زائر يوم الأحد: رواية رعب نفسي عن سرقة الهوية والملامح

زائر يوم الأحد: رواية رعب نفسي عن سرقة الهوية والملامح


زائر يوم الأحد: لما الخيال يسرق ملامحنا

لم أكن أعرف أن كلمتين فقط يمكن أن تفتتا الطمأنينة بهذا الشكل. “مشغول.. وقت تاني”. جملة قصيرة، باردة، عادية في ظاهرها، لكنها حين خرجت من هاتف ابني كانت أثقل من أي خبر سيئ. طوال عمري تعلمت أن أقرأ ما بين الكلمات، وأن أفهم الصمت أكثر مما أفهم الكلام، لكن تلك المرة شعرت أن الصمت نفسه يختبئ خلف شيء آخر. زائر يوم الأحد لم يكن مجرد موعد للغداء، بل كان طقسًا صغيرًا نحتمي به من الحياة، نتأكد فيه أن الدنيا مهما اتسعت لا تقدر أن تسرقنا من بعضنا.

ديلان لم يكن مثاليًا، لكنه كان ثابتًا. يعرف أنني أنتظر الأحد كما ينتظر الأطفال العيد. كان يأتي دائمًا متأخرًا دقائق، يدخل وهو يعتذر، يضحك، يقبّل رأسي، يفتح ذراعيه لليلي فتجري نحوه، ويملأ البيت بصوته. لذلك حين غاب الأحد مرة، قلت لنفسي عادي. وحين غاب الثانية، أقنعت نفسي أن العمل يضغط عليه. لكن حين جاءت الثالثة، لم يعد التبرير كافيًا. لم يكن الغياب وحده ما يقلقني، بل برودة الجملة، الجفاء الذي لم أعهده.

في الليلة الرابعة من الانتظار، لم أستطع النوم. كنت أقلب الهاتف بين يدي كأنني أبحث عن معنى جديد للكلمات نفسها. لا شيء. نفس الردود القصيرة. لا سؤال عن صحتي، لا مزحة عابرة، لا قلب أحمر صغير كما اعتاد أن يرسل. شعرت بأن شيئًا يتغير في ابني، لكنني لم أكن أملك اسمًا لما يحدث.

صباح الخميس، قررت أن أذهب دون موعد. وضعت في حقيبتي علبة فراولة، واخترت بعناية حبات حمراء لامعة كما تحب ليلي. وضعت أيضًا مكرونة الديناصورات التي لا تأكل غيرها، وابتسمت رغم قلقي. قلت لنفسي إنني سأصل، وسيفتح الباب، وسأضحك من خوفي، وربما أوبخه قليلًا على تجاهله.

الطريق إلى بيته كان مألوفًا، لكنني شعرت أنه أطول من المعتاد. الإشارات بدت أبطأ، والهواء أثقل. حين وصلت أمام البناية، نظرت إلى الشرفات كأنني أبحث عن علامة. لا شيء. كل شيء طبيعي. لكن قلبي لم يكن طبيعيًا.

صعدت الدرج، ووقفت أمام الباب. كان مواربًا قليلًا. هذا وحده لم يكن طبيعيًا. ديلان دقيق في إغلاق الأبواب. دفعت الباب برفق، وناديت بصوت منخفض: “ديلان؟ أنا ماما”. لم يجب أحد. دخلت خطوة، فخطوة. البيت هادئ بشكل مقلق. ليس هدوء نوم، بل هدوء مهجور.

رائحة غريبة تملأ المكان. ليست رائحة طعام، ولا عطر، بل هواء راكد كأن النوافذ لم تُفتح منذ أيام. تقدمت نحو الصالة، وكل حواسي متأهبة. فجأة سمعت أنينًا خافتًا. صوتًا ضعيفًا، متقطعًا.

خلف الكنبة الكبيرة، كانت ليلي.

لم أرَ في حياتي نظرة كتلك. عيناها واسعتان، ممتلئتان برعب يفوق سنها. خدودها ملطخة بدموع ناشفة، وجسدها يرتجف. اقتربت منها، وحين انحنيت لأضمها، رأيت القيد المعدني يلتف حول كاحلها الصغير، مثبتًا في رجل الكنبة الثقيلة.

شعرت أن الأرض تنسحب من تحت قدمي. سألتها بصوت بالكاد خرج: “مين عمل كده؟”. أشارت بعينيها المرتعشتين نحو الممر المؤدي إلى البدروم. همست: “في واحد تحت… بابا حاول يمنعه”.

في تلك اللحظة، لم أعد أمًا فقط. أصبحت شيئًا آخر. غريزة خالصة، خوف ممزوج بعزم. تركت ليلي للحظة، ووعدتها أنني سأعود، واتجهت نحو الممر.

باب البدروم كان مفتوحًا نصف فتحة. الضوء في الداخل خافت. سمعت صوت احتكاك منتظم، كأن شيئًا ثقيلًا يُسحب على الأرض. نزلت السلم ببطء. كل درجة كانت قرارًا.

وفي منتصف السلم رأيته.

ديلان ممدد على ظهره. قميصه ملطخ بدم داكن. وجهه شاحب. عيناه مفتوحتان، تبحثان عني. حين رآني، حاول أن يرفع يده. همس: “اهربي…”.

ثم توقف الصوت.

من زاوية الظل، تحرك شيء.

خرج رجل طويل القامة، يرتدي سويتشيرت أعرفه جيدًا. سويتشيرت ديلان المفضل. خطواته بطيئة، محسوبة. لم يكن يحمل سلاحًا ظاهرًا. لم يكن يركض. كان يسير بثقة مزعجة.

وحين اقترب، رأيت وجهه.

أو بالأحرى… وجه ابني.

قناع سيليكوني، نسخة مطابقة لملامح ديلان. نفس الابتسامة، نفس خطوط الفم، نفس انحناءة الحاجب. لكن العينين… العينان فارغتان. بلا حياة.

قال بصوت يشبه صوت ابني تمامًا: “اتأخرتي يا أمي”.

شعرت بقشعريرة تجتاح ظهري. لم يصرخ، لم يهدد. تحدث بهدوء. كأننا في حوار عادي. قال إن العائلة تحتاج اكتمالها، وإنه يستطيع أن يكون أفضل، أن يكون ابنًا لا ينسى الأحد أبدًا.

في تلك اللحظة، فهمت المعنى الحقيقي لـ يوم الأحد. ليس مجرد دخيل، بل فكرة مرعبة: أن يُستبدل من نحب، أن تُنسخ ملامحه، أن يُعاد تقديمه لنا بوجه مألوف وروح غريبة.

لم أفكر طويلًا. وجدت أداة حادة على طاولة العمل، أمسكت بها، وغرزتها في ذراعه حين اقترب. تراجع فجأة، وصدر منه صوت مختلف، حاد، غير متزن. تلك اللحظة كانت كافية. ساعدت ديلان على الوقوف، وبدأنا نصعد السلم.

خلفنا، كانت ضربات قوية تهز الباب. صعدنا بصعوبة. أغلقت الباب الخشبي بالمزلاج. ركضت إلى ليلي، حاولت كسر القيد بأي شيء وقع في يدي. كان الباب يهتز. الخشب يتشقق.

بضربة أخيرة، انفتح القفل.

حملت ليلي، وأسندت ديلان، وخرجنا من البيت. لم أنظر خلفي. لكن حين ركبت السيارة، لم أستطع مقاومة النظر في المرآة.

كان واقفًا عند العتبة.

يراقبنا.

لا يركض.

لا يصرخ.

فقط يراقب.

في المستشفى، أخبرني ديلان أن الأمر لم يبدأ في ذلك اليوم. قال إنه كان يشعر بشيء غريب منذ شهور. يلمحه في الزوايا، في انعكاس المرآة، في لحظات الصمت. وفي اليوم الذي ألغى فيه الأحد، ظهر له بوجه بلا ملامح أولًا، ثم قال إنه سيأخذ مكانه، وإنني لن ألاحظ الفرق.

الشرطة لم تجد شيئًا. لا آثار اقتحام. لا هوية. لا سجل. كأن الرجل لم يكن موجودًا أصلًا. لكنهم وجدوا صورة قديمة لنا. أنا، وديلان، وليلي. وجه ديلان مقصوص بعناية، ومكانه ورقة صغيرة مكتوب عليها: “الأحد قريب”.

منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء.

لم يعد الأحد مجرد موعد. صار اختبارًا. أراقب نبرة صوت ابني. ألاحظ طريقة ضحكته. أتأكد من تفاصيل صغيرة كنت أعتبرها بديهية. أدركت أن الهوية ليست ملامح فقط، بل ذكريات، أخطاء، مواقف مشتركة لا يمكن تقليدها بسهولة.

لكن الخوف لم يختفِ.

في بعض الليالي، أستيقظ على صوت خافت، وأشعر أن هناك من يقف خلف الباب. أقول لنفسي إنني أتخيل. لكن الخيال أحيانًا يبدأ صغيرًا، ثم يكبر حتى يسرق شكل الحقيقة.

أصبحت أزور ديلان كثيرًا. لا أترك مسافة. أحتضنه طويلًا، كأنني أتحقق منه بيدي. أضحك مع ليلي بصوت أعلى. أفتح النوافذ، أملأ البيت حياة، لأنني تعلمت أن الفراغ هو ما يسمح للنسخ أن تحاول.

ومع ذلك… أحيانًا، حين أنظر في المرآة، أتساءل: هل يمكن أن يُسرق وجه الأم أيضًا؟

لا أعرف إن كان يوم الأحد قد انتهى. ربما كان تجربة فاشلة. ربما كان اختبارًا. وربما ينتظر فقط لحظة ضعف أخرى.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا.

إن عاد…

فلن يجدنا متفرقين.

لن يجد بيتًا صامتًا.

لن يجد فراغًا يدخل منه.

سيجد أمًا تعرف صوت ابنها من أول حرف، تعرف ضحكته حتى لو تغيّر وجهه، تعرفه حتى لو حاول العالم كله أن يعيد رسمه.

وربما… هذا وحده يكفي.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي