طقوس “ما نيني” في إندونيسيا.. لماذا يُخرج السكان موتاهم من القبور ويبدّلون ملابسهم؟

طقوس “ما نيني” في إندونيسيا.. لماذا يُخرج السكان موتاهم من القبور ويبدّلون ملابسهم؟


طقوس “ما نيني” في إندونيسيا.. لماذا يُخرج السكان موتاهم من القبور ويبدّلون ملابسهم؟

عاد مقطع فيديو بعنوان MA’NENE: A Ritual You Never Heard Of إلى الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، بعدما أظهر مشاهد غير مألوفة لسكان إحدى المناطق في إندونيسيا وهم يخرجون جثامين موتاهم من القبور، ثم يقومون بتنظيفها وإلباسها ملابس جديدة وسط حضور أفراد العائلة والزوار.
وقد أثارت هذه المشاهد حالة واسعة من الدهشة بين المتابعين، خاصة أنها بدت للبعض وكأنها مشاهد خيالية أو مفبركة، بينما تساءل آخرون عن حقيقة هذه الطقوس وأسباب استمرارها حتى اليوم.

ما هي طقوس “ما نيني”؟

تُعرف هذه المراسم باسم Ma’Nene، وهي عادة اجتماعية وثقافية قديمة يمارسها بعض سكان منطقة توراجا الواقعة في جنوب جزيرة سولاويسي بإندونيسيا.
وتعني الكلمة في اللغة المحلية “الاعتناء بالأجداد” أو “تكريم الموتى”، حيث تؤمن بعض العائلات بأن الحفاظ على ذكرى المتوفى والعناية بجثمانه يمثل جزءًا من الوفاء والاحترام للأسرة.

وخلال هذه المناسبة، تقوم العائلات بفتح المقابر بعناية، ثم إخراج الجثامين التي غالبًا ما تكون محفوظة بفعل الظروف البيئية أو طرق الدفن التقليدية، وبعد ذلك يتم تنظيفها من الأتربة واستبدال الملابس القديمة بملابس جديدة قبل إعادة الجثمان إلى القبر مرة أخرى.

أين تُقام هذه الطقوس؟

لا تُمارس هذه العادة في جميع أنحاء إندونيسيا كما يعتقد البعض، وإنما تقتصر على عدد محدود من القرى التابعة لشعب توراجا، وهو أحد الشعوب المعروفة بتمسكها بالعادات والموروثات التاريخية التي تعود لمئات السنين.

وتستقطب هذه الطقوس سنويًا عددًا من الباحثين والمصورين والسياح المهتمين بالتعرف على الثقافات المختلفة حول العالم، خاصة أنها تُعد من أكثر العادات غرابة بالنسبة للزائرين.

لماذا يخرجون الموتى من القبور؟

وفقًا للمعتقدات المحلية، فإن هذه الطقوس لا تهدف إلى الإساءة للموتى أو العبث بالقبور، وإنما تعتبر وسيلة للتعبير عن استمرار العلاقة العائلية حتى بعد الوفاة.

ويحرص أفراد الأسرة على إظهار الاحترام للمتوفى من خلال تنظيف ملابسه، وإزالة الغبار عن الجثمان، وأحيانًا التقاط صور تذكارية تجمع أفراد العائلة مع رفات أقاربهم، باعتبار أن الراحل لا يزال جزءًا من تاريخ الأسرة وذاكرتها.

كيف تُحفظ الجثامين؟

يتساءل كثير من المشاهدين عن السبب الذي يجعل بعض الجثامين تبدو محتفظة بشكلها بعد سنوات طويلة من الوفاة.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها طبيعة المقابر، والظروف المناخية في بعض المناطق الجبلية، إضافة إلى استخدام أساليب تقليدية في حفظ الجثامين قبل الدفن، وهو ما يساعد في بقاء أجزاء منها لفترات زمنية طويلة نسبيًا مقارنة بظروف الدفن المعتادة.

هل هذه المشاهد حقيقية؟

الفيديوهات المنتشرة التي توثق طقوس “ما نيني” ليست جديدة، إذ تم تصوير العديد منها خلال السنوات الماضية بواسطة وسائل إعلام عالمية وصناع محتوى وسياح زاروا المنطقة.

ورغم أن بعض المقاطع قديمة ويُعاد نشرها على أنها حديثة، فإن أصل هذه الطقوس حقيقي ومعروف منذ سنوات، ولا تُعد حدثًا جديدًا.

الجانب الثقافي للطقوس

يرى أبناء شعب توراجا أن الموت لا يعني انتهاء الروابط الأسرية، ولذلك يحرصون على زيارة موتاهم بصورة مختلفة عن المعتاد في كثير من الثقافات الأخرى.

وتُعد هذه المناسبة فرصة لاجتماع أفراد العائلة القادمين من مدن مختلفة، حيث يجتمعون لتجديد الروابط الأسرية وإحياء ذكرى الراحلين.

اختلاف كبير بين الثقافات

أثارت هذه المشاهد انقسامًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فبينما اعتبرها البعض عادة غريبة يصعب تقبلها، رأى آخرون أنها جزء من التراث المحلي الذي يجب احترامه طالما يتم في إطار معتقدات المجتمع الذي يمارسها.

ويؤكد الباحثون في الأنثروبولوجيا أن العادات المرتبطة بالموت تختلف بصورة كبيرة بين الشعوب، فما يُعد أمرًا طبيعيًا في مجتمع معين قد يبدو غريبًا للغاية في مجتمع آخر.

هل تتعارض هذه الطقوس مع الأديان؟

تختلف النظرة إلى هذه الممارسات باختلاف الخلفيات الدينية والثقافية.
ففي العديد من الدول الإسلامية والمسيحية توجد ضوابط خاصة للتعامل مع القبور ورفات الموتى، بينما تعتمد بعض المجتمعات التقليدية في مناطق أخرى على موروثات تاريخية سبقت الأديان الحديثة أو امتزجت معها عبر الزمن.

ولهذا فإن طقوس “ما نيني” تُفهم باعتبارها عادة ثقافية محلية، ولا تمثل ممارسة دينية عامة داخل إندونيسيا، كما أنها لا تعبر عن جميع سكان البلاد.

لماذا تعود هذه الفيديوهات للانتشار باستمرار؟

يعتمد صناع المحتوى على نشر المقاطع التي تثير الفضول، خصوصًا تلك التي تعرض عادات غير مألوفة أو مشاهد نادرة.
ولهذا تظهر فيديوهات “ما نيني” من جديد بين الحين والآخر، وغالبًا ما تُنشر بعناوين توحي بأنها حدث وقع مؤخرًا، رغم أن كثيرًا منها صُور منذ سنوات.

وينصح خبراء التحقق الرقمي بالتأكد من تاريخ نشر الفيديو قبل مشاركته، لأن إعادة تداول المقاطع القديمة دون توضيح قد يؤدي إلى نشر معلومات مضللة حول توقيت الأحداث.

ردود فعل واسعة على مواقع التواصل

حقق الفيديو آلاف المشاهدات والتعليقات، حيث عبر بعض المستخدمين عن اندهاشهم من قدرة العائلات على التعامل مع الجثامين بهذه الطريقة، بينما رأى آخرون أن احترام ثقافات الشعوب المختلفة لا يعني بالضرورة تبنيها أو ممارستها.

كما دعا عدد من المتابعين إلى قراءة الخلفية التاريخية لهذه العادة قبل إصدار الأحكام، مؤكدين أن فهم السياق الثقافي يساعد على تفسير مثل هذه المشاهد غير المألوفة.

بين الفضول واحترام الخصوصية الثقافية

تمثل طقوس “ما نيني” مثالًا على التنوع الثقافي الكبير الموجود حول العالم، فهي من أكثر العادات إثارة للدهشة بالنسبة للكثيرين، لكنها بالنسبة لأبناء المجتمع الذي يمارسها تعد وسيلة للتعبير عن الوفاء للأسرة وإحياء ذكرى الراحلين.

وفي الوقت نفسه، يبقى من المهم التعامل مع مثل هذه المقاطع بحذر، والتمييز بين الحقائق الموثقة والعناوين المثيرة التي قد تُستخدم فقط لجذب المشاهدات، مع احترام اختلاف الثقافات والعادات بين الشعوب.

الخلاصة

الفيديو المتداول حول طقوس Ma’Nene يستند إلى تقليد ثقافي حقيقي تمارسه بعض العائلات في منطقة توراجا بإندونيسيا، حيث يتم إخراج جثامين الأقارب في مناسبات محددة لتنظيفها وتبديل ملابسها ثم إعادتها إلى القبور. ورغم غرابة هذه الممارسة بالنسبة لكثير من الناس، فإنها تظل جزءًا من تراث محلي محدود، ولا تمثل جميع سكان إندونيسيا أو معتقداتهم

لمشاهدة الفيديو اضغط هنا.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان