المكتبة التي لا تنام
في طرف منسي قليلًا من مدينة أريندور، بعيد عن الشوارع التي لا تهدأ، كانت هناك مكتبة قديمة لا تثير الانتباه. لم يكن بابها مزخرفًا ولا لافتتها لامعة، بل كانت تبدو كأنها جزء من الماضي نسيه الجميع. أحيانًا كان المارة يظنونها مخزنًا مهجورًا، وأحيانًا لا يرونها أصلًا. لكن من يفتح الباب ويدخل، حتى بدافع الفضول، يشعر بشيء لا يمكن تفسيره بسهولة. الرائحة أول ما يستقبلك؛ ليست رائحة كتب فحسب، بل رائحة مطر قديم، أو خبز خرج للتو من فرن بيت ريفي، أو غابة مبتلة بعد شروق الشمس. لم يكن ذلك مقصودًا للعرض، بل كان يحدث ببساطة، كأن الكتب نفسها تحمل بقايا حكايات لم تُروَ بالكامل.
إياد كان يعمل هناك منذ سنوات، أو ربما منذ زمن أطول مما يتذكر. لم يكن يعرف كيف يشرح عمله للناس إن سألوه. لم يكن بائع كتب بالمعنى التقليدي، ولم يكن أمين مكتبة صارمًا. كان يجلس خلف طاولة خشبية عليها خدوش قديمة، ويترك للزائر حرية التجول، ثم يسأله بهدوء، إن جلس أمامه: “هل حلمت بشيء مؤخرًا؟” كثيرون كانوا يضحكون، وبعضهم يغادر دون رد، لكن آخرين كانوا يترددون لحظة، ثم يبدأون بالكلام. كان إياد يستمع أكثر مما يتحدث. أحيانًا لا يكتب شيئًا إلا بعد أن يرحل الزائر، وكأنه يحتاج أن يترك الكلمات تهدأ داخله أولًا. لم يكن متأكدًا دائمًا لماذا يفعل ذلك، لكنه شعر أن الأحلام إذا لم تُحفظ، تختفي بطريقة مؤلمة.
في إحدى ليالي فبراير، كانت الريح أقوى من المعتاد، والمدينة تبدو أكثر برودة مما تسمح به درجة الحرارة نفسها. دخلت فتاة إلى المكتبة دون أن تنفض عن معطفها بقايا المطر. وقفت لحظة قرب الباب، ثم تقدمت بخطوات بطيئة. لم تنظر إلى الرفوف، ولم تلمس كتابًا. جلست أمام إياد وقالت مباشرة: “أظن أن شيئًا ما اختفى مني.” لم يكن في صوتها دراما، بل نوع من الحيرة الصادقة. سألها إياد بهدوء: “ماذا تقصدين؟” أجابت بعد صمت قصير: “اللون الأزرق… لم أعد أراه في أحلامي.”
في البداية، ظن أنها تتحدث مجازًا. لكن مع استمرارها في الشرح، أدرك أن الأمر أعمق من استعارة. قالت إن أحلامها كانت مليئة بالبحر والسماء والدفاتر الزرقاء التي كانت تشتريها في المدرسة. منذ أسابيع، بدأ الأزرق يبهت، ثم اختفى. بعدها صارت بقية الألوان أقل وضوحًا. لم يكن ذلك مجرد تغيير بصري، بل شعور بأن الأمل نفسه صار بعيدًا. لم تبكِ وهي تحكي، لكنها كانت تمسك أطراف المعطف كأنها تخشى أن تنزلق الكلمات من يديها.
لم يكن لدى إياد تفسير جاهز. لم يقل لها إن الأمر نفسي، ولم يطمئنها بعبارات عامة. فقط نهض بعد لحظة تردد وقال: “هناك شيء أود أن أريكِ إياه.” قادها إلى قبو صغير أسفل المكتبة، مكان لم يكن يدخله الزوار عادة. في المنتصف وُضع كتاب ضخم، قديم إلى درجة يصعب معها معرفة عمره. لم يكن عليه عنوان واضح، فقط أثر كلمات باهتة. فتحه إياد ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا. كانت هناك حكاية عن كائن يُسمى آكل الألوان، يعيش في مدينة تُدعى سيلينسيا. لا يُقال إنه شرير، بل إنه خائف. يخشى أن يُنسى، فيجمع ألوان أحلام الآخرين ليصنع عالمًا لا يبهت.
لم تضحك ليلى — فقد عرفت اسمها في تلك اللحظة — ولم تقل إن الأمر خيال طفولي. فقط نظرت إلى الصفحة طويلًا ثم قالت: “وإذا كان موجودًا فعلًا؟” لم يكن لدى إياد إجابة قاطعة. لكنه قال: “ربما لا نخسر شيئًا إن حاولنا.” لم يكن قرارًا بطوليًا، ولم تكن هناك موسيقى خفية تدفعهما إلى المغامرة. كان الأمر أقرب إلى فضول ممزوج بشيء من الأمل الضعيف.
انطلقا في صباح باهت، دون تخطيط دقيق. الطريق لم يكن مليئًا بالمعجزات، بل بالمسافات الطويلة والصمت المتقطع. تحدثا أحيانًا عن أشياء عادية؛ عن الطفولة، عن الكتب التي لم تُكمل، عن خوف كل منهما من الفشل. وعندما دخلا غابة تُعرف بغابة الهمس، لم تكن الأشجار تتكلم فعلًا، لكن الهواء هناك كان يحمل ذكريات ثقيلة. شعرت ليلى بأن كل خطوة تذكرها بأشياء لم تفعلها، وأشياء كان يمكن أن تكون. لم يقل إياد الكثير، لكنه شعر بشيء مشابه. كان الصمت بينهما أحيانًا أكثر راحة من الكلمات.
بعد الغابة، وصلا إلى نهر صافٍ. عندما نظرت ليلى إلى انعكاسها، رأت نفسها مختلفة قليلًا، أكثر ثقة ربما، أو أقل خوفًا. لم يكن المشهد واضحًا بما يكفي ليصدمها، لكنه كان كافيًا ليجعلها تفكر. قال إياد: “أحيانًا نرى ما يمكن أن نكونه، لا ما يجب أن نصبحه.” لم يكن متأكدًا من معنى جملته، لكنه قالها على أي حال.
لم تكن سيلينسيا مدينة مخيفة. كانت فقط هادئة أكثر مما ينبغي. المباني رمادية، والسماء بلا عمق. في وسطها جلس عجوز على درج حجري، لم يكن يختبئ. نظر إليهما كما لو أنه كان يتوقع قدومهما. لم ينكر ما فعل، لكنه لم يبرره أيضًا. قال بصوت متعب: “كنت أخشى أن أختفي.” لم يكن في صوته شر، بل وحدة طويلة.
لم تصرخ ليلى، ولم تطلب استعادة ما فقدته بعنف. قالت ببساطة: “إذا احتفظت بكل شيء لنفسك، فلن يراك أحد حقًا.” ظل العجوز صامتًا وقتًا طويلًا، كأنه يفكر لأول مرة في الأمر من زاوية أخرى. لم تُعد الألوان فجأة، ولم يلمع العالم دفعة واحدة. بدأت عملية بطيئة، كأن اللون يحتاج إلى اقتناع كي يعود.
عندما جاء دور الأزرق، طلب العجوز شيئًا في المقابل. لم يطلب حياة أو سنوات، بل صوتًا لعام كامل. نظر إياد إلى ليلى، ولم يكن القرار سهلاً كما بدا لاحقًا. فكر في مكتبته، في الزوار الذين اعتادوا صوته، في دفاتره. لكنه قال في النهاية: “سأجرب الصمت.” لم يكن واثقًا أنه قوي بما يكفي، لكنه لم يتراجع.
عاد الأزرق تدريجيًا إلى أحلام ليلى. لم يعد كما كان تمامًا، لكنه صار موجودًا. أما إياد، فعاد إلى مكتبته صامتًا. في البداية كان الصمت ثقيلًا، ثم صار مألوفًا. اكتشف أنه يستطيع أن يكتب أكثر مما كان يظن. صار يترك كلمات على الجدران، جملًا قصيرة أحيانًا، غير مكتملة أحيانًا أخرى. لم يكن كل شيء يحتاج إلى شرح.
مر العام ببطء، وعندما عاد صوته، لم يكن كما كان من قبل. صار أقل اندفاعًا، وأكثر تفكيرًا. لم يعد يسأل الزوار فقط عما حلموا به، بل عما يخشون فقدانه. أما ليلى، فقد فهمت أن الأزرق لم يكن مجرد لون، بل إحساس بالقدرة على البدء من جديد. لم تعد تبحث عنه بقلق، لأنه لم يعد شيئًا يمكن سرقته بسهولة.
المكتبة ما زالت في مكانها، والناس ما زالوا يمرون دون أن ينتبهوا. لكنها لمن يدخلها تظل مساحة صغيرة للهدوء، وربما للمصالحة مع شيء ضاع. لم تكن الحكاية عن وحش أو مدينة بعيدة بقدر ما كانت عن خوف بشري بسيط: الخوف من أن نُنسى، أو أن نفقد ما يجعلنا نرى العالم بلونه الخاص. وربما لهذا السبب، تظل المكتبة مستيقظة، حتى حين ينام كل شيء آخر.