البرج الذي لا ينام: شهادة رجل لم يخرج من الصحراء سالمًا
لم يكن عادل من الرجال الذين يبحثون عن المغامرة، ولا من أولئك الذين يهوون اختبار حدود الخوف. كان يعتبر نفسه إنسانًا عمليًا، يعيش حياته ببساطة شديدة: عمل ثابت، شقة متواضعة، وأيام تتشابه إلى حد الملل.
لكن في ليلة شتوية واحدة، تعلّم أن بعض الطرق لا تعيد من يسلكها كما كان.
بلاغ منتصف الليل
في شقته الصغيرة بالقاهرة، كان عادل يجلس قرب النافذة، يراقب المطر الخفيف وهو يترك خطوطًا متعرجة على الزجاج. لم يكن يفكر في شيء مهم، فقط يحاول أن يقتل الوقت قبل النوم.
حين رن هاتفه فجأة، شعر بانقباض غير مبرر.
الصوت من غرفة العمليات كان مباشرًا بلا مقدمات:
– «عندنا برج شبكة واقع بين القاهرة والسويس. الإشارة مقطوعة بقالها ساعتين، ومفيش حد فاضي غيرك.»
نظر إلى الساعة. كانت تقترب من الحادية عشرة ليلًا.
تردد لحظة قصيرة، ثم قال بهدوء:
– «تمام… أنا خارج دلوقتي.»
لم يكن في صوته أي خوف، لكنه حين أغلق الهاتف، شعر بشيء داخله ينقبض دون سبب واضح، كأن جسده تلقى إنذارًا لم يفهمه عقله بعد.
الطريق الذي يبتلع الضوء
في بداية الرحلة، كان كل شيء طبيعيًا.
سيارات متفرقة، محطات وقود مضاءة، لافتات إرشادية مألوفة.
ثم دخل الطريق الفرعي.
اختفت الأضواء فجأة، كأن أحدهم أطفأ العالم من حوله.
لم يعد يرى سوى شريط الأسفلت أمامه، وسواد الجبال التي تحيط بالطريق من الجانبين.
الهواء كان باردًا على غير العادة، والرياح تصدر صفيرًا طويلًا، كأنها نفس متقطع يخرج من صدر قديم.
وحين أعلن جهاز الملاحة وصوله إلى الموقع، كانت الساعة تشير إلى الثانية إلا دقائق.
البرج كان يقف وحده وسط الصحراء، بلا أي أثر لحياة قريبة.
شاهقًا، ساكنًا، كأنه شاهد على زمن نُسي ولم يُدفن.
الصعود الأول
أطفأ المحرك ونزل يحمل حقيبة العدّة والكشاف.
صعد السلم المعدني بثبات، وبدأ يفحص الكابلات واحدة تلو الأخرى.
كان يحاول أن ينهي العمل بسرعة، دون أن يعترف لنفسه بأن المكان يبعث في صدره ضيقًا غير مفهوم.
مرّت دقائق طويلة في صمت تام، لا يسمع سوى صوت الرياح واحتكاك المعدن بالمعدن.
ثم شعر فجأة بشيء جعله يتوقف عن الحركة.
الظل الذي لا يرد
إحساس غريب… أنه لم يعد وحده.
نظر إلى أسفل البرج.
رأى هيئة واقفة.
طويلة أكثر من اللازم.
لا تتحرك.
لا تلوّح.
فقط تقف.
نادى بصوت مرتفع:
– «يا حاج… محتاج مساعدة؟»
لا رد.
كرر النداء.
الصمت كان أثقل من أي جواب.
نزل بسرعة من البرج، وقلبه بدأ يخفق أسرع مما ينبغي.
حين وصل إلى الأرض، لم يجد أحدًا.
دار بالكشاف حول البرج، بحث في كل اتجاه، لكن المكان كان خاليًا تمامًا.
آثار لا تشبه البشر
وفي طريق عودته نحو السيارة، لمح شيئًا في الرمل.
آثار أقدام.
اقترب ببطء، وانحنى ليتأملها.
كانت آثار رجلين… لكن المسافة بين كل أثر والآخر غير منتظمة.
ثم لاحظ ما هو أغرب.
لم تكن هناك إلا آثار قدم واحدة.
تتكرر.
تقفز.
تظهر ثم تختفي.
كأن من مرّ من هنا لم يكن يمشي، بل يتحرك بطريقة لا تشبه البشر.
في تلك اللحظة، شعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.
السيارة التي رفضت النجاة
ركض إلى السيارة وجلس خلف المقود.
أدار المفتاح.
لا شيء.
كرر المحاولة.
المحرك لم يستجب.
ثم سمع أول خبط.
تك…
ثم مرة أخرى:
تك… تك…
صوت منتظم على الزجاج الخلفي.
رفع رأسه ببطء ونظر في المرآة.
كانت هناك امرأة.
أو شيء يشبه امرأة.
وجه بلا ملامح.
جلد أملس، لا عينين، لا أنف، لا فم.
لكن صوتها جاء واضحًا داخل رأسه:
– «أنت خدت مكاني…»
البئر القديم
انفتح الباب بجانبه فجأة، وشعر بيد باردة تمسك بقدمه وتسحبه خارج السيارة.
سُحب فوق الرمل لمسافة طويلة، وهو يصرخ ويضرب بيديه، لكن القوة التي تسحبه كانت أقوى من أي مقاومة.
توقف السحب فجأة.
فتح عينيه، فوجد نفسه أمام بئر قديم مهجور.
المرأة وقفت أمامه.
بدأ جسدها يطول… يطول… حتى تجاوز طوله طول البرج نفسه.
قالت بصوت أجوف:
– «اللي بيجي هنا بليل… بيبقى ملكي…»
أغمض عينيه وبدأ يقرأ كل ما يحفظه من القرآن، دون توقف.
الصباح الذي لم يمحُ الليل
استيقظ على ضوء الشمس.
كان مستلقيًا بجوار البرج.
سيارته تعمل، والراديو يذيع أغنية عادية.
لكن على رقبته، كانت هناك علامة يد سوداء واضحة.
الليالي التي لم تُغلق بابها
منذ تلك الليلة، لم يعد النوم كما كان.
كل يوم، في تمام الثانية بعد منتصف الليل، يسمع نفس الصوت:
تِك… تِك… تِك…
ثلاث خبطات على باب غرفته.
لا أحد في الخارج.
لكن الصوت لا يتوقف.
الشيخ والسر القديم
حين قصّ حكايته على الشيخ العجوز، قال له الأخير بهدوء:
– «أنت دخلت أرض مش أرضك، وخدت مكان مش مكانك.»
ومنذ ذلك اليوم، يعيش عادل بين عالمين، لا ينتمي لأيٍّ منهما.
علامة على رقبته،
وصوت على بابه،
وليالٍ لا تنتهي.
قد تبدو حكاية عادل في ظاهرها مجرد قصة رعب عن صحراء وبرج مهجور وكيانات غامضة، لكنها في حقيقتها تحمل مجموعة من المعاني الإنسانية العميقة التي تتجاوز حدود الخوف نفسه، فهي لا تحكي فقط عن ليلة مرعبة، بل عن سلسلة من القرارات والإشارات التي تم تجاهلها والحدود التي تم تجاوزها دون إدراك لعواقبها. أول هذه الدروس أن ليس كل طريق يجب أن نُكمله حتى النهاية، فعادل شعر بالقلق منذ اللحظات الأولى في الطريق وشعر بانقباض داخلي بلا سبب واضح، لكنه تجاهل هذا الإحساس لأنه اعتاد أن يعتبر الخوف ضعفًا، بينما تذكّرنا القصة بأن بعض المخاوف ليست وهمًا بل رسائل مبكرة تحاول حمايتنا، وأن التراجع أحيانًا يكون شجاعة أكبر من الاستمرار الأعمى. والدرس الثاني يتمثل في احترام الأماكن وحدود الآخرين حتى إن لم نفهم طبيعتها، فجملة الشيخ «أنت دخلت أرض مش أرضك وخدت مكان مش مكانك» لا تتعلق فقط بعالم الجن بل بالحياة كلها، فكثير من الأزمات تبدأ حين يتجاوز الإنسان حدودًا لا تخصه أو يدخل مساحات لا يفهم قوانينها ظنًا منه أن لا شيء سيحدث، بينما القصة تذكّرنا بأن لكل مكان حرمة ولكل حدود ثمنًا إن تم كسرها. والدرس الثالث أن إنكار المشكلة لا يجعلها تختفي، فعادل حاول أن يقنع نفسه ومن حوله أن ما حدث مجرد إرهاق أو كوابيس، لكن العلامة على رقبته بقيت والصوت لم يتوقف، وهذا يعكس حقيقة نفسية مهمة وهي أن بعض الصدمات لا تُشفى بالتجاهل بل تحتاج إلى مواجهة واعية واعتراف حقيقي بما حدث وإلا تحولت إلى خوف دائم يرافق الإنسان في كل تفاصيل حياته. ومن الدروس المهمة أيضًا أن الوحدة تزيد من قسوة الخوف، فعادل لم يجد من يصدقه فاضطر أن يعيش تجربته وحده، والقصة تبيّن أن الإنسان حين يُترك وحيدًا في مواجهة ما يفوق فهمه قد ينهار ببطء دون أن يلاحظ أحد، وأن مشاركة الألم والبحث عن العون ليس ضعفًا بل وسيلة للبقاء. وأخيرًا تذكّرنا القصة بأن بعض التجارب لا تنتهي حين نغادر المكان، فهناك أحداث تترك أثرها في النفس والذاكرة والجسد معًا، وقد لا نرى نهايتها أبدًا، بل نتعلم فقط كيف نعيش معها دون أن ننهزم تمامًا.
