تظل اليابان دائما تحت مجهر العالم حينما يتعلق الأمر بالنشاط الزلزالي نظرا لموقعها الجغرافي الفريد فوق نقطة التقاء الصفائح التكتونية الأكثر نشاط في كوكب الأرض التي تعرف بأسم حزام النار، وخلال الساعات الماضية ضجت محركات البحث بالتساؤلات حول وقوع زلزال كبير ضرب “بلاد الشمس المشرقة” يوم أمس الخامس من مايو 2026، وبين التهويل الإعلامي والواقع الجيولوجي تبرز الحقائق لترسم صورة واضحة لنشاط الأرض في تلك المنطقة التي لا تهدأ ولكنها في الوقت ذاته لا تستسلم للدمار بفضل تكنولوجيا هي الأكثر تطوراً في العالم.
حزام النار وغموض 5 مايو زلزال بقوة 5.2 دون أضرار
بالنظر إلى السجلات الرسمية والتقارير الميدانية ليوم 5 مايو 2026 يتبين أنه لم يقع زلزال “مدمر” بالمعنى التقليدي للكلمة ما تم رصده هو هزة أرضية بلغت قوتها 5.2 درجة على مقياس ريختر وهي قوة تصنف بأنها “متوسطة” في القاموس الزلزالي الياباني.
ورغم أن هذا الرقم قد يثير الذعر في مناطق أخرى من العالم، إلا أن اليابان استقبلته كحدث روتيني لم تسجل السلطات أي خسائر في الأرواح أو أضرار هيكلية في المباني، كما لم تصدر أي تحذيرات من موجات تسونامي ما يفسر غياب التغطية الإعلامية العالمية الواسعة لهذا الحدث تحديدا حيث اعتاد اليابانيون على مثل هذه الهزات التي تمر مرور الكرام.
زلزال سانريكو الكبير: صدمة أبريل التي لا تنسى
لكي نفهم القلق الحالي يجب العودة قليلاً إلى الوراء وتحديدا إلى يوم 20 أبريل 2026 في ذلك اليوم واجهت اليابان واحد من أقوى الاختبارات الزلزالية في السنوات الأخيرة، حينما ضرب زلزال عنيف قبالة سواحل “سانريكو” في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، تراوحت تقديرات قوة الزلزال ما بين 7.4 و7.7 درجة على مقياس ريختر وهي قوة كفيلة بإحداث دمار شامل لو وقعت في منطقة غير مستعدة.
أطلق الزلزال صافرات الإنذار في كافة المحافظات الساحلية، وصدرت تحذيرات فورية من موجات مد عاتية (تسونامي)، وبالفعل رصدت الحساسات البحرية وصول أمواج بارتفاع يصل إلى 80 سم في بعض النقاط. ورغم تعطل حركة القطارات السريعة وانقطاع التيار الكهربائي جزئياً إلا أن المعجزة اليابانية تجلت مرة أخرى، حيث لم يتم تسجيل إصابات جسيمة وذلك بفضل صرامة كود البناء المقاوم للزلازل والوعي الشعبي الفائق في التعامل مع لحظات الخطر الأولى.
هدوء نارا: زلازل الأعماق وتأثيرها المحدود
ولم تتوقف الأرض عن الاهتزاز عند هذا الحد، ففي مطلع مايو (يومى 1 و2 مايو 2026) شهدت محافظة “نارا” نشاط زلزالي بقوة تراوحت بين 5.7 و5.8 درجة، ورغم أن القوة تبدو كبيرة، إلا أن “عمق” الزلزال الذي بلغ 70 كيلومتر تحت سطح الأرض كان هو العامل الحاسم في النجاة، فكلما زاد عمق المركز الزلزالي تشتتت الطاقة قبل وصولها إلى القشرة السطحية ما جعل الهزة تشبه “الرجة” القوية دون أن تتحول إلى قوة تدميرية، وهذا يفسر لماذا لم يخلف زلزال نارا أي ضحايا أو خسائر مادية تذكر رغم حالة التأهب التي صاحبت وقوعه.
اليابان وحزام النار: قدر لا يمكن الفراغ منه
تقع اليابان فيما يعرف بـ “حزام النار” في المحيط الهادئ وهو قوس ضخم يشهد حوالي 90% من الزلازل في العالم، اليابان وحدها مسؤولة عن حوالي 20% من الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر عالميا هذا القدر الجيولوجي جعل من اليابان مختبر عالمي مفتوح لهندسة الزلازل، فالناظر إلى ما حدث في زلزال سانريكو (7.7 درجة) يدرك أن الاستثمار في العلم ينقذ الأرواح فبينما تنهار مدن كاملة في دول أخرى تحت قوة 6 درجات تظل ناطحات السحاب في طوكيو تتمايل بمرونة دون أن ينكسر فيها لوح زجاجي واحد.
نظام الإنذار المبكر: ثواني تفصل بين الحياة والموت
ما يجعل التعامل الياباني مع زلازل مايو وأبريل 2026 مميز هو نظام الإنذار المبكر (EEW) هذا النظام يعمل عبر رصد الموجات الأولية السريعة (P-waves) قبل وصول الموجات التدميرية (S-waves) بمجرد وقوع زلزال سانريكو، توقفت القطارات آلياً وأغلقت محطات الغاز ووصلت تنبيهات لجميع الهواتف المحمولة قبل بدء الهزة بـ 10 إلى 30 ثانية، هذه الثواني القليلة هي التي سمحت للسكان بالاختباء تحت الطاولات أو الابتعاد عن النوافذ وهي السر وراء خروج اليابان من زلزال بقوة 7.7 درجة دون “إصابات جسيمة”.
في الختام يمكن القول إن ما تم تداوله عن زلزال “كارثي” في 5 مايو 2026 هو خلط بين النشاط الروتيني (5.2 درجة) وبين الذكرى القريبة لزلزال سانريكو العنيف (7.7 درجة) الذي وقع في أبريل، اليابان تعيش حالة من “التعايش الحذر” مع الأرض حيث ترصد آلاف الهزات سنويا الدرس الحقيقي الذي تقدمه اليابان للعالم ليس في كيفية منع الزلازل، بل في كيفية بناء مجتمعات قوية بما يكفي لجعل الزلزال مجرد خبر في نشرة الأنباء وليس مأساة في سجل التاريخ.
لمشاهدةة الفيديو كاملًا”اضغط هنا“