حين طُردت من البيت بعد يومين من القيصرية

حين طُردت من البيت بعد يومين من القيصرية


حين طُردت من البيت بعد يومين من القيصرية

لم يكن الألم في بطني هو الأسوأ في تلك الأيام. الألم الحقيقي كان في قلبي… في تلك المسافة الباردة التي ظهرت فجأة بيني وبين البيت الذي عشت فيه عمري كله. كنت قد خرجت لتوي من عملية قيصرية صعبة، جسدي بالكاد يقوى على الحركة، والغرز ما زالت تشد جلدي مع كل نفس عميق. كان ابني آدم لا يزال في يومه الثاني في هذه الدنيا، جسده الصغير ملفوف في بطانية بيضاء، ينام أحيانًا ويصرخ أحيانًا أخرى دون أن يفهم شيئًا عن العالم القاسي الذي استقبله.

كنت أظن أنني عندما أعود إلى بيت أهلي بعد الولادة سأجد الراحة. كنت أظن أن أمي ستجلس بجانبي وتربت على ظهري، وأن أبي سيحمل حفيده الأول بفخر، وأن البيت سيصبح أكثر دفئًا بوجود طفل جديد. لكن الواقع كان مختلفًا… مختلفًا إلى درجة لم أكن أستطيع تخيلها حتى في أسوأ كوابيسي.

في صباح اليوم الثاني بعد العملية، فتح أبي باب غرفة المستشفى. كان وجهه جامدًا كعادته حين يريد أن يبدو رسميًا. لم يقترب من السرير، ولم ينظر حتى إلى الطفل النائم بجانبي. وقف فقط عند الباب، شبك ذراعيه أمام صدره، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: “لازم تفكري هتقعدي فين لما تخرجي.”

رمشت بعيني ببطء. كنت لا أزال تحت تأثير المسكنات. ظننت أنني لم أفهم كلامه جيدًا. سألته بصوت ضعيف: “يعني إيه؟ ما أنا راجعة البيت.”

تنهد قليلًا، وكأنه يشرح أمرًا بديهيًا لشخص لا يريد أن يفهم. قال إن محمود، أخي الصغير، يحتاج غرفتي. قال إن قناته على الإنترنت بدأت تكبر، وإنه صار يعمل بثًا مباشرًا بشكل يومي، وإن الغرفة أصبحت استثمارًا مهمًا لمستقبله. تحدث عن العقود والإعلانات والفرص وكأنها أمور أكبر من أي شيء آخر في البيت.

ثم قال الجملة التي لم أنسها أبدًا: “حاجتك هتتشال.”

في تلك اللحظة نظرت إلى ابني. كان صغيرًا جدًا، ملامحه ما زالت متورمة قليلًا من الولادة، وكأنه لم يقرر بعد إن كان سيحب هذا العالم أم لا. شعرت بشيء ينكسر بداخلي ببطء، مثل زجاج رقيق يتشقق بصمت.

قلت لأبي بصوت مبحوح إنني لا أستطيع الحركة جيدًا، وإن الطبيب قال إنني بحاجة إلى راحة. قلت إنني لا أستطيع حمل أشياء ثقيلة ولا حتى الوقوف طويلًا. لكنه هز رأسه ببساطة وقال إن الأطباء دائمًا يبالغون في الكلام، وإن أمي أنجبت قبلي ولم تكن تتذمر هكذا.

بعد ساعتين دخلت أمي الغرفة. كانت تحمل شنطة رياضية كبيرة. وضعتها بجانب السرير وقالت إنها جلبت لي بعض الملابس. أخبرتني أنهم جمعوا أغراضي المهمة من الغرفة، أما الباقي فقد وضعوه في البدروم.

سألتها بصدمة: “يعني إيه؟ نضفتوا أوضتي؟”

تنهدت بتعب وقالت الجملة التي ظلت تتردد في أذني طويلاً: “بطلي دراما بقى. القيصرية دي مجرد جراحة.”

ثم أضافت أن محمود أخيرًا بدأ ينجح في عمله، وأنه يحتاج إلى الهدوء والإضاءة المناسبة للبث، بينما أنا والطفل سنبقى نبكي طوال اليوم. قالتها وكأن الأمر مسألة منطقية جدًا.

في تلك اللحظة تذكرت الليلة التي سبقت الولادة. كان محمود يجلس بجانبي ويعرض لي أرقام المتابعين والمشاهدات، ويصرخ في الكاميرا بحماس. كنت مرهقة جدًا، لكنني ابتسمت له وادعيت أنني مهتمة بما يقول. لم أكن أعلم أن تلك الأرقام ستصبح أهم من وجودي أنا وابني في البيت.

يوم خروجي من المستشفى دفعَتني أمي على الكرسي المتحرك، بينما كنت أضم آدم إلى صدري. كنت أظن أنهم سيأخذونني إلى البيت. كنت أتخيل سريري، غرفتي، المكان الذي أعرفه.

لكن السيارة توقفت أمام عمارة قديمة في منطقة شعبية.

قال أبي وهو يطفئ المحرك: “هتقعدي هنا كام يوم. صاحبنا مأجرها بإيجار رمزي. ما تقوليش ما ساعدناكيش.”

كان السلم طويلًا ولا يوجد مصعد. صعوده بعد عملية قيصرية كان أشبه بعقاب صامت. أمي كانت تصعد أمامي وهي تحمل شنطة الطفل، وأبي كان ينظر إلى هاتفه طوال الوقت. لم يمد أي منهما يده ليساعدني.

عندما وصلنا إلى الشقة فتح أبي الباب. رائحة الرطوبة والسجائر ملأت المكان. كان هناك مرتبة على الأرض، طاولة صغيرة، وكرسي بلاستيكي فقط.

حاولت أن أتكلم، لكن أبي قاطعني فورًا وقال ببرود: “مفيش صداع دلوقتي. أخوك عنده فرصة كبيرة.”

وضعت أمي الشنطة على المرتبة وقالت: “إنتي كويسة. بطلي دور الضحية.”

ثم خرجا ببساطة… وكأنهما أنهيا مهمة صغيرة.

بقيت وحدي. أنا وآدم.

الجرح كان يحترق. التنفس كان صعبًا. يدي كانت ترتعش كلما حاولت أن أحمل الطفل أو أغير حفاضته. كان الصمت في الشقة ثقيلًا كأنه جدار يضغط على صدري.

أمسكت هاتفي دون تفكير. فتحت إنستجرام. بدأت أكتب.

كتبت كل شيء… كلمة كلمة. كتبت كيف قال أبي إن أخي يحتاج غرفتي. كيف قالت أمي إنني أمثل دور الضحية. كيف انتهى بي الأمر على مرتبة في شقة رطبة بعد يومين فقط من الجراحة.

ثم التقطت صورة لبطني. كانت لا تزال منتفخة، وعلامة الجرح واضحة تحت فستان المستشفى.

ترددت لحظة طويلة… ثم ضغطت زر النشر.

لم أكن أبحث عن الشهرة أو التعاطف. كنت فقط أبحث عن شاهد. عن شخص ما يقول لي إن ما حدث ليس طبيعيًا.

مرت ساعة… ثم ساعتان… وأنا أبكي بصمت.

ثم بدأ الهاتف يهتز.

تعليق… ثم تعليق آخر… ثم عشرات التعليقات.

نساء كثيرات كتبن لي أنهن مررن بتجارب مشابهة. بعضهن بكين معي. بعضهن عرضن المساعدة. البعض الآخر كتب كلمات دعم جعلتني أشعر أنني لست وحدي في هذا العالم.

القصة انتشرت بسرعة غريبة. بدأ الناس يربطون بين منشوري وبين الصور التي نشرها محمود في نفس الوقت وهو يحتفل بديكور غرفته الجديدة ووصوله إلى مليون متابع.

في منتصف الليل سمعت طرقًا عنيفًا على الباب.

عندما فتحته وجدت أبي وأمي ومحمود يقفون أمامي.

كان وجه محمود أحمر من الغضب، والهاتف في يده.

صرخ في وجهي: “إنتي خربتي كل حاجة! العقود اللي كنت همضيها اتلغت! الناس بتشتمني في كل مكان!”

نظرت إليه وأنا جالسة على المرتبة. كنت متعبة جدًا، لكن صوتي خرج ثابتًا بطريقة لم أتوقعها.

قلت له: “إنت خايف على العقود؟ أنا كنت لسه بنزف وأنا طالعة السلم ده.”

حاولت أمي التدخل بسرعة، وقالت لي إنني فضحت العائلة، وإن الناس تتحدث عنا الآن. طلبت مني أن أمسح المنشور فورًا.

لكن الوقت كان قد فات.

في تلك اللحظة رن هاتفي برقم غريب.

كانت محامية. قالت إنها قرأت قصتي، وإنها تعمل مع جمعية لدعم النساء. أخبرتني أن هناك شقة فندقية جاهزة لي لمدة شهر حتى أتعافى، وأن سيارة إسعاف في الطريق لنقلي لأن حالتي الصحية تبدو مقلقة.

بعد عشرين دقيقة وصلت سيارة الإسعاف.

خرج الجيران إلى الشرفات بسبب الضجة. وقف أبي صامتًا، بينما كانت أمي تحاول إخفاء وجهها. أما محمود فكان يحدق في هاتفه وهو يرى التعليقات تنهال عليه بلا توقف.

حملت آدم بين ذراعي وصعدت إلى سيارة الإسعاف.

لم أنظر خلفي.

في تلك الليلة تعلمت شيئًا مهمًا جدًا… العائلة ليست مجرد دم. العائلة هي الأمان. هي الشخص الذي يقف بجانبك عندما تكون ضعيفًا، لا الذي يدفعك خارج الباب.

أغلقت حسابي لفترة. ليس خوفًا… بل لأنني كنت أحتاج إلى الهدوء لأتعافى.

كانت لدي الآن معركة أهم من كل شيء آخر: أن أربي طفلي ليكبر وهو يعرف أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد المتابعين… بل بقدر الرحمة التي يحملها في قلبه.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان