهرة بعد رحلة طويلة، والساعة كانت حوالي اتنين الفجر لما وقفت قدام باب العمارة القديمة اللي فيها بيت العيلة. العمارة كانت ساكتة والشارع شبه فاضي، والبرد قارص. طلعت السلم بسرعة وأنا حاسس إن قلبي بيخبط في صدري كأنه عايز يطلع يجري قدامي. وقفت قدام باب شقتي… الشقة اللي اشتريتها بعرق السنين… وحطيت المفتاح في الباب. المفتاح ما لفش. حاولت تاني. برضه ما لفش. هنا حسيت إن في حاجة غلط بجد.

خبطت على الباب وأنا متوقع إن سلمى تفتحلي. لكن اللي فتح الباب كان راجل غريب… أول مرة أشوفه في حياتي. بصلي باستغراب وسألني: “خير يا أستاذ؟” أنا اتجمدت في مكاني. قلتله بصوت متقطع: “أنت مين… وبتعمل إيه في شقتي؟” الراجل اتفاجئ وقال بكل بساطة: “شقتك إيه يا أستاذ؟ أنا مأجرها من الحاجة والدتك بقالي ست شهور.” في اللحظة دي حسيت إن الدم غلى في عروقي. الدنيا اسودت قدامي، وكل حاجة حواليا بقت بتلف. ما قلتش كلمة… جريت على السلم زي المجنون ونزلت لشقة أمي.

كسرت الباب تقريبًا وأنا داخل. أمي وإخواتي صحيوا مفزوعين من الصوت. وقفت في نص الصالة وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي: “مراتي فييييين؟!” سكتوا كلهم. بصوا لبعض كأنهم اتفقوا على الصمت. مفيش حد نطق بكلمة. حسيت إن في حاجة بتخنقني. جريت أدور في كل أوضة في البيت… لكن سلمى ما كانتش موجودة. فجأة عيني وقعت على باب السلم اللي بيطلع للسطوح. كان مقفول بقفل من برة. في اللحظة دي قلبي وقع. كسرت القفل وطلعت السلم بسرعة.

وأنا بفتح باب السطوح… شفت المشهد اللي كسر ضهري. أوضة كراكيب صغيرة في الركن، بابها نص مفتوح. دخلت… لقيت سلمى نايمة على مرتبة قديمة متقطعة، متغطية ببطانية خفيفة، وجسمها كله بيرتعش من البرد. كانت حامل وبطنها باينة، وهدومها متبهدلة كأنها بتشتغل طول اليوم. للحظة حسيت إن روحي خرجت مني. قربت منها وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه. ناديت اسمها بصوت مكسور: “سلمى…” فتحت عينيها بالعافية وبصتلي كأنها بتشوف حلم.

همست بصوت ضعيف: “طارق؟… ولا أنا بحلم؟” في اللحظة دي كل الغضب اللي جوايا اختفى للحظة، وحل مكانه إحساس واحد بس… الذنب. ركعت جنبها ومسكت إيدها الباردة. قلت لها وأنا دموعي نازلة: “سامحيني يا سلمى… سامحيني إني سيبتك لوحدك.” فجأة انفجرت في العياط. ده ما كانش عياط دلع… كان عياط إنسانة شايلة جبل على قلبها وساكتة شهور. قالتلي إنهم أجروا الشقة وخدو الفلوس، وإنهم شغلوها خدامة في البيت، ولما حاولت تشتكي خدوا تليفونها وحبسوها فوق السطوح.

كل كلمة كانت بتغرز سكينة في قلبي. أنا اللي كنت فاكر إني بحميها… أنا اللي سلمتها لناس المفروض يكونوا أمانها. في اللحظة دي حسيت إن الغضب اللي جوايا ممكن يولع الدنيا كلها. لكن لأول مرة في حياتي قررت إن غضبي ما يبقاش مجرد صراخ. قفلت باب أوضة السطوح علينا، وطلعت تليفوني وكلمت محامي أعرفه من زمان. بعدها مباشرة كلمت النجدة. قلت لنفسي إن اللي حصل ده مش مجرد خناقة عائلية… ده ظلم، والظلم لازم يتوقف.

بعد نص ساعة تقريبًا وصلت الشرطة. العمارة كلها صحيت على الصوت. أمي وإخواتي كانوا في حالة ذهول. حاولوا يبرروا اللي حصل، قالوا إنهم كانوا بيصرفوا على سلمى، وإن الشقة كانت فاضية. لكن الحقيقة كانت واضحة. محضر رسمي اتكتب، والتحقيق بدأ. لأول مرة في حياتي حسيت إن العدالة ممكن تكون أهدى وأقوى من أي عصبية. ما مدتش إيدي على حد… لكن القانون قال كلمته.

مرت الشهور بعد الحادثة، والقضية أخدت وقتها في المحكمة. سلمى رجعت تعيش معايا في شقة جديدة بعيد عن بيت العيلة. كنت بحاول أعوضها عن كل لحظة ألم عاشتها. لما بنتنا اتولدت سميناها “أمانة”… عشان أفضل فاكر إن الأمانة لو ضاعت، البيت كله يضيع. يوم الحكم، القاضي قال جملة عمري ما هنساها: “مسكن الزوجية ليس مجرد أربع حيطان… بل أمان لامرأة ليس لها بعد الله إلا زوجها.” في اللحظة دي دموعي نزلت من غير ما أحس.

بعد سنة حاولت أمي ترجع تتواصل معايا. جت تشوف حفيدتها. أنا ما منعتش الزيارة… لكن الحدود اتغيرت. تعلمت إن البر مش معناه إنك تسكت على الظلم. وصلة الرحم ما تعنيش إنك تضيع حق زوجتك. العدل أحيانًا بيبقى أصعب من الغضب، لكنه أبقى وأصح. أنا طارق… كنت عصبي طول عمري. لكن التجربة دي علمتني إن أقوى نار هي اللي تدفي… مش اللي تحرق.

وبعد شهور طويلة من الهدوء، حصلت حاجة غريبة. سلمى كانت بتنضف مخزن الشقة الجديدة، ولقت صندوق خشب صغير بين الكراتين القديمة. فتحته لقيت ظرف أصفر مكتوب عليه بخط قديم: “لو طارق عرف الحقيقة في يوم… اقراه.” سلمى قعدت على الأرض وهي ماسكة الظرف بإيد مرتعشة. فتحت الرسالة… وابتسمت ابتسامة هادية. الرسالة كانت من جدتها، بتقول فيها إن الصبر مش ضعف، وإن الحب الحقيقي بيظهر في أصعب اللحظات.

سلمى بصتلي وقالت بهدوء: “يمكن لو كنا عرفنا الحقيقة بدري… كنا اتعلمنا الدرس أسرع.” حضنتها وأنا شايل بنتنا الصغيرة بين إيدينا. وقتها فهمت إن الصدمات أحيانًا مش نهاية الطريق… لكنها بداية لحياة أصدق. لأن العدالة مش مجرد حكم في المحكمة… العدالة إنك تبني بيت جديد على أساس الحق.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان