صدام الجبابرة: “بدر” ضد “شامان الغسق”
في ليلةٍ بدت وكأنها خارجة من ذاكرة قديمة للكون، ارتفع قمرٌ أحمر باهت فوق ساحة مهجورة عند أطراف المدينة، لا يضيء بقدر ما يراقب. لم يكن المكان مجرد مساحة فارغة من البشر، بل كان مساحة ممتلئة بالصمت، صمت كثيف يحمل في داخله انتظارًا ثقيلًا، كما لو أن الأرض نفسها كانت تدرك أن شيئًا استثنائيًا على وشك الحدوث. الريح لم تهب، والرمال لم تتحرك، ومع ذلك كان في الجو توتر خفي يشبه الشحنة التي تسبق البرق بلحظة.
في منتصف الساحة وقف بدر. لم يكن حضوره صاخبًا، ولم يحتج إلى درعٍ متوهج أو هالة استعراضية ليُعلن عن قوته. كان هادئًا على نحو يبعث على القلق، ثابت القدمين، مستقيم الظهر، وعيناه مرفوعتان قليلًا نحو السماء، كأنه ينصت لنداءٍ بعيد لا يسمعه سواه. على كتفه استقرت بومته البيضاء، صامتة، عيناها الواسعتان تعكسان القمر بلونٍ فضي بارد. كانت تلك البومة أكثر من رفيقة؛ كانت شاهدة على كل معاركه، وعلى كل مرة عاد فيها من حافة الفناء.
بدر لم يكن ساحرًا عاديًا. لم يتعلم تعاويذه من كتبٍ مغبرة، ولم يساوم كائنات خفية على القوة. قوته كانت تأتي من النجوم، من ذلك الضوء البعيد الذي يسافر آلاف السنين ليصل إلى الأرض. كان يؤمن أن النجوم لا تمنح القوة إلا لمن يفهم مسؤوليتها، وأن السحر ليس هيمنة، بل انسجام. لهذا، حين بدأت هذه المواجهة التي سيُذكر اسمها لاحقًا طويلًا تحت عنوان صدام الجبابرة: بدر ضد شامان الغسق، لم يكن بدر يبحث عن انتصارٍ مجيد، بل عن توازنٍ مهدد.
على الطرف المقابل، بدأ الهواء يثقل، وكأن الظلام نفسه يتكاثف. تجمع الدخان الأسود في دوامة بطيئة، ثم أخذ يتشكل تدريجيًا حتى استقام في هيئة رجلٍ يلفه الغسق من كل جانب. ظهر شامان الغسق دون أن يخطو خطوة واحدة، كأنه خرج من فجوة في الواقع. عباءته لم تكن قماشًا، بل ظلًا حيًا يتنفس، يتحرك رغم سكون الليل، وعيناه كانتا تتوهجان بوميض أرجواني غامق، لا يعكس الضوء بل يبتلعه.
لم يكن الشامان مجرد خصم يسعى للهيمنة، بل كان صاحب فلسفة نقيضة. كان يرى أن القوانين ليست مقدسة، وأن الجاذبية، والزمن، والضوء، كلها أدوات يمكن إعادة تشكيلها لمن يمتلك الجرأة. لم يكن يبحث عن توازن، بل عن كسر. ولهذا كان اللقاء بينهما حتميًا، ليس بسبب عداوة شخصية، بل لأن وجود أحدهما يهدد رؤية الآخر للعالم.
بدأت الجولة الأولى دون إعلان. رفع الشامان يده ببطء، وبحركة خاطفة ضرب الأرض بعصاه التي تشكلت فجأة من كثافة الظل. ارتجفت الساحة، وانشق الرمل عن سلاسل من نحاسٍ محروق، تتوهج بلونٍ برتقالي داكن، تلتف كالأفاعي وتندفع بسرعة خاطفة نحو قدمي بدر. لم تكن قيودًا عادية؛ كان في داخلها طنين خافت، طاقة تمتص الاتزان الداخلي قبل أن تمس الجسد.
نظر بدر إلى السلاسل القادمة نحوه دون أن يتحرك. لم تكن تلك أول مرة يُختبر فيها. ابتسم ابتسامة خفيفة، لا تحمل استهتارًا بل ثقة نابعة من معرفة. رسم بإصبعه دائرة صغيرة في الهواء، حركة بالكاد تُرى، وتمتم بكلمة قديمة تشبه همس الريح بين الأبراج البعيدة: “أسترا”. في اللحظة التالية، انبعث من جسده ضوء أبيض نقي، ليس ساطعًا بحدة، بل مشرقًا بصفاء. وما إن لامست السلاسل ذلك الضوء حتى تشققت وتكسرت، متحولة إلى شظايا رمادية تلاشت فوق الرمال.
لم يمنح بدر خصمه وقتًا لالتقاط الإيقاع. مد كفه، فتشكلت نار زرقاء هادئة في راحته. لم تكن نارًا تحرق الجلد، بل نارًا تتسلل إلى الداخل، تجمد النبض وتثقل الحركة. أطلقها في موجة مركزة نحو الشامان، فاصطدمت بحاجز من الظلال التف حوله كدرعٍ حي. اهتز الحاجز، وانزلق الشامان خطوة إلى الخلف، خطوة صغيرة لكنها كافية لتعلن أن المعركة لن تُحسم بسهولة.
ثم تغير كل شيء. لم يرد الشامان بنار أو قيود، بل أطلق صرخة صامتة، لم تُسمع بالأذن لكنها اخترقت العظام. فجأة، بدأت الجاذبية تتلاشى. الحصى ارتفع ببطء عن الأرض، يدور في الهواء كما لو أنه فقد ذاكرته، والرمال تحولت إلى إبر دقيقة تتطاير في دوائر عشوائية. أحس بدر بأن قدميه لم تعودا تثقلان الأرض كما ينبغي، وأن السماء والأرض تبادلا أماكنهما للحظة خاطفة.
فتح الشامان كفه، فتمزق الهواء أمامه، وانكشف ثقب داكن يشبه جرحًا في الواقع. لم يكن ثقبًا يبتلع المادة فقط، بل يسحب الضوء والصوت والدفء. كان هدفه واضحًا: اقتلاع روح بدر وإلقاؤها في بُعدٍ لا نجم فيه ولا أفق، حيث ينطفئ سحر السماء.
أدرك بدر أن المواجهة المباشرة هنا ستكون خطأ قاتلًا. القوة لا تواجه الفراغ بالقوة، بل بالحكمة. أغمض عينيه وسط الفوضى، وبدأ يغني بنغمة منخفضة، لحنًا جنائزيًا عميقًا لا يحمل كلمات مفهومة، بل ترددات تنسجم مع إيقاع النجوم البعيدة. ومع كل نبضة من اللحن، بدأت صورته تتضاعف. ظهر بدر هنا وهناك، ثم في كل زاوية من الساحة، عشرات النسخ ثم مئات، كل منها يمسك بشعلة بلون مختلف.
ارتبك الشامان. كانت كل نسخة حقيقية بما يكفي لتخدع الحواس. حاول أن يركز طاقته على واحدة، لكن كلما وجه هجومه، انقسمت الصورة أو انعكست. في تلك اللحظة القصيرة من التردد، حدث ما لم يتوقعه.
خرج بدر الحقيقي من ظل الشامان نفسه، كما لو أن الظل كان بابًا لا جدارًا. استخدم سحر الانعكاس، ذلك الفن النادر الذي يسمح بالانتقال عبر ما يختبئ خلف الضوء. وضع يده على جبهة خصمه، ولم تكن اللمسة عنيفة، بل حاسمة. همس بصوت ثابت: “السحر الذي يسرق الجاذبية، يسقط صاحبه أولًا.”
انفجر المكان بضوء أبيض امتزج فيه الأزرق بالأرجواني، ثم سكن كل شيء فجأة، كما لو أن العاصفة لم تكن. عندما انقشع الغبار، كان شامان الغسق قد تحول إلى تمثال من الملح، واقفًا في وضعية دفاعية، وعيناه جامدتان تحملان دهشة لم تكتمل. لم يُقتل، بل جُمّد في لحظة سقوطه.
تنفس بدر ببطء، وشعر بثقلٍ خفيف في صدره، ليس خوفًا بل إدراكًا لقرب الهاوية التي لامسها. مسح العرق عن جبينه، ونظر إلى بومته التي كانت تحدق في التمثال بصمت. قال بصوت منخفض: “كان وشيكًا هذه المرة.”
لكن بينما بدأ القمر يستعيد لونه الفضي، تسللت إلى ذهنه فكرة أخرى. ماذا لو لم تقع هذه المواجهة في ساحة مهجورة؟ ماذا لو اندلع صدام الجبابرة: بدر ضد شامان الغسق في قلب مدينة حديثة، بين ناطحات السحاب وإشارات المرور والناس الذين لا يعرفون شيئًا عن هشاشة القوانين التي تحميهم؟ كيف سيكون شكل الجاذبية وهي تنهار فوق شرفات الشقق؟ كيف يمكن احتواء ثقب في الواقع وسط شارع مزدحم؟
تخيل السيارات معلقة في الهواء، والزجاج يدور ببطء كما لو كان في حلمٍ مكسور، وأضواء الإعلانات تختلط بوميض السحر. هناك، لن يكون التحدي فقط هزيمة الخصم، بل حماية الأبرياء، ضبط كل تعويذة بدقة لا تحتمل الخطأ. عندها فقط أدرك أن المعركة الحقيقية ليست في القوة، بل في التحكم بها.
أدار ظهره للساحة، تاركًا خلفه أثر الليلة التي ستروى طويلًا تحت اسم صدام الجبابرة: بدر ضد شامان الغسق. لم يكن ذلك مجرد عنوان لمعركة، بل علامة على صراع أزلي بين من يرى في النجوم طريقًا للانسجام، ومن يرى في الغسق فرصة لإعادة تشكيل العالم على صورته.
ومع أول خيط فضي للفجر، غادر بدر المكان بصمت، والبومة على كتفه تراقب الأفق. كانت المعركة قد انتهت، لكن السؤال ظل مفتوحًا: هل يكفي انتصارٌ واحد لحماية التوازن؟ أم أن الغسق، مهما تجمد، سيجد دائمًا طريقًا للعودة؟