في واقعة هزت الأوساط الأمنية والقضائية في فرنسا شهد سجن “فيلبينت” (Villepinte) في ضاحية “سين سان دوني” واحدة من أكثر عمليات الهروب جرأة وذكاء في التاريخ الحديث، بطل هذه الواقعة هو السجين “إلياس خيربوش” المعروف في عالم الجريمة المنظمة بلقب “غانيتو” والذي نجح في نيل حريته ليس عبر تسلق الأسوار أو حفر الأنفاق بل من الباب الرئيسي وبمرافقة “أمنية” رسمية!
كيف خدع أخطر مجرمي فرنسا حراس سجن فيلبينت؟
بدأت فصول هذه الدراما الواقعية في تمام الساعة الرابعة عصرا من يوم السبت أمام بوابة سجن “فيلبينت” توقفت مركبة نزل منها شخصان يرتديان زي الشرطة الفرنسية بكامل هيئتهما الرسمية، لم يثيرا أي شكوك لدى الحراس خاصة وأنهما كانا يحملان “طلب استدعاء قضائي” (Réquisition) يطلب نقل السجين إلياس خيربوش بشكل عاجل لوضعه تحت الحجز التحفظي على ذمة قضية جديدة جارية.
اللافت في الأمر أن الوثائق كانت متقنة التزوير لدرجة مذهلة حيث تضمنت الأختام والصيغ القانونية الدقيقة، ما جعل الطاقم الإداري والأمني في السجن يتعامل مع الأمر كإجراء روتيني قانوني لا يدعو للريبة.
ثغرة أمنية قاتلة الخروج من الباب الكبير
لم يكتفي الحراس بفحص الأوراق ظاهريا بل قاموا بكافة الإجراءات المتبعة من تفتيش دقيق للسجين ومطابقة هويته ثم سلموه بكل ثقة لـ “زملائهم” المفترضين، ركب “غانيتو” السيارة مع رفاقه المتنكرين وغادر أسوار السجن تحت أنظار الكاميرات والحراس الذين لم يدركوا أنهم ضحية لعملية احتيال كبرى تم التخطيط لها بدقة متناهية.
الصدمة الكبرى لم تكن في عملية الهروب ذاتها فحسب بل في “الوقت” الذي استغرقته الإدارة لاكتشاف الخدعة فقد مرت 48 ساعة كاملة قبل أن تدرك مصلحة السجون أن “غانيتو” لم يذهب إلى أي مركز شرطة، وأن الوثائق كانت وهمية تماما وذلك بعد أن تأخر السجين في العودة إلى زنزانته في الموعد الذي افترضه الحراس لنهاية التحقيق معه.
من هو “غانيتو”؟ سجل إجرامي يستهدف المشاهير
إلياس خيربوش ليس سجين عادي أو مجرم ممرات فهو عنصر بارز في عصابات “السطو المسلح على المنازل” (Home Jacking) التي تروع الأغنياء والمشاهير في فرنسا، كان يقضي عقوبة بالسجن لمدة 7 سنوات بتهمة الاعتداء العنيف على الشيف العالمي الشهير “سيموني زانوني”.
ولم تتوقف طموحاته الإجرامية عند أسوار السجن حيث تشتبه السلطات في أنه كان يدير عمليات إجرامية من داخل زنزانته باستخدام هواتف مهربة، واستهدف في مخططاته شخصيات رياضية بارزة من بينهم حارس مرمى نادي باريس سان جيرمان السابق، “جانلويجي دوناروما”.
إحراج المنظومة الأمنية وتساؤلات مفتوحة
تسببت هذه الحادثة في إحراج كبير لوزارة العدل والداخلية الفرنسية حيث كشفت عن ثغرة أمنية “بدائية” في كيفية التحقق من أوامر النقل القضائي، فكيف يمكن لشخصين بزي رسمي وورقة مزورة أن يقتحما حصون سجن مشدد الحراسة ويختطفا سجين خطير بهذه السهولة؟
بينما تستمر عمليات البحث والتحري المكثفة في كامل التراب الفرنسي لإعادة إلقاء القبض على “غانيتو” وشركائه، تظل هذه الواقعة درس قاسي في عالم أمن المنشآت الحساسة، ومادة دسمة لوسائل الإعلام التي وصفت الهروب بأنه “عملية سينمائية تفوقت على خيال مخرجي هوليوود”.