البيت اللي بينسى ساكنيه
في مدينة لا تنام بالكامل، لكنها لا تستيقظ تمامًا أيضًا، كان هناك شارع جانبي هادئ يبتلع الضوضاء كأنه غير موجود على الخريطة. على جانبي الطريق كانت المباني قديمة، جدرانها متشققة، وأبوابها صامتة لا تُحدث أي صدى. وفي نهاية الشارع تقف عمارة قديمة، باهتة اللون، لا تثير الانتباه إلا لمن يعرف أنها مختلفة بطريقة غير مرئية.
كان الناس الذين سكنوا فيها لفترة قصيرة فقط يتهامسون باسمها دون اتفاق مسبق: البيت اللي بينسى ساكنيه. الاسم وحده كان كافياً لإثارة إحساس غريب، شعور بالخوف البطيء الذي يتسرب دون سابق إنذار.
حسام، شاب في أواخر العشرينات، لم يكن يبحث عن الغموض أو الرعب. حياته كانت متعبة بما فيه الكفاية. العمل، الإيجار، ضجيج الشقة المشتركة، الجيران الذين لا يعرفون معنى الخصوصية، جعلوه يشعر بأن الأيام تتشابه بلا نهاية. لم يكن يريد الهروب، لكنه أراد مكانًا له وحده، غرفة صغيرة يشعر فيها أن العالم الخارجي يبعد عنه ولو قليلاً.
وعندما أخبره سمسار الحي عن شقة بإيجار منخفض في تلك العمارة، شعر بشيء غريب من الراحة. السعر كان منخفضًا جدًا، والشقة كانت قريبة من عمله، وصاحب العقار لم يطلب أي تعقيدات أو ضمانات. رغم ذلك، تحذيره الجار العجوز في الدور الأرضي صدى في ذهنه: “اللي بيسكن فوق… ما بيكملش شهر.”
ضحك حسام حينها، اعتبر الأمر مجرد خرافة شعبية. وقع العقد، حمل أغراضه القليلة، وصعد السلم الطويل الذي كان يبتلع خطواته في صمت ثقيل، صمت غير طبيعي. عند فتحه باب الشقة لأول مرة، استقبله هواء بارد خفيف، كأن المكان كان مغلقًا على نفسه منذ سنوات.
الأثاث كان بسيطًا: سرير حديدي، خزانة قديمة، مروحة سقف تدور ببطء، وأرضية نظيفة بشكل غير معتاد. الجدران مطلية حديثًا بلون أبيض يميل إلى الرمادي، كل شيء يبدو عادياً… حتى لا يبدو كذلك.
حسام شعر فور دخوله بأن المكان أكبر مما تشير إليه مساحة الشقة. شيء ما بدا يتربص في الزوايا، وكأن البيت يراقبه بصمت.
الأيام الأولى مرت هادئة. حسام يستيقظ، يذهب إلى العمل، يعود، يطبخ لنفسه، يجلس قليلًا على الهاتف قبل النوم، ثم ينام. لكن شيئًا بدأ يتسلل تدريجيًا، شيئًا لا يستطيع وضع إصبعه عليه. أصوات خشخشة صغيرة، تغيّر في أماكن الأشياء، كوب كان على الطاولة لم يجده في مكانه المعتاد. في البداية تجاهلها، وربطها بتعب العمل أو سوء ذاكرته، لكنه بدأ يلاحظ أن الوقت يمر بسرعة غريبة داخل الشقة.
الساعة قد تشير إلى منتصف الليل، لكنه يشعر وكأن نصف اليوم مضى بلا سبب. كان الهواء ثقيلاً، رغم دوران المروحة، والرائحة… رائحة التراب القديمة بدأت تتغلغل في المكان، كأن البيت نفسه يتنفس.
في إحدى الليالي، الساعة كانت تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، استيقظ على صوت خبط خفيف على باب الشقة. لم يكن طرقًا عاديًا، بل بطيئًا ومتحفظًا… خبط… خبط… كأن صاحبه يخشى أن يوقظ العالم بأسره.
جلس حسام على سريره، قلبه يخفق بسرعة أكبر من المعتاد. حاول أن يقنع نفسه بأنه مجرد حلم، أو صوت من العمارة، أو ربما قطة في الممر. لكنه شعر بأن الخوف يتسلل من شيء أعمق، شعور ليس منطقيًا، شعور بأن شيئًا يراقبه.
عاد الصوت مرة أخرى، أكثر وضوحًا هذه المرة. نهض مترددًا، مشى بخطوات ثقيلة نحو الباب، ونظر من العين السحرية. السلم كان فارغًا تمامًا. لا أحد هناك، لا خطوات، لا ظل. تراجع قليلاً، حاول التنفس بعمق، وأعاد نفسه إلى سريره.
لكن طرق الباب تكرر، هذه المرة أقوى وأقرب. فتحت الباب بسرعة، فراغ السلم يبتلع النظر. الهواء ساكن، والأنوار الخافتة لا تكشف شيئًا. وفجأة، شيء صغير على الأرض أمام العتبة لفت انتباهه: ورقة مطوية بعناية.
التقطها، فتحها ببطء. الخط كان طفوليًا، غير متقن، الجملة قصيرة: “متفتحش الباب تاني… هو مش عايزك تشوفه.”
قشعريرة جمدت جسده. نظر إلى السلم الطويل، ثم أغلق الباب بإحكام وأدار المفتاح مرتين. حاول أن يضحك على نفسه، لكن الضحكة خرجت باهتة، أجوفة. وضع الورقة على الطاولة، واتجه لغرفة النوم. قبل أن يصل، سمع صوت نفس خافت خلفه… من داخل الشقة.
تجمد في مكانه. التفت ببطء. لا أحد في الصالة. باب غرفة النوم كان مفتوحًا، وهو متأكد تمامًا أنه أغلقه قبل أن ينام. اقترب بخطوات ثقيلة، الهواء أصبح أبرد، وكأن البيت نفسه يضغط عليه. دخل الغرفة، الإضاءة الخافتة تكشف الغبار في الجو، ورائحة التراب القديمة تنتشر في المكان.
ثم جاء الصوت… همس طفل، صادر من تحت السرير: “هو بيعد… ولسه رقمك مجاش.”
توقف الزمن للحظة. حاول أن يتحرك، لكن ساقيه لم تستجب. عاد الهمس، أقرب: “أول واحد ساب البيت كان عمر… بعده سعاد… وبعدهم محمود…”
الأسماء كانت مألوفة، كأنها أسماء من حكايات الجار. فجأة تذكر تحذيره: “ما بيكملوش شهر.” كان هو الآن في الأسبوع الثالث، والبيت يبدو وكأنه يراقب توقيت إقامته، يعدّ خطواته، يحصي أيامه، يختبر صبره.
الصوت تابع: “النهارده دورك… بس هو بيحب يدي فرصة.”
ببطء، انحنى لينظر تحت السرير. الظلام هناك أعمق من أي مكان طبيعي، كأنه فجوة ممتدة بلا نهاية. قبل أن يرى شيئًا، شعر بيد صغيرة تمسك كاحله بقوة مفاجئة. اختل توازنه وسقط أرضًا.
خرج الطفل من تحت السرير، شاحب الملامح، عيناه واسعتان بشكل غير طبيعي، وصوته هادئ بشكل مخيف: “هو كان هنا من الأول… بس أنت اللي كنت واقف مكانه.”
ابتلع حسام ريقه وسأل بصوت مكسور: “تقصد إيه؟”
ابتسم الطفل: “البيت ده ما بيسكنش ناس… البيت بيسكن ذكريات اللي ماتوا فيه.”
وفي اللحظة نفسها، سمع حسام صوت طرق جديد، لكن ليس على الباب، بل من داخل الجدران، همسات مختلطة، أنفاس متلاحقة، وكأن شيئًا محبوسًا يحاول الخروج.
حاول حسام الزحف بعيدًا، لكن الأرض كانت لزجة، والجدران تبدو أقرب. الأصوات بدأت تتحول إلى عدّ بطيء: “واحد… اتنين… تلاتة…” لم يعرف إذا كان العد حقيقيًا أو في رأسه، لكن الإحساس كان واضحًا: هناك من يحصي، هناك من يراقب، وهناك من يقرر متى ينتهي كل شيء.
ثم… صمت. صمت ثقيل، ممتد، كأن المكان نفسه يبتلع الصوت.
لم يتذكر بعدها بوضوح ما حدث. كل ما شعر به هو أن الهواء اختفى فجأة، وأن الغرفة امتلأت بذكريات ليست ذكرياته. وجوه لم يرها من قبل، ضحكات، بكاء، صراخ مكتوم… ثم صمت طويل لا نهاية له.
عند شروق الشمس، كان باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه. الجيران لاحظوا الأمر، نادوا على حسام، لكن لم يجب أحد. دخلوا بحذر، لم يجدوا سوى فراغ. لا ملابس، لا حقيبة، لا هاتف. فقط خمسون جنيهًا على العتبة، وفوقها ورقة بنفس الخط الطفولي: “متفتحش الباب تاني.”
بعد أسبوع، عُرضت الشقة للإيجار من جديد. السعر مغرٍ، والباب مفتوح لمن يريد. شخص جديد صعد السلم، وقع العقد، وبدأ حياة جديدة دون أن يعرف أن المكان ليس مجرد جدران وسقف، بل كيان يمتص ذاكرته تدريجيًا.
وهكذا استمرت الحكاية في البيت اللي بينسى ساكنيه، البيت الذي لا يحتفظ بالناس، بل يحتفظ بأصداءهم فقط. كل صوت، كل خطوة، كل خوف صغير يتراكم داخله، حتى يصبح جزءًا من المكان.
يقال إنه إذا مررت بجوار الشقة في ساعة متأخرة، وساد الصمت، يمكنك سماع عدّ خافت: “واحد… اتنين… تلاتة…”
ليس عدًّا سريعًا، بل بطيئًا، كأن أحدهم يمنح فرصة أخيرة. البعض يسمع الاسم يُهمس قبل الرقم، والبعض الآخر يفضل أن يسرع دون أن يلتفت.
وهكذا، البيت اللي بينسى ساكنيه يبقى مفتوحًا، ينتظر ساكنًا جديدًا، لكن دون رحمة.