مرآة الظلال: السر الذي كان خلف الخشب القديم

مرآة الظلال: السر الذي كان خلف الخشب القديم


غلطة عمري إني اشتريت “المراية” دي.. السر اللي كان مستخبي ورا الخشب القديم!

في يوم من الأيام، يوم عادي لا يختلف عن غيره، خرجت أتجول في سوق الأنتيكات. أحب تلك الأسواق؛ فيها رائحة الزمن العتيق، قصص ناس رحلوا وتركوا وراءهم آثارًا صامتة، أشياء لا تتكلم لكنها تحكي. كنت أمشي بين الطاولات القديمة، أتأمل الكراسي الخشبية المتآكلة، والصور بالأبيض والأسود التي علقت على الجدران كأنها ذكريات لأشخاص غابوا. هناك شيء ساحر في الأشياء القديمة؛ كأنها تحمل روحًا خفية، قصة لم تروَ بعد.

وفجأة وقعت عيني على برواز مراية قديم جدًا. كان مصنوعًا من خشب منحوت يدويًا، تفاصيله دقيقة كأنها نُحتت بحب، أو ربما بحزن. الإطار كان مزخرفًا بنقوش تشبه الورود، لكنها ورود باهتة، كأنها ذبلت مع الزمن. لم تكن جميلة بالمعنى المعتاد؛ كان فيها شيء غامض، شيء يجذبك وفي الوقت نفسه يثير القلق. الزجاج نفسه كان باهتًا، فيه خدوش صغيرة، كأن الزمن مر عليه وترك بصمته.

البائع كان رجلًا كبيرًا في السن، وجهه مليء بالتجاعيد، وعيناه تحملان نظرة يصعب فهمها. عندما سألته عن السعر، أجاب بسرعة: “خذيها بسعر قليل، أنا أريد التخلص منها.” كان صوته غريبًا، فيه نبرة توحي أنه لا يريد الحديث عنها أكثر. تساءلت في نفسي: لماذا يريد التخلص منها؟ هل هي مجرد قطعة قديمة لا قيمة لها؟ أم أن وراءها قصة لا يريد أن يتذكرها؟

لم أفكر كثيرًا. السعر كان منخفضًا، والمراية جميلة بطريقتها الخاصة. قلت في نفسي: “لقطة.” دفعت المال وحملتها إلى البيت. كنت سعيدة بالشراء، متحمسة أن أعلقها في غرفتي لتضيف لمسة كلاسيكية. لم يخطر ببالي أن هذا القرار البسيط قد يفتح بابًا إلى شيء لا أفهمه.

عندما وصلت إلى البيت، علقتها أمام السرير مباشرة. كان المكان مناسبًا؛ تعكس الضوء بطريقة لطيفة، وتمنح الغرفة إحساسًا قديمًا دافئًا. في البداية، لم يكن هناك شيء غريب. مجرد مراية عادية تعكس صورتي عندما أقف أمامها. لكن في تلك الليلة، تغير كل شيء.

الجو في الغرفة أصبح مختلفًا. شعرت أن الهواء أثقل، كأنه محمّل بشيء لا أستطيع رؤيته. رائحة غريبة بدأت تنتشر، تشبه رائحة الورود الذابلة أو البيوت القديمة المهجورة. ليست رائحة كريهة، لكنها غير مألوفة، تثير في النفس شعورًا بالقلق. قلت لنفسي: ربما هو التراب، ربما تحتاج إلى تنظيف. أخذت قطعة قماش ومسحتها جيدًا، ثم ذهبت للنوم.

لكن النوم لم يكن هادئًا. في حوالي الساعة الرابعة فجرًا، استيقظت على صوت خربشة خفيفة. في البداية ظننته صوت حشرة، أو شيء يتحرك في الغرفة. حاولت تجاهله، لكن الصوت استمر. كان قادمًا من جهة المراية.

فتحت عيني ببطء. الغرفة كانت هادئة، الظلام يغلف كل شيء، إلا ضوء خافت قادم من الشارع. نظرت إلى المراية… وتجمدت في مكاني.

انعكاسي لم يكن طبيعيًا. كنت نائمة على جانبي، لكن الصورة في المراية مختلفة. كان هناك خيال لشخص جالس على طرف السرير. شخص لم يكن موجودًا في الغرفة. لم يتحرك، لم يفعل شيئًا، فقط كان جالسًا وينظر إليّ.

قشعريرة جرت في جسدي. حاولت أن أتحرك، لكن الخوف شلّني. ضغطت زر الإضاءة بسرعة. امتلأت الغرفة بالنور. نظرت مرة أخرى إلى المراية… ولم يكن هناك أحد.

تنفست بصعوبة. ربما كان مجرد وهم. ربما خيالي يلعب بي بسبب التعب. لكن عندما اقتربت من المراية، لاحظت شيئًا آخر: في منتصف الزجاج، كانت هناك بقعة ضبابية صغيرة، كأن أحدًا نفخ عليها للتو. لم يكن هناك أحد غيري في الغرفة.

اقتربت أكثر. ومسحت الزجاج بيدي. وعندها رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف للحظة.

مكتوب على الضباب بحروف صغيرة: “ساعديني”.

تجمدت في مكاني. هل هذا حقيقي؟ هل فعلاً كُتبت هذه الكلمة على المراية؟ لم يكن هناك قلم، ولم يكن هناك شيء يمكن أن يكتب به أحد. مجرد كتابة ظهرت على الضباب، كأنها رسالة من مكان لا أفهمه.

حاولت أن أقنع نفسي أنه وهم. ربما كنت نصف نائمة. ربما رأيت شيئًا لم يكن موجودًا. لكن الخوف بدأ يتسلل إلى قلبي.

قررت أن أزيل المراية من الحائط. قلت لنفسي: ربما هي سبب هذا الشعور الغريب. ربما يجب أن أضعها في مكان آخر، أو أتخلص منها. أمسكت بها، وحاولت رفعها، لكنها كانت ثقيلة بشكل غير طبيعي. ليست مجرد مراية. كأنها تحمل وزنًا أكبر من حجمها.

قلبتها على ظهرها. الخشب في الخلف كان مغلقًا بطريقة قديمة، مساميره صدئة، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة. شعرت أن هناك شيئًا مخبأً بداخله. شيء لا أراه، لكنه موجود.

جلبت مفكًا وبدأت أحاول فتحه. كانت المسامير متماسكة جدًا، كأنها تقاومني. لكن بعد جهد، بدأت تنفتح واحدة تلو الأخرى. قلبي كان يدق بسرعة. ماذا سأجد بالداخل؟ هل هي مجرد قطعة خشب فارغة؟ أم أن هناك سرًا دفينًا؟

عندما فتحت الغطاء الخلفي، سقط شيء على الأرض.

كانت صورًا قديمة جدًا. صور بالأبيض والأسود لفتاة صغيرة. ملامحها بريئة، لكنها تحمل حزنًا غريبًا في عينيها. في كل صورة، كانت الفتاة تمسك نفس المراية التي كنت أنظر إليها الآن.

لكن الغريب… أن ملامحها في الصور كانت تتغير.

في الصورة الأولى، كانت واضحة. وجهها ظاهر، ابتسامتها خفيفة. في الصورة التالية، بدأت ملامحها تبهت. كأن الصورة نفسها تتآكل مع الزمن. في آخر صورة، لم يكن هناك وجه. مجرد خيال أسود يمسك بالمراية.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. ماذا يعني هذا؟ من هذه الفتاة؟ ولماذا تبدو الصور وكأنها تختفي؟

واصلت البحث. وجدت دفترًا صغيرًا، جلده قديم ومهترئ. فتحته ببطء. الصفحات مليئة بخط يد طفولي. الكلمات بسيطة، لكنها تحمل شعورًا بالحزن.

كانت الفتاة تكتب عن حياتها. عن غرفة صغيرة كانت تعيش فيها. عن مرض جعلها لا تستطيع الخروج. عن الأيام التي كانت تقضيها وحدها، تنظر إلى المراية كوسيلتها الوحيدة لرؤية نفسها.

كتبت جملة جعلتني أتوقف:

“لو روحي خرجت، لا أريد أن أذهب بعيدًا. أريد أن أبقى هنا، في المكان الذي كنت أرى نفسي فيه.”

لم أفهم المعنى في البداية. لكنها كانت كلمات فتاة تشعر بالوحدة. فتاة كانت تعتبر المراية نافذتها الوحيدة على العالم.

واصلت التقليب. في الصفحة الأخيرة، كانت هناك قصاصة جريدة قديمة. تاريخها يعود إلى زمن بعيد. الخبر كان غريبًا:

“اختفاء طفلة من غرفتها. لم يتم العثور على أي أثر لها. وجدوا مرايتها مكسورة على الأرض، لكن الطفلة لم تكن موجودة.”

في تلك اللحظة، شعرت أن الهواء في الغرفة أصبح باردًا. رائحة الورود الذابلة عادت بقوة. نظرت إلى المراية… ووجدت شيئًا جديدًا.

على الزجاج، كان هناك أثر صغير. بصمة يد. يد صغيرة جدًا، كأنها لطفلة. لكنها لم تكن على السطح. كانت مطبوعة من الداخل، كأنها تحاول أن تخرج، أو أن تلمس العالم من الجهة الأخرى.

لم أعرف ماذا أفعل. الخوف جعلني أتخذ قرارًا سريعًا. جمعت الصور والدفتر، وحملت المراية. خرجت من البيت في منتصف الليل. مشيت حتى وصلت إلى مكان مهجور بعيد عن البيوت. مكان لا يزوره أحد.

وضعتها هناك. تركتها. قلت لنفسي: انتهى الأمر.

عدت إلى البيت وأنا أحاول إقناع نفسي أن كل ما حدث كان مجرد توتر. ربما خيالي لعب بي. ربما كنت متعبة. لكن عندما دخلت غرفتي…

المكان الذي كانت فيه المراية على الحائط كان فارغًا.

لكن على الجدار… كان هناك أثر يد صغير.

بصمة واضحة. كأن طفلة صغيرة وضعت يدها على الحائط، ثم اختفت.

لم أستطع النوم تلك الليلة. بقيت أفكر: ماذا كان كل ذلك؟ هل كانت المراية مجرد قطعة قديمة تحمل قصة؟ أم أن هناك شيئًا لا أفهمه؟

منذ ذلك اليوم، تعلمت درسًا مهمًا. الأشياء القديمة ليست مجرد أشياء. قد تحمل ذكريات، وقد تحمل قصصًا. بعضها جميل، وبعضها مؤلم. وبعضها… لا يجب أن نفتح أبوابه.

حرمت أشتري أي شيء قديم مهما كان شكله جميلًا. ليس لأنني أخاف من القطع نفسها، بل لأننا لا نعرف القصص التي تحملها. لا نعرف من كان يملكها، ولا ماذا حدث له.

الحياة مليئة بالأسرار. بعضها نكتشفه، وبعضها يظل مخفيًا. وربما هذا هو الأفضل.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي