اتهام رياض باختلاس 44.8 مليون دولار من المركزي اللبناني شكّل صدمة جديدة للرأي العام اللبناني الذي يرزح منذ سنوات تحت وطأة انهيار مالي غير مسبوق. فقد أصدر القضاء اللبناني مذكرة اتهام رسمية بحق حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ومحاميين آخرين بتهم اختلاس المال العام والتزوير والإثراء غير المشروع، في قضية تعود إلى تحويلات مالية من حساب خاص في المصرف المركزي يعرف بـ«حساب الاستشارات». وتأتي هذه التطورات في سياق سلسلة تحقيقات محلية ودولية طالت سلامة خلال الفترة الماضية، بعدما اتهم باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة. وتؤكد الهيئة الاتهامية أن المبالغ المختلسة بلغت 44 مليونًا و800 ألف دولار، تم تحويلها بطرق غير قانونية على مدار سنوات، في وقت كان فيه اللبنانيون يواجهون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد. القضية أعادت إلى الواجهة مطالب المحاسبة واسترداد الأموال المنهوبة، وطرحت تساؤلات جدية حول مستقبل العدالة المالية في لبنان.
تفاصيل المذكرة القضائية الصادرة بحق سلامة
أوضحت الهيئة الاتهامية في بيروت أن التحقيقات كشفت تحويلات مالية مشبوهة من حساب الاستشارات في مصرف لبنان إلى جهات مرتبطة مباشرة برياض سلامة والمحاميين المتهمين. وأكد القضاة أن هذه التحويلات تمت دون مبررات قانونية واضحة، ما يشكل جريمة اختلاس موصوفة بحق المال العام. كما أشار القرار إلى وجود تزوير في المستندات التي استخدمت لتبرير هذه التحويلات، إضافة إلى شبهات إثراء غير مشروع. هذه المعطيات دفعت القضاء لإصدار قرار الاتهام وإحالة الملف إلى المحكمة المختصة لمباشرة المحاكمة.
دور المحاميين في القضية ومسار الأموال
يُتهم المحاميان مروان جو عيسى الخوري وميشال جون تويني بلعب دور الوسيط القانوني في عمليات تحويل الأموال، من خلال إعداد عقود واستشارات وهمية سمحت بتمرير المبالغ من حساب المصرف المركزي إلى حسابات خاصة. التحقيقات بيّنت أن هذه العقود لم تقابلها أي خدمات فعلية، بل استخدمت فقط كغطاء قانوني لتحويل الأموال. ويُعتقد أن هذه الشبكة سهلت عملية الإثراء غير المشروع وساعدت على إخفاء المسار الحقيقي للأموال لفترة طويلة.
خلفية احتجاز سلامة والإفراج المشروط عنه
كان رياض سلامة قد احتُجز لمدة 13 شهرًا تقريبًا على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم مالية، قبل أن يُفرج عنه في سبتمبر بعد دفع كفالة قياسية تجاوزت 14 مليون دولار. ورغم الإفراج عنه، لا يزال خاضعًا لحظر سفر ويُمنع من مغادرة الأراضي اللبنانية. هذا الوضع القانوني يعكس خطورة الملف وحساسيته، ويؤكد أن القضاء يتعامل مع القضية كواحدة من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ البلاد الحديث.
الأبعاد الاقتصادية للقضية على الوضع اللبناني
تأتي هذه القضية في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة أدت إلى انهيار العملة المحلية وتراجع مستوى المعيشة بشكل غير مسبوق. اتهام أعلى مسؤول نقدي سابق باختلاس عشرات الملايين من الدولارات يعزز الشعور العام بأن الفساد كان أحد الأسباب الرئيسية للانهيار. كما يزيد من فقدان الثقة في المؤسسات المالية، ويؤثر على فرص تعافي الاقتصاد واستعادة ثقة المستثمرين والمجتمع الدولي.
ردود الفعل السياسية والشعبية
لاقى قرار الاتهام ترحيبًا واسعًا في الشارع اللبناني الذي يرى في هذه الخطوة بداية حقيقية لمسار المحاسبة. في المقابل، حاولت بعض الأطراف السياسية التقليل من أهمية القرار أو اعتباره تصفية حسابات سياسية، ما أثار جدلاً واسعًا حول استقلالية القضاء. لكن غالبية المراقبين اعتبروا أن مجرد صدور الاتهام خطوة مهمة في اتجاه استعادة هيبة الدولة والقانون.
البعد الدولي والتحقيقات الخارجية
لم تقتصر الملاحقات على القضاء اللبناني فقط، بل سبق أن فتحت دول أوروبية تحقيقات بحق سلامة على خلفية شبهات تبييض أموال وتحويلات مالية غير مشروعة إلى الخارج. هذا البعد الدولي يعقد القضية ويجعلها أكثر حساسية، إذ قد يؤدي إلى تعاون قضائي بين لبنان ودول أخرى لاسترداد الأموال أو ملاحقة المتورطين خارج البلاد.
مستقبل المحاكمة والسيناريوهات المحتملة
من المتوقع أن تستغرق المحاكمة وقتًا طويلًا نظرًا لتعقيد الملف وكثرة المستندات والشهود. وقد تنتهي بإدانة سلامة والمتورطين معه وإصدار أحكام بالسجن والغرامات واسترداد الأموال، أو قد تواجه عراقيل سياسية وقانونية تؤخر الفصل فيها. إلا أن مجرد وصول القضية إلى هذا المستوى يُعد سابقة مهمة في تاريخ القضاء اللبناني.
دلالة القضية على مسار مكافحة الفساد
تمثل هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لإرادة الدولة اللبنانية في مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. نجاح القضاء في إتمام المحاكمة بشفافية ونزاهة قد يشكل نقطة تحول في علاقة المواطنين بمؤسساتهم، ويعيد بعض الثقة المفقودة في العدالة والحوكمة الرشيدة.
الأسئلة الشائعة
ما قيمة الأموال المختلسة بحسب القضاء؟
44.8 مليون دولار من حساب الاستشارات في المصرف المركزي.
من هم المتهمون إلى جانب رياض سلامة؟
المحاميان مروان جو عيسى الخوري وميشال جون تويني.
هل لا يزال سلامة موقوفًا؟
لا، أُفرج عنه بكفالة لكنه يخضع لحظر سفر.
هل توجد تحقيقات خارج لبنان؟
نعم، هناك تحقيقات أوروبية مرتبطة بالقضية.
ما أهمية هذه القضية للبنان؟
تُعد اختبارًا حاسمًا لمكافحة الفساد واستعادة الثقة بالمؤسسات.