سنة واحدة جواز. كنت فاكرة إني في أمان. بس الحكاية بدأت بحاجة بسيطة. ريحة.
مش ريحة أكل. مش ريحة نضافة. ريحة غريبة. بتظهر كل يوم الصبح. بدري جداً. قبل ما جوزي يصحى. قبل ما الدنيا تنطق. ريحة تقيلة. معتقة. بتلزق في الحلق. بتوجع الراس. كنت بفتح الشباك. أقول يمكن من الشارع. يمكن جيران. بس لأ. الريحة كانت من جوه. نابعة من قلب الشقة.
راقبت. من تحت لتحت. عرفت المصدر. حماتي.
كانت بتدخل الصالة على طراطيف صوابعها. في إيدها حاجة صغيرة. علبة صفيح قديمة. مصدية شوية. ومقفولة كويس. كانت بتلف في الأركان. وشها في الأرض. بتهمس بكلام مش مسموع. صوتها زي فحيح التعبان. كنت بحس بقبضة في قلبي لما أشوفها. جسمي بيقشعر.
سألتها مرة. حاولت أبان طبيعية. “إيه الريحة دي يا ماما؟ بتعملي إيه على الصبح؟”.
وقفت مكانها. بصت لي نظرة غريبة. عينها ضيقة. ابتسامة باهتة، صفرا، اترسمت على شفايفها. قالت بصوت هادي، بس يخوف: “ده عشان العين يا حبيبتي. تحصين للبيت. الناس مابتسيبش حد في حاله يا عروسة”.
جوزي كان بيأمن على كلامها علطول. “كبري دماغك يا سارة. دي أمي. دي بركة البيت. سيبوها براحتها”.
سكت. قلت يمكن أنا اللي حساسة زيادة. يمكن دي عادات قديمة أنا مفهمهاش. وحاولت أعدي الموضوع عشان المركب تمشي.
عدى شهر. اتنين. مبقتش أنا. التغيير كان بطيء. بيتسحب جوايا زي السم. بقيت بصحى تعبانة. مهدودة كأني كنت بحارب طول الليل. جسمي مكسر. دماغي تقيلة كأني شايلة جبل فوق كتافي.
مبقتش عايزة أتكلم مع حد. مبقتش عايزة أجادل في أي حاجة. أي كلمة تسمّ بدني، بقيت أبلعها وأسكت. أقول “حاضر” وخلاص.
حماتي ركبت البيت. سيطرت على كل ركن. هي اللي بتقرر هناكل إيه. هنشرب إيه. هنروح فين. جوزي بقى ضلها. بيقول “أمين” على كل كلامها.
وأنا؟ بقيت خيال مآتة في بيتي. كنت حاسة إني متكتفة. إرادتي مسلوبة. كأن فيه غشاوة تقيلة على عيني ومش عارفة أشيلها. كنت شايفة نفسي بضيع، ومش قادرة أعمل حاجة.
وفي يوم تلات. مش هنسى اليوم ده. حماتي خرجت مستعجلة. كان وراها مشوار ضروري. من استعجالها، نسيت حاجة مهمة.
نسيت العلبة.
العلبة الصفيح إياها. كانت على ترابيزة السفرة. والأغرب.. كانت مواربة. الغطا بتاعها مفتوح سنة بسيطة.
قلبي دق بسرعة. فيه حاجة جوايا قالتلي “ابعدي”. وحاجة تانية أقوى، فضول غريب، أو يمكن غريزة البقاء، سيطرت عليا.
قربت. خطوة. التانية. الريحة المقبضة طالعة منها أقوى. مديت إيدي وهي بتترعش. رفعت الغطا بالراحة. وبصيت جوه.
شهقت. رجعت لورا بخضة. إيه القرف ده؟
ده مش بخور. دي مش أعشاب. اللي جوه العلبة كان شيء بشع. مقزز.
قصاقيص قماش قديمة، محروقة ومتقطعة. كُتل شعر متلبكة في بعضها بشكل غريب. ورق صغير ملفوف بخيط أسود، عليه شخبطة بحبر أحمر، ورموز غريبة مش مفهومة. ريحة عفن طالعة من العلبة.
دماغي لفت. دي مش “بركة”. دي مش تحصين. دي حاجة تانية خالص. دي أذية. دي “عدة الشغل” بتاعتهم عشان يرهبوني. عشان يكسروا نفسي.
فجأة.. الغشاوة اتشالت من على عيني. كل التعب ده.. مش طبيعي. خوفي منهم.. مش طبيعي. استسلامي ليهم.. كان بسبب القرف ده.
دمي غلي. كنت عايزة أصرخ. ألم عليهم الجيران. أواجههم باللي شفته. بس عقلي فرملني. قالي لأ. اهدي.
لو اتكلمت دلوقتي.. هينكروا. هيقولوا عليا اتجننت. هيلبسوني تهمة التهيؤات. خصوصًا مع حالتي النفسية الزفت اللي هما وصلوني ليها.
لازم أهدى. لازم أفكر بخبث زيهم.
قفلت العلبة. رجعتها مكانها بالظبط كأني ملمستهاش. جريت على الحمام. غسلت وشي بمية متلجة. مسحت دموعي. وقررت.
هبدأ ألعب لعبتهم. السكوت. المراقبة. وهفتح عيني ووداني عشرة على عشرة.
تاني يوم. حماتي دخلت، عملت نفس الروتين. وأنا مثلت إني نايمة ومش دريانة بحاجة. وفي غفلة منها، لما دخلت المطبخ، سحبت العلبة بسرعة. فضيت كل القرف اللي فيها في كيس إسود. وربطته كويس. ورميته في الزبالة بره الشقة خالص.
ورجعت حطيت في العلبة بخور عيدان عادي، ريحته حلوة. ورجعتها مكانها.
وقعدت أستنى.
بعدها بيومين. بالليل. البيت هس. جوزي وحماتي قاعدين في الصالة. أنا كنت في أوضتي، بس مصحصحة. سمعت همس.
قربت من باب الأوضة على طراطيف صوابعي. كتمت نفسي. ودني بقت رادار.
حماتي كانت بتتكلم. صوتها واطي. بس فحيحها مسموع.
“البنت خلاص استوت يا واد. مبقتش تنطق. ولا تعترض على حاجة. دي فرصتك”.
قلبي وقع في رجلي. بيتكلموا عني. ركزت أكتر.
كملت هي: “بكرة.. بكرة بالليل. خليها تمضي. الورق جاهز. التوكيل العام. والتنازل عن شقة أبوها اللي حيلتها. هي دلوقتي مش دريانة بحاجة. زي العجينة في إيدك. هتمضي وهي مغمضة”.
سمعت صوت جوزي. بارد. هادي. مفيهوش ذرة إحساس. “تمام يا أمي. الورق جاهز في الشنطة. بكرة نخلص الليلة دي”.
اتسمرت مكاني. رجلي مبقتش شايلاني.
فهمت كل حاجة. اللعبة مكنتش بس سحر وشعوذة. اللعبة كانت أقذر بكتير. اللعبة كانت “استغلال”.
هما استخدموا الدجل ده، والروتين المرعب كل يوم، عشان يدمروا أعصابي. عشان يخلوني مغيبة. عشان يسهلوا على نفسهم سرقة ورثي وحقي وأنا في حالة اللاوعي دي.
رجعت سريري. منمتش دقيقة واحدة طول الليل. النار كانت قايدة في قلبي. بس المرة دي، نار غضب مش خوف.
الصبح طلع. جوزي لبس ونزل الشغل عادي. وأنا قضيت اليوم كله برتب أفكاري. بجهز خطتي.
بالليل. الباب اتفتح. جوزي دخل. ابتسامة صفرا عريضة على وشه. صوته ناعم بزيادة، فيه حنية مزيفة تقرف.
“مساء الخير يا حبيبتي. عاملة إيه النهاردة؟”.
رديت ببرود: “كويسة”.
قعد جنبي على الكنبة. طلع ملف من شنطته.
“بقولك إيه يا سارة. إحنا لازم نأمن مستقبلنا. أنا جهزت شوية ورق. تنظيم يعني لأمورنا المالية. عشان نبقى مطمنين. عايزك تمضي هنا”.
حط الورق قدامي على الترابيزة. حط القلم فوقه. وبص لي نظرة كلها ترقب.
في اللحظة دي، كل خوفي القديم اتبخر. وحل مكانه برود أعصاب غريب أنا نفسي استغربته.
بصيت للورق. بصيت في عينه مباشرة. مثلت إني دايخة وتعبانة.
“عيني يا حبيبي. حاضر. بس ريقي ناشف أوي. أنا دايخة. هاتلي كوباية مية بس الأول”.
هو صدق التمثيلية. قام من جنبي بسرعة. “سلامتك يا حبيبتي. ثواني والمية تكون عندك”.
راح المطبخ. دي كانت لحظتي. الثانية بتفرق.
طلعت موبايلي من جيبي بسرعة البرق. فتحت الكاميرا. صورت الورق. صفحة صفحة. بوضوح. إيدي كانت بتترعش من الغل، بس كملت.
بعت الصور فوراً على الواتساب. لمحامي معرفة قديمة وأثق فيه. كتبت له رسالة واحدة: “الحقني. شوف إيه الورق ده بسرعة. جوزي عايز يمضيني عليه دلوقتي”.
خبيت الموبايل تاني. ورجعت لوضع التعب.
جوزي رجع. في إيده كوباية المية. قعد مستني. شربت بوق.
بصيت له. نظرة عمره ما شافها مني قبل كده. نظرة قوية. حادة.
قلت له بصوت هادي، بس صارم: “قبل ما أمضي يا ابن الناس. عندي سؤال”.
اتوتر شوية. “اسألي يا حبيبتي.. خير؟”.
قلت له: “العلبة الصفيح. إياها. اللي أمك بتمشي تبخر بيها كل يوم الصبح. فيها إيه؟ وإيه القرف اللي كان جواها ده؟”.
وشه اتخطف. لونه بقى أصفر. عينه زاغت يمين وشمال. بدأ يتهته.
“دي.. دي.. دي حاجات عادية.. للبركة يعني.. إنتي بتسألي ليه دلوقتي؟”.
قاطعته. صوتي علي. نبرتي بقت حادة زي السكينة.
“اسمع. وبطل لف ودوران. أنا صورت الورق ده. وبعته للمحامي بتاعي حالاً. دلوقتي. ولو طلع فيه أي لعبة قذرة.. لو فيه أي تنازل عن حقي.. أنا مش بس مش همضي.. أنا هفضحكم. هطربق المعبد ده على دماغكم كلكم”.
لسه بيفتح بقه عشان يبرر، موبايلي رن. رسالة من المحامي.
فتحتها بسرعة. عنيا وسعت من الصدمة. الرسالة كانت واضحة: “اوعي تمضي على أي حاجة! ده توكيل عام شامل، وتنازل بيع وشراء للنفس والغير.. دي مصيبة! ده بياخد كل حاجة تملكيها!”.
ماستنتش دقيقة كمان. قمت وقفت. هو كان قاعد مصدوم، مشلول، مش عارف ينطق حرف.
دخلت أوضتي. لميت دهبي. أوراقي الشخصية المهمة. شوية هدوم في شنطة إيدي.
وأنا خارجة من باب الشقة، حماتي خرجت من أوضتها على صوتنا العالي. وشها مخطوف.
بصيت لهم هما الاتنين بقرف. من فوق لتحت. وقلت لهم آخر جملة في البيت ده:
“البيت اللي بيتبخر بالغدر والخيانة.. ريحته عمرها ما هتنضف. أنا ميشرفنيش أعيش معاكم دقيقة كمان. ولعوا في البيت بالورق بتاعكم”.
ورزعت باب الشقة ورايا. ونزلت جري على الشارع. ركبت تاكسي وروحت على بيت أهلي.
تاني يوم رجعت، بس مش لوحدي. رجعت ومعايا أبويا وأخويا والمحامي. عشان أخد باقي حاجتي، وأطلب الطلاق رسمي.
الحكاية دي علمتني درس عمري. علمتني إن مش كل سكوت رضا. ساعات السكوت بيكون فخ بنحفره لنفسنا. وإن الناس اللي بيستخدموا الخوف، والدجل، والضغط النفسي عشان يسيطروا عليك، هما أضعف وأجبن ناس لما الحقيقة تبان ولما تواجههم بقوة.
أنا مقلبتش الطاولة عليهم بس.. أنا كسرتها فوق دماغهم، ونجيت بنفسي في آخر لحظة.
خاتمة: أنا ما قلبتش الطاولة… أنا رجّعت نفسي
يمكن في ناس هتقول إن اللي عملته قسوة. ويمكن في ناس هتقول إن ده أقل واجب. أنا بس عارفة حاجة واحدة: إني لو كنت سكت، كنت هخسر حقي ونفسي مع بعض.
النهاردة لما أفتكر بداية الحكاية، أضحك من نفسي شوية… إزاي ريحة في البيت كانت أول علامة، وإزاي كنت بحاول أقنع نفسي إنها “عادية”. لكن الحقيقة إن جسمي كان بيقول لي إن فيه غلط وأنا مش راضية أسمعه.
لو عندك إحساس إن فيه حاجة مش مريحة في بيتك أو علاقتك، ما تكسبيش نفسك على حساب راحة بالك. اسألي، راقبي، خدي حقك بهدوء، وخلي أي خطوة قانونية تكون بعقل.
سؤال للنقاش: هل مرّ عليك موقف حسّك إن فيه سيطرة “ناعمة” بتحصل في بيتك أو بيت حد قريب منك؟
تنويه هام:
القصة دي، بكل تفاصيلها وشخصياتها، هي من وحي الخيال. لكن الوجع اللي فيها، ومحاولات السيطرة، والاستغلال باسم الحب أو القرابة، للأسف حاجات حقيقية بتحصل في بيوت كتير حوالينا. الهدف منها مش التخويف، لكن “التفويق”.. إننا ناخد عبرة، ومنسكتش على الغلط مهما كان مين اللي بيعمله، ونحمي نفسنا وحقوقنا قبل فوات الأوان.