الليلة دي ما كانتش بس تقيلة… كانت خانقة. من النوع اللي الوقت فيها ما بيمشيش، والدقايق بتتعلّق في الهوا كأنها رافضة تعدّي. ليلى كانت واقفة لازقة ضهرها في حيطة الرخام، وبرودة الحجر كانت داخلة في جسمها لحد العضم، بس الغريب إنها ما حاولتش تتحرك. كأنها كانت محتاجة البرودة دي عشان تثبت لنفسها إنها لسه حية. نفسها كان متقطع، وكل شهيق بييجي بصعوبة، وكل زفير بيطلع محمّل بخوف مش مفهوم بالكامل. فستان الفرح اللي كانت بتحلم بيه وهي صغيرة، اتحوّل لحمل تقيل عليها، قماشه متكرمش ومبقاش شبه الفستان اللي لبسته من ساعات. رفعت عينيها بصعوبة وقالت بصوت مبحوح: “ماتلمسنيش… أرجوك.”
ياسين الألفي كان واقف قدامها، قريب… وقريب قوي. مش محتاج يقرب أكتر عشان يسيطر على المكان كله. إيده كانت لسه على ترباس الباب، بس تركيزه ما كانش عليه… كان عليها هي. عينيه كانت ثابتة، مش فيها غضب مباشر، ولا شفقة، حاجة بين الاتنين… حاجة تقلق أكتر من أي رد فعل واضح. ليلى كانت مستنية يتحرك، مستنية اللحظة اللي هتنتهي فيها المسافة بينهم، بس الغريب إنه ما عملش كده. فضل واقف، ساكت، وكأنه بيديها وقت… أو بيختبر حاجة جواها.
الحقيقة اللي كانت بتحاول تهرب منها، كانت أوضح من أي وقت فات. هي بقت مراته. مراته غصب عنها. صفقة اتقفلت من غير ما حد يسألها، ولا حتى يحاول يقنعها. أبوها، اللي كانت فاكرة إنه آخر حد ممكن يأذيها، سلّمها بإيده، كأنها ورقة بيخلص بيها حساب قديم. وكل ما تفتكر اللحظة دي، كانت بتحس بحاجة بتتكسر جواها تاني، نفس الحاجة اللي اتكسرت أول مرة.
ياسين أخيرًا اتحرك… بس مش زي ما كانت متوقعة. قلع الجاكت بتاعه بهدوء، كأنه بيخلص يوم شغل عادي، وحطه على الكرسي من غير أي استعجال. بعد كده لف وفتح الباب، وبص لها نظرة سريعة، مش طويلة، بس كفاية تسيب أثر. قال بصوت هادي، بس فيه حسم: “الأوضة دي بتاعتك… اقفلي على نفسك لو حبيتي. محدش هيزعجك.”
وقف لحظة صغيرة، كأنه كان ناوي يقول حاجة تانية، بس ما قالش. واكتفى بجملة خفيفة: “تصبحي على خير.” وخرج.
ليلى فضلت واقفة مكانها شوية، مش فاهمة. مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي كانت شايفاه تهديد مباشر، سابها ومشي. الإحساس كان غريب… مش أمان، بس مش خطر مباشر زي ما كانت متخيلة. حاجة رمادية، مربكة. بس وسط كل ده، في إحساس صغير بدأ يرجع… إحساس إنها لسه عندها جزء بسيط من السيطرة.
قبل الليلة دي بساعات، كانت قاعدة جنب شباك عربية مصفحة، بتبص على الشوارع اللي حفظتها، والناس اللي كانت بتشوفهم كل يوم من غير ما تعرف أسماءهم. كل حاجة كانت بتبعد عنها بسرعة، بس إحساس الفقد كان أبطأ بكتير. أبوها كان قاعد جنبها، ساكت طول الطريق، كأن الكلام بقى رفاهية مش متاحة. لما وصلوا، نزل من غير ما يبص لها، وقال جملة واحدة وهو بيتجنب عينيها: “كده البيت هيقف على رجله.”
بصت له، المرة دي بثبات غريب، وقالت: “البيت هيقف… وأنا هقع.”
ما ردش. ويمكن ده كان أسوأ رد ممكن.
القصر كان كبير زيادة عن اللزوم، مش بس في حجمه، لكن في إحساسه. كل حاجة فيه كانت بتقول إنك جوه عالم ليه قوانينه الخاصة. كتب الكتاب حصل بسرعة، أسرع من اللازم، كأنهم مستعجلين يخلصوا مشهد معين. الناس اللي حوالين كانوا واقفين بهدوء غريب، مش فرحانين، ولا حتى مهتمين. مجرد شهود.
ياسين كان جنبها طول الوقت، ساكت. لما جه وقت الدبلة، مد إيده. ليلى كانت مترددة، بس في الآخر حطت إيدها في إيده. اللحظة دي، رغم بساطتها، كان فيها حاجة مختلفة. قبضته ما كانتش مؤذية، بس كانت حاسمة… وكأنها بتقول إن في حدود اتحددت خلاص.
الصبح جه وهي نايمة على الأرض. مش فاكرة إمتى نامت، ولا إزاي. قامت ببطء، جسمها تقيل، وعقلها أتقل. بصت للسرير، لسه زي ما هو. المعلومة دي خلتها تقف شوية، تفكر، بس ما لقتش إجابة.
نزلت تدور على أي حاجة تفهمها. القصر كان ساكت، زيادة عن اللزوم. لحد ما وصلت لباب المكتب. قبل ما تخبط، صوته وصلها: “ادخلي.”
دخلت، وقفت قدامه. كان قاعد ورا المكتب، مركز في ملف قدامه. رفع عينه وسأل: “نمتي؟”
ما ردتش. عينها راحت على الصور. أبوها… بيمضي… بيضحك… بيتعامل عادي. الصورة كانت كفاية.
ياسين قال بهدوء: “أبوكي مش ضحية… وأنتي مش هنا عشان فلوس.”
سكت شوية، وبعدين كمل: “أنتي هنا عشان حاجة أهم… حاجة لو طلعت للنور، ناس كتير هتقع.”
لما قال كلمة “رهينة”، حسّت إنها اتسحبت من جوه، كأن تعريفها اتغير فجأة.
باقي الأحداث حصل بسرعة، بس كل تفصيلة فيها كانت محفورة. المكالمة… الرسالة… الجرس اللي ضرب بعنف… صوت خالد وهو بيصرخ… الحقيقة اللي انكشفت فجأة: الفلاشة معاها هي.
لما حست بالبروز جوه الفستان، قلبها وقف لحظة. الإحساس كان مرعب، مش بس عشان اللي شايلته، لكن عشان المعنى… إنها كانت جزء من الخطة من البداية من غير ما تعرف.
الضلمة لما نزلت على القصر، خلت كل حاجة أوضح بشكل غريب. صوت الرصاصة كان حاد، قاطع، وكأنه بيعلن بداية حاجة مش نهاية.
لما النور رجع خفيف، وشافت الدم على كتف ياسين، ما حسّتش بانتصار ولا خوف… حسّت بحيرة. خاصة لما شافت سليم، واقف وراها، ماسك السلاح بثبات.
كل حاجة بعدها كانت سريعة، بس المرة دي كانت فاهمة. فاهمة إن كل واحد ليه مصلحة، وإنها كانت في النص.
جوه الأوضة، وهي ماسكة الفلاشة، كانت لأول مرة قدام اختيار حقيقي. مش اختيار مثالي… بس اختيار.
صوتها وهي بتصرخ ما كانش خوف بس… كان قرار.
ولما الباب اتفتح، والحقيقة ظهرت، كل حاجة اتغيرت مرة واحدة. ياسين ما كانش مجرد راجل خطير… كان لاعب أكبر من كده بكتير.
لما سألته: “أنا كنت طعم؟”
رد عليها وهو باصص في عينيها: “كنتي… بس مش بس كده.”
الجملة ما كانتش كاملة، بس كانت كفاية.
لما شافت أبوها متكلبش، فهمت إن الدائرة قفلت. بس مش عليها هي… على كل حاجة كانت فاكرة إنها ثابتة.
وفي اللحظة دي، ما حسّتش إنها ضحية… ولا بطلة. حسّت إنها لسه في النص. بس المرة دي… فاهمة أكتر.
الهدوء اللي نزل على القصر بعد اللي حصل ما كانش طبيعي… كان من النوع اللي يخليك سامع صوت نفسك بزيادة، وتحس إن أي حركة صغيرة ممكن تكسره. ليلى فضلت واقفة مكانها شوية، كأن رجليها رافضة تتحرك، وعينيها مش قادرة تسيب المشهد: سليم وهو بيتسحب متكلبش، وأبوها وراه، مكسور بشكل ما شافتوش عليه قبل كده. لأول مرة، ما حسّتش نحيتهم بأي حاجة… لا شفقة، ولا غضب صريح… مجرد فراغ تقيل.
حست بحركة خفيفة جنبها، فبصت لقت ياسين واقف قريب، بس مش لدرجة تخنقها زي قبل كده. كان شكله مرهق، قميصه الأبيض متلطخ دم، ووشه باين عليه التعب، بس عينيه كانت لسه ثابتة بنفس الطريقة اللي مش بتتغير. قال بهدوء: “تعالي.”
الكلمة كانت بسيطة، بس ليلى ترددت لحظة. مش عشان خايفة منه بنفس الشكل الأول… لكن عشان كل حاجة بقت مش واضحة. في الآخر اتحركت وراه من غير ما تتكلم.
طلعوا على نفس الأوضة. الباب اتقفل وراهم، والمكان رجع هادي تاني، كأن اللي حصل تحت ما وصلش لهنا. ياسين قعد على طرف السرير لأول مرة، وسند إيده المصابة، وكأنه بدأ يحس بالألم متأخر. ليلى وقفت في النص، مش عارفة تقعد ولا تمشي.
قالت فجأة، بصوت أهدى من قبل كده: “كنت عارف… كل ده من الأول؟”
ياسين رفع عينه لها، وسكت شوية قبل ما يرد، كأنه بيفكر يجاوب قد إيه. “مش كل حاجة… بس كنت عارف إن في حاجة أكبر من اللي ظاهر. أبوكي ما كانش بيتحرك لوحده.”
ليلى ضحكت ضحكة خفيفة، بس ما كانش فيها هزار: “بس أنا كنت في النص… من غير ما أعرف.”
رد عليها بهدوء: “دلوقتي عرفتي.”
الجملة كانت بسيطة، بس وقعت عليها بشكل غريب. لأول مرة، حسّت إن حد بيكلمها كأنها جزء من الصورة… مش مجرد أداة فيها.
قربت خطوة، وبصت لجرحه: “أنت محتاج دكتور.”
قال: “الدكتور في الطريق.” وسكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة أهدى: “بس في حاجة أهم.”
ليلى حست بقلبها بيدق أسرع تاني، بس المرة دي مش خوف… ترقّب. “إيه؟”
ياسين سند ضهره وقال: “الفلاشة اللي كانت معاكي… دي مش النهاية.”
اتجمدت مكانها. “يعني إيه؟”
بص لها مباشرة وقال: “دي نسخة… أو جزء. اللي عندنا كفاية نوقع ناس، بس مش كلهم.”
الكلام دخل دماغها ببطء. “يعني في ناس تانية… ولسه اللعبة ما خلصتش؟”
هز راسه: “اللعبة لسه بتبدأ.”
الصمت رجع بينهم تاني، بس كان مختلف. مش صمت خوف… صمت تفكير. ليلى بدأت تربط حاجات كتير: أبوها، سليم، الشرطة، ياسين… وكلهم كانوا بيلعبوا لعبة أكبر منها.
قالت فجأة: “وأنا دوري إيه دلوقتي؟”
السؤال خرج منها من غير تردد. يمكن عشان لأول مرة، كانت عايزة تعرف مكانها الحقيقي.
ياسين ما ردش فورًا. قام وقف، رغم الألم، وقرب منها خطوة، وبص لها بنفس النظرة اللي بتفحص، بس المرة دي كان فيها حاجة تانية… تقدير خفيف.
قال: “دورك… إنك تقرري.”
ليلى عبست: “أقرر إيه؟”
رد: “تكمّلي… أو تمشي.”
الكلمة الأخيرة وقعت تقيلة. “أمشي؟”
هز راسه: “أقدر أخرجك من هنا… حياة جديدة، اسم جديد… كل حاجة. محدش هيقربلك.”
القصر فجأة حسّته أوسع، بس في نفس الوقت أضيق. الفكرة نفسها كانت مغرية… الهروب، البداية من جديد. بس حاجة جواها ما اتحركتش ناحية ده.
سألته بهدوء: “ولو كملت؟”
ياسين رد من غير ما يتردد: “هتبقي جوه اللعبة… بكل اللي فيها.”
ليلى خدت نفس طويل، وبصت حواليها. نفس الأوضة، نفس المكان اللي دخلته وهي مرعوبة، بس إحساسها اختلف. يمكن لأنها بقت فاهمة أكتر… أو يمكن لأنها ما بقتش لوحدها بنفس الشكل.
رجعت تبص له وقالت: “وأنت؟”
استغرب السؤال: “أنا إيه؟”
قالت: “أنا بالنسبة لك إيه دلوقتي؟”
السؤال كان مباشر، أكتر من أي كلام قبل كده. ياسين سكت شوية، المرة دي أطول من قبل، وكأنه بيختار رد مش متعود يقوله.
قال في الآخر: “شريكة… لو اختارتي.”
الكلمة دي تحديدًا خلّت قلبها يهدى بشكل غريب. مش عشانها كبيرة… لكن عشانها جات بعد كل اللي حصل.
في اللحظة دي، خبط خفيف على الباب قطع الكلام. صوت حد بيقول إن الدكتور وصل، وإن في ناس مستنية تحت. ياسين بص للباب، وبعدين رجع لها.
قال بهدوء: “خدي وقتك.”
ومشي ناحية الباب، بس قبل ما يفتحه، وقف لحظة قصيرة، من غير ما يبص لها، وقال: “المرة دي… القرار بتاعك.”
وخرج.
ليلى فضلت واقفة لوحدها في الأوضة. نفس الأوضة اللي كانت شايفاها سجن من ساعات… بقت دلوقتي مكان اختيار. الفرق كان بسيط… بس عميق.
قربت من الشباك، بصت على الجنينة اللي لسه فيها آثار اللي حصل، نور عربيات الشرطة، حركة الناس، وكل حاجة بتفكرها إن العالم بره لسه ما وقفش.
بس هي… كانت واقفة بين عالمين.
عالم كانت جزء منه واتكسرت فيه…
وعالم تاني لسه بيتبني قدامها… ومش مضمون.
غمضت عينيها لحظة… وخدت نفس بعمق.
ولأول مرة من بداية الليلة… ما كانتش خايفة.
كانت بتفكر.