🚨 اشتريت سِراحة أنتيك… وطلعت بتصورني وأنا نايمة!
لم أكن أعتبر نفسي شخصًا ساذجًا أو سهل الانخداع. أعيش بمفردي منذ ثلاث سنوات، وأعرف كيف أعتني ببيتي جيدًا. أقفال أبوابي محكمة، الأجهزة الكهربائية مطفأة، والستائر مغلقة بإحكام قبل النوم. كنت أظن أن الخطر شيء واضح، له صوت أو تحطيم أو صرخة مفاجئة. لم أتخيل أبدًا أن الخطر يمكن أن يكون صامتًا، مختبئًا في قطعة أثاث قديمة، يراقبني في هدوء، دون أي صوت.
اسمي شيرين، ولطالما أحببت الأثاث القديم. ليس لأنه صيحة أو موضة، بل لأن فيه شيئًا يجعلني أشعر بالطمأنينة. القطع القديمة تحمل آثار الزمن على أسطحها وخشونتها، تحكي قصصًا مجهولة لا نعرفها، لكنها تمنحني شعورًا أن الماضي يحرسني بطريقة غريبة. كل خدش، كل دائرة صغيرة على الخشب، كأنها تهمس: “لقد كنت هنا من قبل”.
حين سمعت عن مزاد في حي قريب، لبيع محتويات منزل رجل مسن توفي دون ورثة، ذهبت بدافع الفضول فقط. لم أكن أبحث عن شيء محدد، لم أكن أنوي الشراء. كنت أظن أنني سأقف فقط بين القطع، أتأمل، ألتقط صورًا على هاتفي، ثم أغادر. لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
وسط الصفوف الطويلة من الطاولات والخزائن، وقع نظري على قطعة أثارت فيّ شعورًا غريبًا لم أستطع تفسيره: سِراحة أنتيك مصنوعة من خشب الأبنوس الداكن، ثقيلة، مرآتها كبيرة تحيط بها زخارف دقيقة محفورة بشكل متشابك يشبه الحكايات القديمة. لم تكن براقة أو ملفتة للنظر بشكل صارخ، لكنها كانت مختلفة. وقفت أمامها وقتًا طويلاً، شعرت أنني أستطيع رؤية سنوات عمرها كلها في عروق الخشب ونقوش الإطار. شعور غريب بالانتماء استقر في صدري، وكأن هذه القطعة كانت تنتظر أن يجدها شخص مناسب.
دفعت ثمنها وعدت بها إلى المنزل في نفس اليوم. حملتها بصعوبة، حاولت أن أشم رائحة الخشب القديم التي كانت قوية بشكل مميز، مزيج من الأبنوس والرطوبة الطفيفة والزيت القديم الذي استخدم في تلميعها. عندما وضعتها في غرفة نومي مقابل السرير، شعرت أن الغرفة تغيرت فورًا. انعكاس الضوء على المرآة الكبيرة جعل الغرفة تبدو أوسع، وكأنها تمتد إلى أفق آخر. شعور هادئ بالارتياح غمرني، لم يحدث شيء غريب في الليلة الأولى، فقط شعور خفيف أن شيئًا ما تغيّر.
في الليلة الثانية، استيقظت عند الثالثة فجراً دون سبب واضح. لم أسمع أي صوت، كانت الغرفة ساكنة تمامًا، لكن قلبي كان ينبض بسرعة غير معتادة. نظرت نحو المرآة بشكل عفوي، رأيت انعكاسي نصف نائم، ثم شعرت بشيء غريب خلف الانعكاس. لم أستطع تحديده، شعور سريع ببرودة تجتاح ظهري. حاولت أن أقنع نفسي أنني أتخيل، أن الضوء يخلق خداعًا بصريًا، لكن شعوري لم يختف.
بدأت ألاحظ أمورًا صغيرة خلال الأيام التالية. رائحة بخور خفيفة تظهر فجأة ثم تختفي، لم أستخدم أي بخور. كانت الرائحة تكاد تكون مجرد وهم، لكنها كافية لإثارة شعور غريب بالريبة. لاحظت أنني أصبحت ألتفت نحو المرآة أكثر من مرة، وأتأكد أن انعكاسي يتصرف كما يجب. كان هناك شيء ما يشدني للنظر إليها، شعور بوجود رقابة خفية، شيء يراقب تفاصيل حياتي الصغيرة: كيف أرتب السرير، كيف أغير ملابسي، كيف أكتب على هاتفي.
لم يكن خوفًا مباشرًا، بل إحساسًا بالانتهاك النفسي. شعور بالثقل في الصدر عندما أطفئ الأنوار، وأجلس على حافة السرير أستمع إلى صمت الغرفة. كنت أحاول ألا أفكر، لكن كل شيء حولي أصبح مشبوهًا: انعكاس الضوء على المرآة، حركة الستائر قليلاً بسبب الهواء، أو حتى أصوات قلبي السريعة.
في صباح اليوم السابع، قررت أن أنظف السِراحة بعمق. شعرت أن هناك شيء ما داخلها يسبب هذا الإحساس. بدأت بإزالة الأدراج واحدة تلو الأخرى. لم أجد شيئًا. ثم قلبتها برفق لفحص الجزء الخلفي. لاحظت أن اللوح الخشبي مثبت بطريقة مختلفة عن بقية الأثاث، البراغي أحدث نسبيًا. شعرت برعشة باردة تمتد من قدمي إلى رأسي.
أحضرت مفكًا وبدأت بفك البراغي بحذر شديد، لا خوف، فقط تركيز كامل. حين أزلت اللوح الخلفي، سقط شيء صغير على الأرض. لم أصرخ، لم أتحرك، فقط نظرته ببطء شديد. كانت كاميرا صغيرة جدًا، بحجم عقلة الإصبع، العدسة دقيقة وموجهة مباشرة نحو السرير. شعرت بصدمة عميقة، شعور بالانتهاك النفسي لم أشعر به من قبل. كأن أحدهم كان يتجسس على حياتي اليومية، كل تفاصيل نومي وحركاتي الصغيرة.
مددت يدي ولمست الكاميرا. كانت دافئة. نعم، دافئة. هذا يعني أنها تعمل الآن، أو كانت تعمل قبل دقائق. تجمدت في مكاني، شعور بالهدوء الحاد يغطي قلبي، الغرفة كما هي، الباب مغلق، الشباك مغلق. ثم سمعت صوتًا خافتًا جدًا، ليس من خلفي، بل من جهة المرآة. كان صوت خشب يتحرك ببطء، لا أكثر.
اقتربت خطوة واحدة فقط، وعيني تراقب كل حركة. فجأة، تحركت المرآة إلى الأمام سنتيمترًا تقريبًا، بهدوء شديد، كأنها باب خفي يُفتح من الخلف. ظهرت فجوة رفيعة بين الإطار والحائط، ومن داخل العتمة، رأيت عينًا. عين بشرية حقيقية. لم تصرخ، لم تلمع، فقط كانت تنظر إليّ مباشرة، بهدوء رهيب. في تلك اللحظة فهمت أن هناك فراغ خلف الجدار، ممر كامل لشخص، وأن الكاميرا لم تكن مزروعة منذ بيت صاحبها القديم، بل جزء من شيء أكبر.
تحركت العين إلى الخلف فجأة. سمعت همسًا سريعًا غير مفهوم، ثم صوت ارتطام خفيف، كأن شخصًا اصطدم بجدار ضيق. شعور بالاختناق النفسي اجتاحني، لكنني لم أركض. بدلاً من ذلك، أمسكت هاتفي ببطء، واتصلت بالشرطة. همست بعنواني فقط، “في حد جوه الحيطة”.
خلال دقائق، حاولت البقاء في الصالة، بعيدًا عن غرفة النوم. كنت أسمع حركات خفيفة جدًا خلف الجدار، كأن شخصين يتجادلان همسًا، محاولة خفيفة لتحريك مقبض باب شقتي من الخارج. ثم توقف كل شيء. وصل الشرطة لاحقًا، وتم اكتشاف فراغ معماري قديم بين شقتي والشقة المجاورة المهجورة، تم تحويله إلى ممر ضيق يحتوي على معدات تصوير، أسلاك، شاشات، وفتحة خلف المرآة للمراقبة المباشرة.
لم يكن الأمر عشوائيًا. عملية منظمة، اختيار شقق لسيدات يعشن بمفردهن، زرع أثاث قديم معدّل، مراقبة دقيقة لفترة طويلة. من كان خلف الجدار هرب قبل وصول الشرطة، ولم يتم القبض عليه. وكان أسوأ من أي مواجهة، لأنني لم أر وجهه، فقط عينه. شعور بالتهديد النفسي ظل عالقًا.
تم إزالة السِراحة من الشقة وإغلاق الفتحة، غيرت الأقفال، ركبت كاميرات حقيقية، وتحدثت مع الجيران، وحاولت العودة للحياة الطبيعية. لكن شيئًا ما تغير. حتى اليوم، بعد أشهر، حين أطفئ الضوء ليلاً، أشعر بثقل خفيف في صدري. ليس لأنني أرى شيئًا، بل لأنني أتذكر أن هناك فترة من حياتي كنت أتحرك فيها وأنام وأتكلم، بينما شخص مجهول يراقبني بصمت كامل.
لم يكن يريد سرقة شيء. كان يريد المشاهدة فقط. ومنذ تلك الحادثة، لم أعد أخاف من الظلام، بل أخاف من المساحات التي لا نراها، من الفراغات الخفية التي قد تختبئ فيها المراقبة، من الأعين الصامتة التي تتبعك دون أن تعرف.