الابن الذي عاد من الغياب

الابن الذي عاد من الغياب


الابن الذي عاد من الغياب

لم تكن كلمة “عاقر” بالنسبة لنهى مجرد لقبٍ جارح يمرّ في الهواء ثم ينتهي، بل كانت شيئًا يلتصق بالجلد مثل دخانٍ قديم لا يختفي. سبع سنوات وهي تسمعها بصيغٍ مختلفة: مرةً في ضحكةٍ متحفظة من حماتها، ومرةً في “نصيحة” ثقيلة من قريبة بعيدة، ومرةً في صمت حسين زوجها حين يهرب بعينيه إلى شاشة التلفزيون وكأن الحديث عن الأطفال خطأٌ في القناة لا في الحياة. نهى لم تكن تحب الشكوى، لكنها كانت تشعر أن قلبها صار غرفة ضيقة بلا نافذة، وأن كل رمضان يمرّ يضيف طبقة جديدة من الزينة فوق حزنٍ لم يجد عزاءً حقيقيًا يومًا.

قبل خمس سنوات بالضبط، كانت قد دخلت المستشفى وهي تتشبث بالأمل كما تتشبث طفلة بيد أمها في زحام السوق. كانت حاملًا للمرة الأولى بعد انتظارٍ طويل، وكانت تتخيل ملامح طفلها في كل مرآة تمرّ أمامها، تضحك وهي تتخيل صوته، وتبكي دون سبب وهي تضع يدها على بطنها كأنها تخاف أن يفلت الحلم من بين أصابعها. ثم جاءت الجملة الباردة من الطبيبة: “الجنين مات في البطن.” قالتها وكأنها تقرأ نتيجة تحليلٍ عادي، ثم أتبعتها بإجراءات، ومصطلحات، وموعد عملية، وورقة موافقة. نهى لم تتذكر سوى أن سقف الغرفة صار أقرب، وأن الهواء صار أضيق، وأنها حين استيقظت بعد العملية شعرت أنها خرجت من جسدها الحقيقي إلى جسدٍ آخر لا يعرف الفرح.

عادت إلى البيت وهي تحمل حقيبة أدوية وتعليمات باردة، وعيناها تحملان شيئًا لا يشبه الدموع، شيئًا أثقل من الدموع. نامت أيامًا طويلة دون نومٍ حقيقي، واستيقظت على صوت بيتٍ مستمر كما هو: شاي، مواعين، أخبار، زيارات، وتهنئات لم تعرف كيف ترد عليها. كانت تتظاهر أنها تتحسن لأن الجميع يريد نهاية سعيدة سريعة، بينما كانت هي تعيش نهاية طويلة تمتد داخلها بلا توقف. حاولت مرةً واثنتين وعشرًا أن تعود كما كانت، زارت أطباءً كثيرين، التزمت بعلاجاتٍ مرهقة، لكنها كلما علّقت قلبها على احتمالٍ جديد عاد إليها الإحباط كأنه موعد ثابت لا يتأخر.

حماتها لم تكن تحتاج أن تقول “عاقر” صراحة، كانت تقول ما هو أشد: “البيت لازم يبقى فيه عيل يشيل الاسم.” تقولها وهي تقلب في طعام الإفطار كأنها تقلب في مصير نهى، أو تقول: “الست اللي مبتخلفش بتفضل ضيفة في بيت جوزها.” ثم تضحك ضحكة صغيرة وتعود لتوزيع الكنافة على الحاضرين. أما هند، سلفتها، فكانت تظهر اللطف والاهتمام، تمسك يد نهى وتقول: “ربنا كريم يا حبيبتي”، ثم تترك في النهاية نظرة سريعة تشبه نظرة من يعرف شيئًا ويخفيه. نهى كانت تلتقط تلك النظرات لكنها كانت تكره الشك، تكره أن تلوث قلبها باتهامٍ لا دليل عليه.

وحين أعلنت هند حملها في بداية الشتاء، انقسمت نهى إلى نصفين: نصف يريد أن يفرح لها بصدق لأن الفرح رزق، ونصف يشعر أن كل نبضة في بطن هند هي صفعة على بطنها الفارغ. هند بدت سعيدة جدًا، تتباهى بصور التحاليل، وتتكلم عن الوحام، وتضع يدها على بطنها كأنها تحرس كنزًا. الغريب أن حماتها لم تعد تتحدث كثيرًا عن “الاسم”، صارت فجأة حنونة، تهتم بهند، تشتري لها ما تشتهي، وتتجنب الحديث أمام نهى إلا بالحد الأدنى. نهى ظنت أن وجود “حفيد” قريب هو الذي هدأهم، لكنها لم تتخيل للحظة أن الهدوء قد يكون قناعًا فقط.

جاء رمضان، ومعه أول يوم إفطار عائلي كما اعتادوا كل سنة. نهى قررت أن تجعل اليوم لطيفًا رغم ثقلها الداخلي، وأن تساعد هند لأن الحمل في الشهر السابع متعب. قالت لنفسها إن الخير يعود، وإن مساعدة امرأة حامل يمكن أن تكون باب رحمة لها. دخلت غرفة هند صباحًا لتنظيفها، كانت الغرفة مليئة بأشياء أطفال جديدة: ملابس صغيرة، كيس حفاظات، زجاجات، وعلبة كريمات. كل شيء كان مرتبًا بعناية مبالغ فيها. نهى مسحت الأرض، رتبت الخزانة الخارجية، وبدأت تنظف تحت السرير. هناك، في الزاوية الخلفية، لمحت حقيبة جلدية قديمة مغلقة بقفل صغير، ليست من الأشياء الحديثة حولها، بل تبدو كأنها من زمنٍ آخر.

ترددت نهى. فكرة أن تفتح حقيبة ليست لها شعرت بها كخيانة صغيرة للأمانة. لكنها أيضًا شعرت بشيء يضغط على صدرها: لماذا حقيبة قديمة مخبأة تحت السرير تحديدًا؟ ولماذا القفل؟ سحبتها ببطء، مسحت عنها الغبار، جربت القفل فوجدته غير محكم، فتح بسهولة كأنه ينتظر يدًا معينة. حين رفعت الغطاء، شعرت أن الغرفة أصبحت أبرد، وأن صوتها الداخلي صار أعلى من أي صوت خارجي. في الداخل لم تكن هناك مجوهرات ولا أوراق عادية… كان هناك ملف طبي كامل، مرتب، مغلف، وعلى الغلاف اسمها هي: “نهى محمود”.

قفز قلبها. رأت صور سونار قديمة، تاريخها يعود إلى خمس سنوات. في البداية ظنت أن الملف ربما خطأ أو تشابه أسماء، لكنها حين قرأت رقم بطاقتها المدون في صفحة البيانات، سقطت منها كل محاولات الإنكار. كانت يدها ترتعش، تقلب الصفحات بسرعة ثم تبطئ عند جملة واحدة مكتوبة بوضوح قاسٍ: “الجنين حي وسليم… لا توجد علامات وفاة جنينية.” قرأت الجملة مرة، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة، وكأنها تحاول أن ترى حروفًا أخرى تختبئ بين السطور لتكذبها. لكن الجملة بقيت كما هي، ثابتة، لا ترحم.

ثم جاءت الورقة التالية، كأنها طرقة مطرقة على رأسها: عقد مختوم بختم المستشفى، يتضمن اتفاقًا على “تسليم طفل حديث الولادة” مقابل مبلغ مالي مدفوع. اسم الأم: نهى محمود. تاريخ العملية: نفس اليوم الذي أخبروها فيه بأن الجنين مات. اسم المستلم: شقيق حسين. توقيع شاهدين… أحدهما اسمٌ تعرفه جيدًا لأنه مكتوب كثيرًا في رسائل حماتها: “الحاجة سميحة”. نهى شعرت أن المكان يدور، وأن صوتًا داخليًا يصرخ: إذًا لم يمت… إذًا أخذوه.

جلست على الأرض دون أن تشعر. لم تبكِ فورًا، وكأن الدموع لم تجد طريقها لأن الصدمة أغلقت كل الأبواب. كانت ترى أمامها صور السنوات الخمس الماضية: عزومات، ضحكات، “سيف” الصغير يجري في الممر، يلتصق بهند ويناديها “ماما”، ونهى تضحك وتقبله وتقول له: “يا ابن أخويا”. كانت تتذكر كيف كانت تشتري له ملابس صغيرة في العيد، وكيف كانت تقف بجواره في المدرسة، وكيف كانت تحبه حبًا حقيقيًا دون أن تعرف لماذا يشعرها بهذا القرب المؤلم. فجأة تذكرت الشامة الصغيرة فوق حاجبه، نفس الشامة التي في وجهها، وتذكرت عينَيه… عينَين تشبهانها أكثر مما تشبهان أي أحد. قلبها فهم الحقيقة قبل عقلها: سيف ليس ابن هند… سيف ابنها.

في تلك اللحظة سمعته ينادي من الباب بصوتٍ بريء: “يا طنط نهى… ماما هند بتقولك تعالي، المغرب قرب.” رفعت نهى رأسها ونظرت إليه كمن يراه لأول مرة. الطفل كان واقفًا بابتسامة صغيرة، يحمل لعبة في يده، وملامحه مضيئة بالبراءة. نهى شعرت أن كل كلمة قالتها له من قبل تحولت إلى سكين في حلقها. أرادت أن تهجم عليه وتضمه وتقول: “أنا ماما” بصوتٍ عالٍ، لكنها سمعت صوت هند من الخارج: “سيف! سيبه يلا… ونهى خلصتي ولا لسه؟” صوت هند كان حادًا على غير العادة، وكأنه يخشى شيئًا.

نهى تمالكت نفسها بصعوبة، أخفت الأوراق داخل ملابسها، أغلقت الحقيبة وأعادتها بسرعة تحت السرير كما كانت، ثم وقفت وهي تشعر أنها تحمل جدارًا على ظهرها. خرجت إلى الصالة، وكان البيت في حالة استعداد للإفطار: الروائح، الأطباق، الكراسي. حماتها جالسة تبتسم ببرود، وهند واقفة تضع يدها على بطنها المنتفخ. نهى نظرت إلى البطن طويلًا. طوال شهور كانت تصدق أن ذلك حمل، لكن الآن، بعد أن عرفت كل شيء، بدا لها الانتفاخ غريبًا، ثابتًا أكثر من اللازم، كأنه قطعة بلا روح. حسين دخل بعد دقائق، جلس وهو متعب، ولمح ملامح نهى الشاحبة فسألها: “مالك؟” لم ترد. لم تكن تملك كلمات كافية لتصف ما يحدث داخلها.

جلست على المائدة، وداخلها شيء يزأر: هل حسين كان يعرف؟ هل كان شريكًا؟ أم أنه مجرد ضعيف سمح لأمه أن تقود حياته؟ كانت تنظر إليه وتبحث في وجهه عن إجابة، لكنه كان يهرب بعينيه كالعادة، كأن الخوف يسكن ملامحه منذ زمن. سيف جلس بين هند وحماتها، يضحك وهو ينتظر الأكل، ونهى كانت تنظر إليه وكأنها تخاف أن تخطفه نظراتها قبل أن تخطفه يدها. ومع أول لحظة سكون قبل الدعاء، شعرت نهى أن الوقت لو مرّ دون مواجهة سيخنقها إلى الأبد.

وضعت نهى يدها في جيبها وأخرجت الورق. لم تصرخ. لم ترفع صوتها. فقط وضعت الملف فوق الطاولة أمام الجميع، ودفعت به بهدوء نحو حماتها، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت: “أنا عايزة أفهم.” صمتٌ ثقيل سقط على المكان. حماتها مدت يدها ببطء، فتحت الصفحة الأولى، قرأت سطرين، ثم رفعت عينيها إلى نهى، ولم يكن في عينَيها ذهول كما توقعت نهى، بل كان هناك شيء أقسى: اعتياد.

قالت حماتها ببرود: “وبعدين؟” كلمة واحدة لكنها كانت كفيلة بإشعال نار في صدر نهى. حاولت هند أن تبتسم ابتسامة مرتبكة: “نهى… ده كلام قديم… يمكن لخبطة… يمكن الملف اتبدّل.” لكن نهى قطعت كلامها، دفعت صفحة العقد أمامها، وأشارت إلى الأسماء والتواريخ كأنها تضع إصبعها على جرح مفتوح: “ده اسمي، وده رقم بطاقتي، وده تاريخ اليوم اللي قولتولي فيه الجنين مات… وده اسم أخو حسين.” هند ابتلعت ريقها، وتراجعت خطوة صغيرة، ثم وضعت يدها على بطنها كأنها تستر شيئًا.

حسين كان ينظر إلى الورق، وجهه يفقد لونه تدريجيًا. نهى التقطت تلك اللحظة، لحظة سقوط القناع، وسألته بصوتٍ لم يشبهها من قبل: “كنت عارف؟” حسين فتح فمه ولم يخرج صوت، ثم قال أخيرًا بصوت مكسور: “أنا… أنا معرفتش… يعني… أمي قالت…” وتوقف. هذه الكلمة “أمي قالت” كانت دائمًا الشفرة التي يهرب بها من أي مسؤولية، كأن أمه حجة سماوية لا تُناقش. نهى شعرت أن دمها يغلي: لا يكفي أن يعرف أو لا يعرف، يكفي أنه سكت.

سيف نظر بينهم بقلق، لم يفهم لماذا توقف الطعام ولماذا تغيرت الوجوه. قال بصوت صغير: “هو في إيه؟” هند حاولت أن تسحبه لحضنها بسرعة، لكن يدها ارتجفت. نهى كانت ترى خوفًا في حركة هند، خوفًا من انكشاف شيء أكبر. فجأة، نهى تذكرت البطن مرة أخرى، اقتربت خطوة، لمست القماش عند الخصر، وشعرت بشيء صلب غير طبيعي. نظرت إلى هند نظرة مباشرة: “إنتي حامل بجد؟”

هند شهقت: “إيه الكلام ده؟ اتقي الله!” حماتها تدخلت بسرعة: “إبعدي عنها… دي حامل!” لكن نهى لم تتراجع. كانت ترى حياتها المسروقة أمامها. مدت يدها بثبات، سحبت طرف القماش عند خصر هند، وإذا بقطعة داعمة تنزلق فجأة وتسقط على الأرض أمام الجميع، بطن صناعي واضح، ثقيل، كأنه دليل مادي على تمثيلية طويلة. الصوت الذي خرج من حلق هند لم يكن صرخة حملٍ أو خوفٍ عادي، بل كان صوت انكشاف، صوت شخص سقطت عنه كل الأقنعة دفعة واحدة.

سيف شهق وبكى: “ماما… بطنك وقعت!” حاول أن يركض نحوها، لكن نهى أسرعت إليه، لم تمسكه بعنف، بل مسكت يده بحنانٍ مؤلم وقالت له: “متخافش… محدش هيأذيك.” الطفل كان يبكي ودموعه تنزل بلا فهم. حسين وقف مذهولًا، ينظر إلى البطن الصناعي على الأرض ثم إلى أمه ثم إلى نهى، كأن عقله يحاول جمع قطع الصورة لكنه لا يقدر. حماتها حاولت أن ترفع القطعة بسرعة وتخفيها، لكنها وجدت نهى أقوى مما تخيلت.

نهى التفتت إلى حماتها وقالت بصوت مرتفع لأول مرة: “خمس سنين… خمس سنين وأنا بحترق… وإنتوا بتتفرجوا! مش بس سرقتوا ابني… ده إنتوا ربيتوه قدامي عشان تفضلوا شايفين كسرتي كل يوم.” حماتها حاولت أن تغير الموضوع إلى “المصلحة” كعادتها: “الولد في حضن العيلة… إحنا مربينه… وإنتي كنتي هتتجنني لو عرفتي… وأخو جوزك كان نفسه في عيل… وهند…” لكن نهى قاطعتها: “هند مابتخلفش… صح؟ عشان كده عملتوا اللعبة دي كلها.”

هند انفجرت في البكاء، لكن بكاؤها لم يكن اعتذارًا، كان غضبًا: “أنا اللي ربيت الولد… أنا اللي سهرت عليه… أنا اللي كنت بموت من الخوف عليه وهو سخن… إنتي كنتي فين؟” نهى ردت وهي ترتجف: “كنت في الكذبة اللي إنتوا عملتوها… كنت بدفن ابني بإيدي وأنا مش عارفة إنه بيتنفس.” ثم التفتت إلى حسين مرة أخرى، هذه المرة بعيون لا تحمل رجاء: “حتى لو إنت مكنتش شريك من الأول… سكوتك كان شراكة… وسكوتك قتلني.”

حسين بدأ يبكي، حاول يقترب منها: “نهى… والله ما كنت أعرف تفاصيل… أمي قالتلي إنه حصل غلط… قالتلي إنك لو عرفتي هتضيعي… قالتلي إنه في الآخر هيبقى في العيلة… وأنا… أنا كنت ضعيف.” نهى ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا فرح: “الضعف هنا مش عذر… الضعف جريمة لما يكون تمنه طفل وأم.” ثم نظرت إلى سيف، قلبها يتمزق لأن الطفل هو الضحية الأكبر، لا يعرف من أمه ومن “طنط” ومن الحقيقة. كانت تعرف أن أي خطوة خاطئة قد تترك جرحًا في روحه لا يلتئم.

انحنت نهى أمام سيف، مسحت دموعه بإبهامها، وقالت له بصوت هادئ قدر الإمكان: “سيف… اسمعني يا حبيبي… إنت مش غلطان… ولا ذنبك إن الكبار غلطوا. أنا بحبك… ومش هسيبك.” الطفل نظر إليها بعينين مذعورتين: “إنتي زعلانة من ماما هند؟” نهى اختنقت، لكنها تمالكت نفسها: “أنا زعلانة من الكدب… وإنت لازم تبقى في مكان آمن.” ثم وقفت، ورفعت هاتفها أمام الجميع وكأنها ترفع سلاحًا لا يجرح جسدًا بل يكشف عدالة: “أنا هكلم الشرطة.”

حماتها صرخت: “إنتي مجنونة! فضيحة!” هند حاولت تمسك الهاتف: “حرام عليكي! الولد هيتشرد!” حسين حاول يقف بينهم: “نهى بالله عليكي… خلينا نحلها في البيت.” نهى دفعته بنظرة قاطعة: “حلها في البيت؟ زي ما حليتوها من خمس سنين؟” ثم خرجت إلى باب الشقة بسرعة، وسيف ما زال ممسكًا بيدها. الطفل كان يرتجف، لكنها كانت تمسكه بحنان شديد، كأنها تعوض خمس سنوات في لحظة واحدة.

في السلم، كانت نهى تسمع أصواتهم خلفها: صراخ حماتها، بكاء هند، توسلات حسين. لكنها لم تلتفت. كان هناك صوت واحد أعلى من كل شيء: صوت قلب أم وجد طفلها بعد أن دفنه الناس حيًا في كذبة. خرجت إلى الشارع، اتصلت بأخيها أولًا لأن ظهرها كان يحتاج سندًا من دمها قبل سند القانون. أخوها وصل سريعًا، رأى وجهها المذعور والطفل الذي في يدها، وفهم أن الأمر أكبر من شجار عائلي. ثم اتصلت بالشرطة وأبلغت بوضوح عن اشتباه في خطف طفل وتزوير أوراق طبية.

حين عادوا إلى الشقة مع رجال الشرطة، كان البيت قد تحول إلى ساحة ارتباك. حماتها تحاول أن تبدو قوية، هند تبكي وتختبئ خلف حسين، وحسين ينظر إلى الأرض كأنه يريد أن تختفي الحقيقة تحت البلاط. رجال الشرطة طلبوا الأوراق، نهى قدمت الملف والعقد، وطلبت رسميًا فتح محضر. لم تكن تتمنى أن ترى أهل بيتها بهذه الصورة، لكنها كانت تعرف أن الرحمة الحقيقية ليست في الستر على الجريمة، بل في إيقافها حتى لا تتكرر مع غيرها.

في القسم، بدأ التحقيق. سُئلت نهى عن تفاصيل حملها القديم، وعن المستشفى، وعن اليوم الذي قيل لها فيه إن الجنين مات. كانت تتحدث وهي ترتجف، لكن كلماتها كانت واضحة لأن الوجع علّمها الدقة. ثم جاء دور هند، انهارت بعد ضغط الأسئلة، وخرجت الحقيقة كما يخرج ماء مكبوت من سد مكسور: هند مابتخلفش فعلًا، وحماتها كانت صاحبة الفكرة، وطبيب في المستشفى كان متعاونًا مقابل المال، وجرى تسجيل الطفل بأوراق مزورة باسم هند وزوجها، ثم تربى الطفل في البيت نفسه لكي يبدو “طبيعيًا” ولا يثير شك أحد.

نهى سمعت الاعترافات كأنها تسمع فيلمًا عن حياة شخص آخر، لكنها كانت هي البطلة التي نزفت كل المشاهد. أصعب لحظة لم تكن في التحقيق ولا في رؤية القيود ولا في سماع كلمات “تزوير” و”خطف”، بل كانت لحظة واحدة حين دخل سيف إلى غرفة الانتظار ووقف ينظر إليها بحيرة. كان يبحث عن هند بعينيه، ثم ينظر إلى نهى وكأنها نافذة جديدة لا يعرف كيف يفتحها. نهى انحنت له مرة أخرى، وقالت بصوت مبحوح: “سيف… أنا مش جاية أخدك من حد عشان أوجعك… أنا جاية أرجعك لحضني اللي اتسرق.”

الطفل همس: “يعني إنتي ماما؟” نهى ابتسمت رغم الدموع: “أنا ماما… بس مش هاجبرك تحسّ ده بسرعة… هنتعود… واحدة واحدة.” الطفل وضع رأسه على كتفها فجأة كأنه يختبر الأمان، ونهى شعرت أن كتفها صار أخيرًا مكانًا لمعنى جديد، معنى كانت تحلم به كل ليلة ثم تستيقظ منه باكية. في تلك اللحظة فقط، خرجت الدموع التي حبستها الصدمة ساعات طويلة، دموع حارة لكنها ليست دموع ضعف، بل دموع أم عادت من موتٍ طويل.

بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية. المستشفى خضع للتحقيق، والطبيب المذكور تم استدعاؤه، والتقارير تمت مراجعتها، وانكشف أن الملف الحقيقي كان موجودًا منذ البداية، لكن أحدًا أخفاه وبدله بملف مزور يقول بوفاة الجنين. نهى كانت تتابع كل خطوة وهي تشعر بثقل السنين فوق صدرها. كانت تبيت ليلها وهي تسمع في رأسها سؤالًا واحدًا: كيف استطاعوا أن يناموا كل ليلة وهم يعرفون أن طفلًا سُرق من أمه؟ ثم ترد على نفسها بسؤال آخر أشد قسوة: كيف استطعت أنا أن أحب “سيف” كل هذا الحب دون أن أعرف أنه ابني؟ وكأن الروح تعرف طريقها قبل الأوراق.

حين جاء وقت المواجهة الأخيرة أمام وكيل النيابة، حاول حسين أن يمسك يد نهى ويستعطفها: “أنا غلطت… بس أنا بحبك… وأنا بحب سيف… متدمريش البيت.” نهى سحبت يدها بهدوء وقالت: “البيت اتدمر من يوم ما اتسرق ابني… إنت بس كنت عايش وسط الركام ومش شايف.” حسين انهار، لكن نهى لم تشمت. كان في قلبها حزن على رجل اختار الضعف بدل الحق، وعلى سنوات عاشت فيها وهي تظن أنه سندها، ثم اكتشفت أنه كان جدارًا يميل مع أمه.

أما حماتها فحاولت أن تلبس ثوب الحكمة: “إحنا عملنا كده عشان العيلة… عشان الولد… عشان هند متنكسرش.” نهى ردت دون تردد: “وكسرتي أنا كانت رخيصة؟” ثم اقتربت منها وقالت بصوت منخفض يسمعه الجميع: “اللي عملتيه مش عيلة… ده عصابة… والعيلة اللي تقوم على خطف طفل عيلة لازم تتعالج مش تتستر.”

مرت الشهور التالية صعبة وثقيلة. نهى انتقلت مؤقتًا لبيت أهلها مع سيف حتى لا يعيش الطفل وسط صراع بيت العائلة. كانت تحاول أن تعوضه دون أن تملأ قلبه بالكراهية. لم تكن تريد أن تكره هند أمامه، لأن الطفل عاش معها سنوات، والطفل لا يفصل بسهولة بين الحب والجرح. كانت تعلّمه أن يقول الحقيقة دون أن يحرق نفسه بها، وأن يشعر بالأمان دون أن يتحول إلى قاضٍ صغير يحمل همّ الكبار.

كل ليلة، كانت نهى تجلس بجواره وهو نائم، تتأمل ملامحه، وتتحسس الشامة الصغيرة فوق حاجبه، وتقول في نفسها: “كنت هنا طول الوقت… وأنا ما كنتش شايفا.” كانت تشعر بموجة ألم لأنها فقدت خمس سنوات من حياته: أول خطوة، أول كلمة، أول يوم حضانة. لكنها كانت تتمسك بفكرة واحدة: ما زال أمامها عمر كامل لتكون أمه، لتمنحه حضنًا لا يُباع ولا يُزور.

وفي يومٍ ما، بعد جلسة طويلة من العلاج النفسي الذي أوصى به الأخصائي للطفل، جاء سيف إليها في المساء وقال: “ماما نهى… ينفع أنام جنبك؟” نهى ابتسمت وبكت في الوقت نفسه، لأنها سمعت أخيرًا كلمة “ماما” من فمه دون ارتباك. قالت له: “ينفع… ده مكانك.” نام الطفل بجوارها، واستلقى كأنه وجد أخيرًا ترتيبًا جديدًا للعالم.

القضية لم تكن مجرد أوراق أو حكم، كانت حياة كاملة. وفي النهاية، مهما كانت الأحكام التي صدرت، ومهما طال الطريق، كان عند نهى يقين واحد لا يتغير: أن الحق يمكن أن يتأخر، لكنه لا يموت. وأن قلب الأم، مهما كُسر، يظل قادرًا على الوقوف حين يعود إليه ابنه. نهى لم تعد تلك المرأة التي تخجل من السؤال أو تخاف من المواجهة. صارت تعرف أن الشفقة لا تُنقذ الضحايا، وأن السكوت لا يحفظ البيوت، وأن الحقيقة—رغم قسوتها—هي الباب الوحيد للنجاة.


في أول رمضان بعد انكشاف السر، لم تطلب نهى شيئًا من الدنيا سوى أن تسمع سيف يضحك وهو آمن. وحين سمعته يضحك فعلًا، عرفت أن الله لا يعوضنا دائمًا بالطريقة التي نتخيلها، لكنه حين يعوض، يعوض بما يعيد الروح إلى مكانها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان