قصة ليلة الوضع يد.. كيف أنهت هناء سنوات من الاستغلال

قصة ليلة الوضع يد.. كيف أنهت هناء سنوات من الاستغلال


ليلة “الوضع يد”.. والقنبلة الموقوتة

في بيت دافي وسط زحمة الحياة اليومية، كانت هناء واقفة في المطبخ، مش بإيدها حاجة غير الموبايل، لكن دماغها كان شغال بألف اتجاه. صوت مصطفى جاي من الصالة، عالي ومليان حماس وهو بيتفرج على الماتش، وبيقول بثقة غريبة كده وكأن القرار اتاخد خلاص من غير ما حد يسأله: “يبقى زي كل سنة.. اللمة عندنا، دي خلاص بقت وضع يد يا هنوءة!”
الجملة كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها وقعت على قلب هناء زي حجر تقيل، لأن “وضع يد” دي مش مجرد كلمة، دي تاريخ طويل من التعب اللي محدش شايفه، من السنين اللي عدت وهي بتجري بين المطبخ والصالة، بين الطلبات اللي مبتخلصش، والابتسامة اللي لازم تفضل مرسومة حتى لو جواها مكسورة.

بصت في الموبايل تاني، لقت جروب “العيلة السعيدة” مولع، رسايل وتهاني وصور بلالين وصواريخ، وكل واحدة داخلة تقول طلباتها وكأنها قائمة مفتوحة. الحاجة سنية، حماتها، كانت في الصدارة كالعادة، بتكتب تعليمات مفصلة، كأنها بتدي أوامر في معسكر: “يا هناء، متنسيش الرنجة تتدلع بالطحينة والليمون، والسمبوسة تتقلي في آخر لحظة عشان تقرمش!”
الكلام كان شكله لطيف، لكن معناه واضح جدًا: كل حاجة على هناء، وكل الناس جاية تاكل وتتبسط، وهي اللي عليها الشغل كله من غير نقاش.

هناء، اللي في شغلها مديرة عمليات في توكيل ملاحي كبير، كلمة منها بتحرك سفن وبتنظم شحنات دولية، كانت في بيتها حاسة إنها مجرد واحدة واقفة ورا ترابيزة، شغلتها الوحيدة إنها تجهز وتقدم وتسكت. التناقض ده كان بيخبط جواها كل سنة، لكنها كانت دايمًا بتعدي الموضوع، تقول لنفسها “معلش”، “عديها”، “عشان خاطر البيت”.

لكن الذكريات مبتسيبش حد. وهي واقفة كده، افتكرت أول سنة جواز، اليوم اللي كان المفروض يبقى ذكرى حلوة وبداية مختلفة، لكنه اتحول ليوم اختبار حقيقي لصبرها. ساعتها كان سيف لسه طفل صغير، حرفيًا لسه في أول شهوره، وهي نازلة بيه في المطر، شايلة أكياس تقيلة من السوبر ماركت، وإيديها وجعتها من كتر الحمل.
كانت بتبص حواليها، المطر بينزل، والناس بتجري، وهي واقفة بتحاول توازن بين طفل بيعيط وشنط بتقطع إيديها، وكل اللي في دماغها إنها لازم تلحق تجهز قبل ما الضيوف يوصلوا.

رجعت البيت يومها وهي منهكة، لقت مصطفى بيقول لها بابتسامة مطمّنة: “هنام ساعة بس وأقوم أفرتك لك المطبخ.” الجملة كانت فيها وعد، لكنها كانت كدبة لطيفة اتكررت بعد كده كتير. مصطفى نام، وصحي فعلًا، بس على صوت جرس الباب والضيوف بيدخلوا، وهو لابس قميص مكوي ووشه منور، وهي كانت واقفة في المطبخ، حرفيًا خلصت طاقتها، حاسة إنها فصلت عن العالم.

ومن هنا بدأ المسلسل اللي مبيخلصش. كل سنة نفس السيناريو، نفس التفاصيل، نفس الإرهاق اللي بيزيد، ونفس النهاية اللي محدش بيشوفها غيرها. السنة اللي بعدها، حماتها جت شايلة شنطها الخوص، ودخلت المطبخ بثقة، وقالت جملتها الشهيرة: “أنا عملت سلطتي وجيت، المايونيز بتاعكم ده دلع ماسخ!”
المطبخ اتحول لساحة مفتوحة، كل واحد داخل طالع، حد بيدوق، حد بيسأل، حد بيدخن، وحد بيدور على شوكة، وهناء في النص، بتتحرك بسرعة، زي نحلة شغالة، بس الفرق إن النحلة دي بتتحرق عشان غيرها ينبسط.

وفي الآخر، المشهد دايمًا بيكون واحد. مصطفى واقف في الصالة، بيضحك وبيهزر، وبيوزع البيبسي على الضيوف، ويقول بفخر: “البيت بيتكم يا جماعة، هناء النهاردة عاملة لنا وليمة ملوك!”
الناس بتسقف وتضحك، وهو بياخد اللقطة، وهي بتكون ساعتها جوه الأوضة، بتحاول تهدي سيف اللي نام من العياط، ورأسها بتوجعها، وجسمها مش شايله.

السنين عدت، وكل سنة كانت شبه اللي قبلها، لكن جوا هناء كان في حاجة بتتراكم، حاجة بتكبر بهدوء، من غير صوت، لحد ما بقت زي قنبلة مستنية اللحظة المناسبة. والسنة دي، لأول مرة، هناء قررت تسكت، بس مش سكوت الاستسلام… سكوت التخطيط.

لما مصطفى قال جملته المعتادة، هي بصت له بهدوء غريب وقالت: “ماشي يا درش، اللي تشوفه.” الجملة كانت قصيرة، لكن فيها قبول ظاهري وخطة مستخبية. سابت الموبايل يرن، مردتش على الجروب، ولا دخلت في نقاش، كأنها سلمت الراية… لكنها في الحقيقة كانت بتعيد ترتيب اللعبة كلها.

وجي يوم 31 ديسمبر، الساعة كانت قربت على 7 بالليل، والبيت كان هادي بشكل غير طبيعي. مفيش صوت تقطيع خضار، مفيش مواعين بتخبط، مفيش ريحة أكل ماليه المكان. الصمت كان غريب لدرجة إن أي حد يدخل يحس إن في حاجة مش مظبوطة.

مصطفى كان لابس ومتشيك، جاهز يستقبل الضيوف، وهو متوقع إن كل حاجة ماشية زي كل سنة. الحاجة سنية وصلت بشنطها، وخالة نادية كمان جت ومعاها بنتها، والكل قاعد في الصالة، مستني اللحظة اللي الأكل يظهر فيها من المطبخ، كأنها فقرة أساسية في الاحتفال.

الوقت عدى شوية، ومفيش حاجة حصلت. مصطفى بدأ يستغرب، فدخل المطبخ وهو بيهزر، عشان يكسر الصمت: “إيه يا لولو؟ الأكل فين؟ الجماعة جاعوا!”

لكن أول ما دخل، وقف مكانه. المطبخ كان نظيف بشكل مبالغ فيه، البوتاجاز بيلمع، الرخام فاضي، مفيش أي علامة إن في طبخ حصل. وفي النص، كانت هناء واقفة، لابسة فستان شيك، حاطة روج أحمر واضح، وبترش برفان، وكأنها خارجة على مناسبة، مش واقفة تطبخ لعزومة.

مصطفى بص لها بذهول وقال: “إيه ده؟ فين المحشي؟ فين الرنجة؟”

هناء ردت عليه بهدوء تام، نبرة صوتها ثابتة: “بعتت لوكيشن البيت لشركة جروب بوارج اللي بشتغل فيها… وقلت لهم المديرة بتاعتكم عاملة إضراب.”

قبل ما يستوعب الكلام، جرس الباب رن. مصطفى خرج يفتح، وهو متلخبط، لقى اتنين عمال شايلين صناديق خشبية كبيرة، مكتوب عليها “شحن دولي – عاجل”.

دخلوا الصناديق، وكل العيون كانت عليها، الكل متوقع إنها أكيد فيها الأكل. مصطفى فتح أول صندوق، لكن بدل ما يلاقي أطباق، لقى أطقم تنظيف كاملة. فتح التاني، لقى مريلات مطبخ، وكل مريلة مكتوب عليها اسم واحد من الضيوف.

“الشيف مصطفى”… “مساعدة الشيف سنية”… “قسم الجلي: خالة نادية”.

الصدمة كانت واضحة على الكل، لكن هناء مسكت اللاب توب، وشغلت المايك، وقالت بصوت واثق، فيه هدوء غريب، لكنه حاسم:
“يا جماعة، بما إني مديرة لوجستيك، قررت السنة دي أدير العزومة صح. الأكل دليفري هيوصل كمان نص ساعة… بس بشرط.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت: “الصناديق دي فيها سيستم اليوم. اللي مش هيلبس المريلة بتاعته، ويقوم يغسل طبقه ويشيل مكانه… الشحنة بتاعته، اللي هي العشا، هتتحول لميناء تانية فورًا.”

الكلام كان جديد، مختلف، ومفيش فيه هزار. مصطفى بص لأمه، وأمه بصت لخالة نادية، وكل واحد مستني التاني يعترض، لكن محدش اتكلم.

وفي اللحظة دي، وصل الدليفري، وريحت الأكل بدأت تملى المكان، ريحة البط المشوي، والحاجات السخنة، كانت كفيلة إنها تكسر أي مقاومة. واحد واحد، بدأوا يلبسوا المريلات، من غير نقاش.

ولأول مرة من سنين طويلة، هناء خرجت من دورها المعتاد. قعدت على رأس السفرة، بهدوء وثقة، وهي بتبص حواليها، شايفة المشهد مختلف. مصطفى كان واقف، بيصب البيبسي، وبيقول بنبرة فيها اعتراف واضح:
“يا جماعة… هناء النهاردة علمتنا إن الإدارة مش بس ورق… دي نظام وحق عرب.”

الليلة دي كانت مختلفة، مش عشان الأكل، ولا عشان التجمع، لكن عشان التوازن اتعدل. هناء أخيرًا خدت مكانها الحقيقي، مش بس كصاحبة البيت، لكن كإنسانة ليها حق تتقدّر، ويتحسب حساب تعبها. والكل، حتى لو كان مستغرب في الأول، فهم الرسالة… وفهم إن الليلة دي مش زي أي ليلة فاتت.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي