طعم لم ينسه القلب: قصة لقاء لم يكن في الحسبان

طعم لم ينسه القلب: قصة لقاء لم يكن في الحسبان


آخر لقمة

لم يكن أحمد يتذكر متى كانت آخر مرة شعر فيها بالجوع بهذه الطريقة. ليس جوع المعدة فقط، بل ذلك الفراغ الداخلي الذي يأتي فجأة، بلا إنذار، ويذكّرك بأنك إنسان قبل أن تكون موظفًا أو مسافرًا أو ناجيًا من خسارة قديمة. الطريق الطويل، الحرارة، وصوت المحرك المستمر، كل ذلك جعل الجوع أثقل، وكأن الجسد يطالب بحقه المؤجل.

كان يقود السيارة منذ ساعات، يحدّق في الأسفلت الممتد بلا ملامح. إلى جواره جلس كريم، صديقه الوحيد الذي ظل ملازمًا له بعد كل ما مرّ به. الصمت بينهما لم يكن صمت خصام، بل صمت رجلين تعلّما أن الكلام الزائد لا يخفف شيئًا.

قطع كريم الصمت أخيرًا وقال وهو يزفر: “يا أحمد، أنا خلاص. بطني بتوجعني. لو ما وقفناش ناكل دلوقتي، أنا مش مكمل.”
ابتسم أحمد ابتسامة جانبية متعبة وقال: “أنا كمان. حاسس إن الجوع ده مش طبيعي، كأنه متراكم من أيام.”

عندما ظهرت أطراف المدينة الصغيرة، لم يكن في المشهد ما يوحي بالراحة. مبانٍ قديمة، طرق ضيقة، وهدوء يشبه النسيان. ومع ذلك، قررا التوقف. أحيانًا، لا يكون التوقف اختيارًا، بل ضرورة.

تحت شجرة جميز عتيقة، كانت قهوة بلدي، يجلس عندها رجال تجاوزوا مرحلة الاستعجال. سألهم أحمد عن مكان يأكلون فيه، فجاء الرد بثقة غير متوقعة: “مطعم ست الكل.”

لم يسأل أحمد عن السبب، فقط اتبع الإشارة. كان يشعر بشيء غير مريح، إحساس لا تفسير له، لكنه تجاهله. الجوع أحيانًا يُسكت الحدس.

دخلوا المطعم. كان المكان بسيطًا، لكنه دافئ. الطاولات نظيفة، والإضاءة هادئة، ورائحة الطعام كانت كافية لتجعل أي مقاومة بلا جدوى. استقبلتهم نادلة شابة بابتسامة تلقائية، وكأنها معتادة على وجوه متعبة.

قال كريم بسرعة: “هاتيلنا أي حاجة، بس تكون أكل بجد.”
ضحكت النادلة وقالت: “سيبها على ست الكل.”

لم تمر دقائق حتى امتلأت الطاولة. أحمد رفع الملعقة، تردد للحظة، ثم تذوق. في اللحظة نفسها، شعر بأن شيئًا داخله تحرّك بقوة. الطعم لم يكن مجرد طعم جيد. كان طعمًا يعرفه. يعرفه جيدًا.

توقفت يده في الهواء. أغمض عينيه. الذاكرة اشتغلت دون إذن.
مطبخ صغير. صوت ملعقة تضرب الحلة. ليلى واقفة، شعرها مرفوع، ووشها فيه تركيز هادي.

همس أحمد: “الأكل ده… زي أكل ليلى.”
كريم رفع رأسه وقال بنبرة محاولة تهوين: “الطباخ الشاطر بيبقى له نفس.”

لكن أحمد لم يقتنع. لم يكن الطعم فقط، بل الترتيب، التوازن، حتى الرائحة الأخيرة التي تبقى بعد اللقمة. عشر سنوات كاملة لم يذق فيها هذا الإحساس. عشر سنوات وهو يتجنب أكلات معينة دون وعي.

صابرين النادلة قالت لهم قبل أن تبتعد: “لو احتجتوا حاجة، ست الكل جوه.”
الاسم مرّ على أحمد مرورًا غريبًا، لكنه لم يعلّق.

عندما ذهب كريم ليطلب إضافة، خرجت صاحبة المطعم بنفسها. أحمد رفع رأسه بلا تفكير، وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في أي حساب.

المرأة التي وقفت أمامه لم تكن شبحًا ولا خيالًا. كانت واقفة بثقل الواقع.
ليلى.

القلب قفز. الدم انسحب من وجهه. المعلقة سقطت وأحدثت صوتًا حادًا كأنه كسر الصمت كله.

قال بصوت خرج من مكان عميق: “ليلى؟”
المرأة تجمدت. عيناها اتسعتا، وفيهما رعب قديم لم يختفِ رغم السنين.

ثم اختفت.

لا أحد رأى كيف. لا باب فُتح. لا خطوة سُمعت. فقط فراغ. المطعم امتلأ بالهمهمة، ثم الصراخ. بعض الزبائن قاموا، آخرون خرجوا مسرعين.

أحمد وقف مكانه، جسده يرتعش. كريم كان يحاول تهدئته، لكنه هو نفسه لم يكن مستوعبًا.

عادت صابرين من الخارج، تفاجأت بالفوضى. أحمد أمسك بها وسألها بحدة لم يقصدها: “فين الست اللي كانت هنا؟”

نظرت إليه باستغراب وقالت: “ست الكل؟ دي مريضة، بقالها سنين مش بتطلع.”

الجملة نزلت كحجر. أحمد لم ينتظر. اندفع نحو الغرفة الخلفية. الباب كان مغلقًا. دفعه.

الغرفة كانت ضيقة، رائحة أعشاب قديمة، إضاءة خافتة. على السرير، جلست امرأة عجوز. شعرها أبيض، جسدها نحيل. لكنها عندما رفعت عينيها، عرفها.

قالت بصوت واهن: “أنا هالة.”

الحقيقة لم تأتِ دفعة واحدة. جاءت بطيئة، موجعة.
ليلى كان لها أخت توأم. مريضة. مخفية.
يوم الحادثة، ماتت هالة.
وليلى… اختفت.

قالت وهي تتجنب النظر إليه: “ما قدرتش أعيش بعد اللي حصل. حسّيت إني السبب. اخترت أعيش في الظل.”

سكت أحمد طويلًا. لم يغضب. لم يصرخ. فقط شعر بثقل عشر سنوات يعود دفعة واحدة.

قال بهدوء مكسور: “دفنت واحدة، وفضلت أعيش مع غياب الاتنين.”

نظر إليها آخر مرة، ثم خرج. لم يأخذ شيئًا. لم يقل وداعًا.

في الطريق، لم يتكلم. كريم لم يسأله. بعض القصص لا تحتاج أسئلة.

بعدها بأيام، أدرك أحمد أنه لم يكن يبحث عن ليلى، بل عن يقين. واليقين أحيانًا يأتي متأخرًا، لكنه يأتي.

منذ ذلك اليوم، لم يعد أحمد إلى ذلك المطعم. ليس خوفًا، بل احترامًا لما انتهى. بعض اللقاءات لا تُعاد، لأنها حدثت في وقتها الأخير.

آخر لقمة كانت كافية. أكثر مما ينبغي.

الدروس المستفادة

تكشف هذه القصة أن بعض الغياب لا يكون موتًا، بل اختيارًا صامتًا، وأن الصدمات الكبيرة لا تنتهي لحظة وقوعها، بل تظل تعيش داخلنا لسنوات، تتخفّى في التفاصيل الصغيرة، وفي طعم لقمة، أو رائحة مطبخ قديم. أحيانًا نظن أننا تجاوزنا الفقد، بينما نحن فقط تعلمنا كيف نتجنبه.

وتعلّمنا الحكاية أن الحقيقة حين تُخفى بدافع الخوف أو الشعور بالذنب، لا تختفي فعليًا، بل تتأجل، وتعود في أكثر اللحظات غير المتوقعة. فالكتمان قد يمنحنا هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع شفاءً حقيقيًا، بل يترك فراغًا يتسع مع الوقت.

كما تطرح القصة فكرة أن الحب، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده إذا لم يصاحبه وضوح وشجاعة في المواجهة. فالهروب، حتى لو كان بدافع حماية الآخرين، قد يتحول إلى قسوة غير مقصودة، تترك من نحبهم أسرى لأسئلة بلا إجابة.

وفي عمق الحكاية رسالة هادئة مفادها أن بعض اللقاءات تأتي متأخرة، لكنها لا تأتي عبثًا. فهي لا تعيد ما فُقد، لكنها تمنحنا فرصة للفهم، وربما للسلام مع ما لا يمكن تغييره. فليس كل شفاء يعني العودة، وأحيانًا يكون الاكتفاء بالفهم هو أقصى ما نستطيع الوصول إليه.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان