الحكاية وما فيها حين يحكي الأطفال ما نخاف نحن من الاعتراف به

الحكاية وما فيها  حين يحكي الأطفال ما نخاف نحن من الاعتراف به


الحكاية وما فيها

حين يحكي الأطفال ما نخاف نحن من الاعتراف به

لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن غيره.
لا حدث غريب، ولا إحساس مسبق، ولا حتى قلق غير مبرر.
يوم عادي، من تلك الأيام التي تمرّ دون أن تترك أثرًا يُذكر.

كنا عند أمي.
ليلى كانت تلعب كعادتها، تضحك، تتحرك في كل أركان البيت،
والبيت نفسه لم يتغير منذ سنوات؛
نفس الأثاث، نفس الصور القديمة على الحائط،
ونفس الصمت الذي يملأ المكان حين ينطفئ صوت التلفزيون.

عدنا إلى البيت قبل الغروب بقليل.
ليلى كانت مرهقة من اللعب، لكنها كالعادة ترفض النوم في السيارة.
تفتح عينًا وتغلق الأخرى، وتواصل الحديث بلا توقف،
كأنها تخشى أن يضيع منها شيء إن سكتت.

ما إن دخلنا الشقة، حتى خلعت حذاءها وجلست على الأرض،
بينما كنت أنا أضع المفاتيح وأحاول ترتيب الأشياء.
كانت تحكي لي عن يومها،
عن الألعاب، وعن تيتة، وعن تفاصيل صغيرة لا تعني شيئًا… أو هكذا ظننت.

الجملة التي نزلت كالماء البارد

فجأة، ومن دون أي مقدمات، قالت بصوت عادي جدًا:


«يا ماما…
أنا لعبت مع أخويا النهارده عند تيتة،
بس هو زعلان عشان مش بييجي معانا البيت».

الجملة نزلت عليّ كالماء البارد.
لم أصرخ، ولم أرتبك ظاهريًا،
لكن قلبي توقف لثانية، ثم عاد ينبض بسرعة غير معتادة.

ليلى عندها أربع سنين.
بنتي الوحيدة.
مالي في الدنيا غيرها.

حاولت أفسّر الأمر ببساطة.
ضحكت ضحكة خفيفة، وقلت:


«يا حبيبتي، إنتي معندكيش إخوات.
يمكن تقصدي ابن خالتك؟»

كنت أنتظر منها أن تضحك،
أو أن تهز رأسها موافقة،
أو أن تغيّر الموضوع كالأطفال.

لكنها لم تفعل.

ملامح طفل لا يتخيل

رفعت رأسها وبصّت لي بجدية غريبة على عمرها.
ملامحها كانت هادئة، ثابتة،
كأنها تصحح لي معلومة خاطئة.

قالت:


«لا يا ماما…
هو اسمه آدم.
وبيلبس تيشيرت أزرق عليه ميكي.
وبيحب الشيكولاتة اللي باللبن زيّي بالظبط».

الكلام كان بسيطًا.
لا خوف فيه، ولا مبالغة، ولا رغبة في لفت الانتباه.
لكن شيئًا ما داخلي انقبض.

لم أردّ.
دخلت المطبخ وأنا أحاول أن أبدو طبيعية.
فتحت الثلاجة، أغلقتها،
ونسيت تمامًا لماذا دخلت.

المواجهة التي لم أكن مستعدة لها

ناديّت على أمي:


«ماما…
هي ليلى كانت بتلعب مع حد هنا؟
جيران؟
حد دخل البيت؟»

أمي نظرت إليّ باستغراب وقالت:


«أبدًا يا بنتي.
إحنا طول اليوم قاعدين قدام التلفزيون،
وهي بتلعب في أوضة الألعاب القديمة بتاعتك».

حكيت لها ما قالته ليلى.
كل كلمة، بلا زيادة ولا نقصان.

وفجأة…
وجه أمي تغيّر.
لونها شحب، وسكتت تمامًا.

من غير ما تقول كلمة، دخلت غرفتها،
فتحت الدولاب، ومدّت يدها إلى أعلى،
وأخرجت علبة قديمة مغطاة بطبقة رفيعة من الغبار.

السر الذي عاش سنوات في الصمت

جلست أمي وفتحت العلبة بيد مرتجفة.
أخرجت منها تيشيرتًا صغيرًا…
أزرق اللون،
وعليه صورة ميكي ماوس.

كان التيشيرت قديمًا،
لكنه محفوظ بعناية،
كأن أحدًا كان يخشى أن يضيع.

قالت أمي وهي تبكي:


«قبل ما تحملي في ليلى بسنتين…
إنتي حملتي وسقطتي في الشهر السادس.
فاكرة؟

كنت أذكر.
بعض الآلام لا تُنسى مهما مرّ الوقت.

أكملت:


«الدكاترة قالوا إنه كان ولد.
وإحنا كنا خلاص اشترينا له الهدوم دي.
وأنا…
سميته بيني وبين نفسي آدم.
بس ما قلتلكيش…
خفت أوجع قلبك وقتها».

الطفلة التي عرفت قبلنا

قبل أن أستوعب الكلمات،
خرجت ليلى من الغرفة وهي تحمل قطعة شيكولاتة.

اقتربت من أمي وقالت ببراءة:


«تيتة…
آدم بيقولك شكرًا
على الشيكولاتة اللي حطيتيها جنب صورته الصبح».

لم يستطع أحدنا الرد.
جلست أنا بصمت،
وأمي احتضنت التيشيرت،
وليلى وقفت تنتظر،
كأنها قالت أمرًا عاديًا لا يحتاج تعليقًا.

الحقيقة المرة… والحلوة

في تلك اللحظة،
لم أشعر بالخوف،
ولا بالرعب،
ولا حتى بالدهشة.

شعرت بشيء أقرب للفهم المتأخر.

أدركت أن الروابط التي تجمعنا بمن نحب
ليست دائمًا دمًا ولحمًا فقط،
بل أحيانًا تكون روحًا تظل قريبة،
حتى إن لم نرها.

ليلى لم تكن تتخيل،
كانت تشعر بـ«ونس»
نحن الكبار فقدنا القدرة على الإحساس به.

وأخوها الذي لم يأتِ إلى الدنيا،
كان لا يزال حاضرًا بطريقته،
يطمن جدته،
ويترك أثره بهدوء.

نهاية هادئة

منذ ذلك اليوم،
صرت أستمع إلى ليلى أكثر.
لا أضحك سريعًا على ما تقوله،
ولا أبحث دائمًا عن تفسير.

لأن بعض الحكايات
لا تحتاج شرحًا،
بل فقط قلبًا مفتوحًا لسماعها.

الدروس المستفادة

القصة تذكّرنا أن الفقد لا يختفي دائمًا مع الوقت،
وأن المشاعر التي لم تُقال
تجد طريقها للخروج بأشكال غير متوقعة.

كما تذكّرنا أن الأطفال أحيانًا يرون ما لا نراه،
ويقولون ما نخاف نحن من الاعتراف به.

قبل أن تهدأ الحكاية

في الأيام اللي سبقت اللحظة دي، ما كنتش واخدة بالي من حاجات كتير.
كنت فاكرة إن الصمت اللي جوّه البيت طبيعي،
وإن الذكريات اللي بحاول أتجنبها بتضعف مع الوقت.
لكن بعد اللي حصل، بدأت أراجع تفاصيل صغيرة كنت بعدّيها من غير تفكير.

افتكرت الحمل اللي انتهى فجأة،
التحاليل،
الدكاترة،
والكلام اللي كان كله تعزية من غير معنى.
افتكرت إزاي رجعت البيت وقتها وأنا شايلة وجع مش عارفة أحطه فين،
وإزاي قررت أكمّل كأن ما حصلش حاجة،
عشان الحياة ما تستناش حد.

افتكرت كمان إني عمري ما سألت نفسي:
الوجع ده راح فين؟
ولا راح أصلًا؟

كنت دايمًا أهرب من السؤال،
وأقنع نفسي إن اللي فات فات،
وإن ربنا عوّضني بليلى،
وإن ده كفاية.

لكن وجود ليلى،
وضحكتها،
وتفاصيلها الصغيرة،
كانت دايمًا بترجّعني غصب عني لفكرة إن في مساحة فاضية،
مش نقص،
لكن حاجة ما اتملتّش.

بعد حكاية آدم،
بقيت ألاحظ إن البيت نفسه اتغيّر.
مش في شكله،
لكن في إحساسي وأنا ماشية فيه.
الأوضة اللي كانت بتتقفل دايمًا،
بقيت أفتحها،
أرتّب فيها،
وأقف لحظة

وفي النهاية،
ليست كل الحكايات المخفية مخيفة،
بعضها فقط يحتاج أن يُسمع.

الدروس المستفادة

  • ليس كل ما يقوله الأطفال خيالًا؛ أحيانًا يكون تعبيرًا بريئًا عن مشاعر أو ذكريات لم نواجهها نحن الكبار.
  • الفقد لا ينتهي دائمًا بمرور الوقت، بل قد يظل حاضرًا في التفاصيل الصغيرة واللحظات الصامتة.
  • الصمت الذي نلجأ إليه لحماية أنفسنا قد يتحول إلى حملٍ عاطفي ينتقل دون قصد إلى من نحبهم.
  • الاستماع دون سخرية أو إنكار قد يكشف حقائق إنسانية أعمق من أي تفسير منطقي سريع.
  • بعض العلاقات لا تقوم على الوجود المادي فقط، بل على الارتباط العاطفي والذاكرة والحنين.
  • الأطفال أحيانًا يكونون أقرب إلى الإحساس بالحقيقة لأنهم لا يخشون التعبير عمّا يشعرون به.
  • ليست كل الحكايات المخفية مخيفة؛ بعضها يحتاج فقط أن يُسمَع بهدوء.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان