قصة رعب نفسي: العزومة التي لم تنتهِ في الشقة رقم 13

قصة رعب نفسي: العزومة التي لم تنتهِ في الشقة رقم 13


اسمي سارة، طالبة مغتربة، أول مرة أسيب بيت أهلي وأسكن بعيد عنهم. أنا وصاحبتي هناء استأجرنا شقة صغيرة في الدور الرابع من عمارة قديمة في حي المنيل. العمارة نفسها كان فيها حاجة غريبة من أول يوم، هدوء زيادة عن اللزوم، سلم رخامه متآكل من السنين، وصوت خطواتك فيه بيرد عليك كأن المكان فاضي حتى وهو مليان. بس أكتر حاجة شدت انتباهي من أول أسبوع كانت الشقة اللي قصادنا، شقة رقم 13. بابها خشب قديم، مش مقفول ولا مفتوح، دايمًا سايبينه موارب بمقدار سنتيمتر واحد بالظبط، ضلمة جوه، مفيش ولا صوت، بس ريحة أكل بتطلع منها كل يوم الساعة سبعة المغرب، ريحة طبيخ تقيلة وغريبة، كأن حد بيطبخ لعزومة كبيرة، رغم إننا عمرنا ما شفنا حد داخل أو خارج منها.

سألت هناء أكتر من مرة، كنت بحاول أطمن نفسي إن اللي حاساه ده مجرد وهم. كنت أقول لها: “إنتي عمرك شفتي حد من شقة 13؟”، وكانت ترد وهي مدفونة في كتبها: “يا سارة فكي سيرة الناس، أكيد ناس كبار في السن، ومبيحبوش يقفلوا الباب عشان التهوية.” بس كلامها عمره ما دخل قلبي. تهوية إيه والباب موارب سنة؟ وهدوء إيه ومفيش حتى صوت تلفزيون أو رنة تليفون؟ كنت كل مرة أعدي من قدام الباب أحس إن في عين بتبصلي من جوه.

يوم خميس بليل، رجعت متأخرة من الكلية، شايلة أكياس تقيلة، وتعبانة. وأنا بطلع المفتاح من شنطتي قدام باب شقتنا، الميدالية وقعت من إيدي واتدحرجت على الأرض لحد ما وقفت بالظبط عند فتحة باب شقة 13. قلبي دق بسرعة غريبة. نزلت أجيبها، ومن غير ما أحس، فضولي غلبني، وبصّيت من الفتحة. اللي شوفته خلاني أنسى نفسي. سفرة طويلة متغطية بمفرش دانتيل أبيض، شبه اللي بيتفرش في الأفراح، وعليها أربع أطباق مليانة رز وخضار، والدخان طالع منهم كأنهم لسه نازلين من على النار. أربع كراسي متحطين حوالين السفرة، وعلى كل كرسي فوطة مطوية بعناية. بس الشقة كانت ساكتة… سكات تقيل يخوف.

قمت جري وقفلت باب شقتنا وقلبي بيخبط في صدري. حكيت لهناء، وضحكت وقالت إني متأثرة بأفلام الرعب. حاولت أصدقها، بس الفضول كان أقوى. في نفس الليلة، قعدت أراقب باب شقة 13 من العين السحرية. ساعة عدت، واتنين، لحد ما الساعة قربت على 12. فجأة، سمعت صوت معالق بتخبط في أطباق صيني. تك… تك… تك. بصّيت، ولقيت النور جوه الشقة مطفي، بس فيه ضوء شموع خافت بيتحرك، ومعاه همس جماعي واطي، كأن أربع أشخاص بيتمتموا بكلام مش مفهوم.

تاني يوم الصبح، لما هناء نزلت، حسّيت إن لازم أواجه خوفي. خبطت على باب شقة 13، مرة واتنين، مفيش رد. زقيت الباب المواري سنة صغيرة، واتفتح بهدوء غريب. دخلت الصالة، لقيت السفرة موجودة، بس الأطباق كانت فاضية ونضيفة زيادة عن اللزوم، كأن محدش لمسها. في اللحظة دي، الباب اتقفل ورايا بقوة. لفّيت مفزوعة، ولقيت ست عجوزة جدًا، لابسة فستان فرح قديم ومتهالك، في إيدها سكينة وسلسلة مفاتيح تقيلة. بصّت لي وقالت بصوت مبحوح: “إنتي جيتي يا ليلى؟ اتأخرتي ليه؟ الأكل برد، وإخواتك مستنيينك من عشرين سنة.”

إيدها كانت ماسكاني بقوة غير طبيعية، وصوابعها باردة زي التلج. على الحيطة وراها شفت صور أربع بنات، واحدة منهم كانت شبهي بشكل يخوّف. في اللحظة دي فهمت إن الهروب مش سهل. اخترت أعمل نفسي ليلى. قلت بصوت مرتعش إني جيت، وإن الطريق كان زحمة. فجأة ملامحها اتغيّرت، القسوة اتحولت لحنان مخيف، وسابت السكينة. قعدتني على الكرسي الرابع. ريحة الأكل كانت حقيقية، بس لما بصّيت كويس شفت دود صغير بيتحرك في أكل متعفن بقاله سنين، وهي شايفاه أكل طازة.

وأنا قاعدة، عيني وقعت على صورة بنت اسمها عبير، لابسة نفس السلسلة اللي هناء كانت لابساها الصبح. سألتها عنها، فضحكت وقالت إن عبير هي اللي جابتني. ساعتها باب الشقة اتفتح ودخلت هناء. بس مكنتش هناء. كانت عبير. باست إيد الست العجوزة وقالت: “جبتلك ليلى زي ما وعدتك.” اعترفت إنهم ماتوا في حريقة يوم فرح ليلى، وإن أرواحهم محبوسة، ومحتاجين بديلة لكل واحدة.

حاولت أهرب، لقيت الباب من غير أكرة. النور قطع، صوت المعالق علا، والست قربت مني بالفستان: “البسي يا ليلى… الفرح هيبدأ.” ملامح عبير ساحت وبقت شبه الصورة القديمة. كل حاجة ضلمت.

تاني يوم، بواب العمارة شاف شقة 13 مقفولة بالجنزير زي ما هي بقالها 20 سنة. والشقة اللي قصادها كان بابها موارب سنة صغيرة، وريحة طبيخ طالعة. ولما بص، شاف بنت شبه سارة قاعدة على السفرة، بتاكل في صمت، وبتبص للباب بابتسامة باهتة… وعينها فاضية.

ما حدش في العمارة لاحظ الغياب في الأول. سارة كانت بنت مغتربة، والناس اتعودت إن الطلبة تيجي وتمشي. يومين عدّوا، وبعدين أسبوع، وهناء ما رجعتش الشقة. جت مرة واحدة بس، في عز الظهر، دخلت بهدوء، لمّت هدومها، وما سألتش عن صاحبتها، ولا حتى بصّت ناحية باب الشقة رقم 13. البواب حاول يفتح معاها كلام، سألها عن سارة، ردّت بابتسامة سريعة وقالت إنها سافرت فجأة. ابتسامة عادية، بس اللي يعرف هناء كويس كان هيحس إن الابتسامة دي ناقصة حاجة، كأنها مرسومة مش طالعة من جوه.

الشقة اللي كانت ساكنة فيها سارة فضلت مقفولة. الباب مقفول كويس، مفيش حركة، مفيش نور. بس الحاجة الوحيدة اللي ما اختفتش كانت الريحة. ريحة الطبيخ اللي بتطلع كل يوم في نفس المعاد، سبعة المغرب، من الشقة رقم 13. بواب العمارة حاول مرة يقرّب، شد الجنزير، اتأكد إنه مقفول، وبعدين رجع خطوة ورا من غير سبب واضح، كأن رجله رفضت تكمل. قال لنفسه إن العمارة قديمة، وإن الخشب بيطلع ريحة، وإن العقل ساعات يحب يكمّل حكايات من عنده.

في نفس الوقت، كانت الشقة رقم 13 بتكمّل حياتها، لو ينفع يتقال عليها حياة. السفرة كانت بتتفرش كل يوم. أربع أطباق، أربع كراسي، أربع فوط مطوية. البنت اللي شبه سارة كانت قاعدة على الكرسي الرابع، بتاكل ببطء، حركاتها محسوبة، مفيش جوع حقيقي، بس في التزام. الست العجوزة كانت قاعدة على رأس السفرة، عينيها ثابتة، بتراقب، وكأنها بتتأكد إن الدور اتسلّم صح. كانت كل شوية تبص للبنت وتقول: “ما تقلقيش يا ليلى، إخواتك هيبقوا معانا قريب.”

والبنت كانت بتبتسم. نفس الابتسامة الباهتة. ما كانتش بتتكلم، بس في دماغها، في صوت. صوت سارة. الصوت كان موجود، بس بعيد، محبوس ورا حيط سميكة. كانت بتحاول تفتكر اسمها، شكل أمها، صوت ضحكة صاحبتها، بس الذكريات كانت بتطلع مش كاملة، زي صور متشالة منها ألوان. كل مرة تحاول تمسك حاجة، تفلت منها، وترجع تبص قدامها على السفرة.

في الليل، لما الشقة كلها تسكت، الست العجوزة كانت تقوم من مكانها وتلف في الصالة. تبص للصور، تعدّهم، تلمس الإطارات بإيدها المرتعشة. كانت ساعات تقف قدّام صورة ليلى القديمة، وتهمس: “خلصتي يا بنتي… الدور مشي.” وبعدين تبص للبنت الجديدة، وتكمّل: “والسلسلة لسه ما وقفتش.”

اللي ما حدش كان يعرفه إن الصوت اللي كان بيطلع من الشقة، صوت المعالق اللي بتخبط، ما كانش طقس، ولا عادة. كان علامة. علامة بتسمعها البنات اللي شبههم. في جامعة قريبة، بنت اسمها مي كانت بتعدي كل يوم من قدّام العمارة، وتحس إن في حاجة بتشدها، ريحة أكل تفتح النفس، وفضول مالوش سبب. كانت تقول لنفسها إنها متخيلة، بس خطواتها كانت دايمًا تبطّأ عند العمارة القديمة، وعينيها ترفع لا إراديًا على الدور الرابع.

في يوم، مي وقفت قدّام العمارة أكتر من اللازم. بصّت على باب الشقة اللي قصاد 13، شافت الباب مقفول، وشافت باب 13 موارب سنة صغيرة. نفس السنة. نفس الضلمة. نفس الريحة. قلبها دق، مش بخوف، بحاجة شبه الحنين، كأن المكان ده مستنيها. رفعت إيدها تخبط، وبعدين سحبتها بسرعة، ضحكت على نفسها ومشيت. بس وهي ماشية، سمعت صوت خافت، صوت معالق، وصوت همس بيقول اسم مش اسمها، بس قريب قوي منه.

في الشقة، البنت اللي شبه سارة رفعت راسها فجأة. لأول مرة عينها اتحركت. بصّت ناحية الباب، وحاجبها اترفع سنة صغيرة. الست العجوزة ابتسمت، ابتسامة أوسع من كل مرة. قامت، عدّلت فستان الفرح القديم، وقالت بصوت واطي: “شكلنا هنفرش السفرة بدري النهارده.”

والعمارة كملت هدوءها. سكانها طلعوا ونزلوا، ضحكوا، اتخانقوا، عاشوا حياتهم، من غير ما ياخدوا بالهم إن بابًا مواربًا سنة صغيرة، ممكن يكون أوسع من أي باب مفتوح، وإن في بيوت ما بتقفلش… لأنها لسه مستنية.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان